أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - نانشي المتفانية إلهة الفقراء والمحتاجين السومرية















المزيد.....

نانشي المتفانية إلهة الفقراء والمحتاجين السومرية


عضيد جواد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 16:47
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


نانشي (المعروفة أيضاً باسم نانسي أو نازي) هي إلهة العدالة الاجتماعية والعرافة السومرية ، التي تجاوزت شهرتها حدودها الأصلية في جنوب بلاد الرافدين لتشمل جميع أنحاء المنطقة في الألفية الثالثة قبل الميلاد. كما أصبحت واحدة من أكثر الآلهة أهمية في حضارة بلاد الرافدين وذلك لتفانيها المطلق في سبيل خير البشرية. إذ كانت ترعى الأيتام والأرامل، وتشرف على القضاء، والمياه العذبة، والطيور والأسماك، والخصوبة . وهي تُفضل العرّافين لتمنحهم القدرة على تفسير الرؤى والأحلام بدقة. وعُرفت أيضاً باسم "سيدة المخازن"، وبهذه الصفة كانت تتأكد من صحة الأوزان والمقاييس؛ مكتسبة شهرة واسعة من خلال هذا الدور المرتبط بالتجارة.
كانت نانشي ابنة إنكي إله الحكمة والمياه العذبة، ونينهورساگ الإلهة الأم (مع أنها تُذكر أيضاً كابنة إنليل ). وفي بعض الأساطير هي شقيقة نيسابا إلهة الكتابة ، والإله المحارب نينورتا . وفي أساطير أخرى تظهر كشقيقة لإنانا وإريشكيگال . وكان قرينها " هايا " إله المخازن. ومستشارها هيندورساگ مسؤول محاسبة الناس على أفعالهم وذنوبهم . وكان زوجها / قرينها في الأصل هو نيندارا الشقيق الأكبر لهيندورساگ وإله مدينة لگش المحلي المعروف بـ المحارب العظيم و"جابي ضرائب البحر". ومع أن معنى هذا اللقب غير واضح تماماً ؛ إلا أنه يُربط عادةً مع الإله هايا. وكانت نانشي مهتمة بشكل خاص باللاجئين والنازحين الفارين من المناطق التي تمزقها الحروب ، وقد وجد هؤلاء ملاذاً آمناً في معبدها سيرارا في ضاحية نينا الواقعة في مدينة لگش .

تُصوَّر الالهة نانشي على ختم أسطواني كامرأة ترقص فوق الماء، ويحيط بها إلهان مجنحّان من آلهة الأرض (أنونا)، و يعلوها قرص الشمس المجنح (رمز أوتو- شمش إله العدالة). وقد أوكل إليها الاله إنكي مسؤولية مياه الخليج العربي وجميع الكائنات التي تقطن فيه، وكثيراً ما يُشار إليها في سياق الماء. كما يُرمز إليها أيضاً برمز السمكة والوّز؛ فالسمكة تربطها مع عنصر الماء والتي ترمز أيضاً إلى الحياة، بينما يرمز الوّزالذي ورد في الأسطورة ؛إنه المضحّي بنفسه من أجِل إطعام صغاره، وكان ذلك يمثّل تفانيها في خدمة البشر.
في جميع النقوش والترانيم التي تذكرها، تُوصف نانشي في أنها طيّبة ورحيمة وعطوفة وحكيمة. ولعلها اشتهرت أكثر من خلال أسطوانتي گوديا (حاكم لگش)، وهما أسطوانتان من الطين المفخور تحملان نص " تشييد معبد نينگيرسو" ، ويعود تاريخهما إلى حوالي عام 2125 قبل الميلاد، حيث تفسر فيهما حلم گوديا (حوالي عام 2144-2124 قبل الميلاد)، وتشجعه على بناء معبد لإلهه .

أصل نانشي في الأساطير
تحكي الأسطورة السومرية "إنكي ونينهورساگ" قصة بداية العالم في فضاء الجنّة المعروفة باسم "دلمون ـ دولة البحرين". ونينهورساگ التي تم تخيلها على أنها إلهة شابة ونشطة؛ قد انزوت في فصل الشتاء للمثول إلى الراحة بعد دورها في عملية الخلق . أما إنكي (إله الحكمة و السحر والمياه العذبة) ، قد صادفها هناك وهام في عشقها. وبعد أن أمضيا سوياً في ليالٍ عدة ؛ حملت نينهورساگ بابنة أطلقا عليها اسم "نينسار" (سيدة النبات) .
تُبارك نينهورساگ المولودة بنمو سريع، فتبلغ وتصبح امرأة كاملة في تسعة أيام . وعندما جاء الربيع، كان على نينهورساگ العودة إلى واجباتها في رعاية الكائنات الحية الأرضية ومغادرة دلمون، إلا أن إنكي و نينسار لم يغادرا معها .
افتقد إنكي زوجته نينهورساگ بشدة. وذات يوم لمح ابنته نينسار تتجوّل بجوار الشاطيء فتراءى له انها نينهورساگ . راح يغويها فتحمل منه بابنة أسماها "نينكورا" (إلهة المراعي الجبلية). ثمّ كبرت نينكورا أيضاً بسرعة وأصبحت امرأة شابة خلال تسعة أيام ؛ لكن إنكي كرر الأمر نفسه مرة أخرى مع الصبية نينكورا ؛ ظنّاً منه انها حبيبته نينهورساگ .
تخلّت نينسار عن إنكي من أجل ابنتها نينكورا التي أنجبت ابنة اسمها "أوتو" (حائكة الأنماط ورغبات الحياة) بعد اغوائها . وكانت أوتو سعيدة مع إنكي لفترة من الوقت. ومثلما كان الحال مع نينسار و نينكورا، وقع إنكي في غرام أوتو أيضاً ؛ ولكن بمجرّد ما أن أدرك أنها ليست نينهورساگ ؛ تركها وعاد إلى مهامّه المعتادة على الأرض .
أصاب أوتو الذهول واستنجدت بـ نينهورساگ لمساعدتها . وبعد أن حكت لها عن الذي حصل ؛ طلبت منها نينهورساگ التخلّص من بذور إنكي التي تحملها في جسدها ودفنها في أرض دلمون . فعلت أوتو ما قيل لها، وبعد تسعة أيام نمت ثمانية نبتات جدد في الأرض . وعند هذا المشهد ، يعود إنكي مع خادمه إسيمود إلى دلمون .
عند مروره بالنبتات، يتوقف إنكي متسائلاً عن ماهيتها، فيقطف إسيمود واحدة منها ويقدمها لإنكي الذي أكلها. وعندما وجدها لذيذة جداً ؛ طلب من خادمه أن يقطف له السبعة الأُخر، ليأكلها أيضاً وبنهم . ولمّا حضرت نينهورساگ ؛أدركت أن إنكي قد أكل جميع النبتات ؛ فغضبت وقررت الانتقام منه بقذفه بـ " عين الموت" مع سيل من اللعنات ، وطرده من دلمون والأرض .

مرض إنكي مرضاً شديداً وهو على شفا الموت، فحزنت عليه الآلهة الأخرى، بيد أنه لا أحد يستطيع أن يشفيه باستثناء نينهورساگ التي من الصعب العثور عليها وسط هذه المحنة.
ظهر ذلك الثعلب ؛ وهو أحد حيوانات نينهورساگ الذي يعرف مكانها ، فقرر الذهاب اليها لإبلاغها . وسرعان ما توجهت نينهورساگ نحو إنكي وجذبته إليها، ثم وضعت رأسه في حضنها الأنثوي ، وأخذت تداعبه وتسأله عن مكان وجعه ، وفي كل مرة يقول لها أن تسحب الألم إليها ؛ فتلد إلهاً . وبهذه الطريقة، يولد ثمانية من الآلهة ( ذكور وإناث) الأكثر ملائمة لحياة البشر: آبو - إله النبات والنمو . نينتولا - إله ماگان ( سلطنة عُمان)، الذي يرعى النحاس والمعادن الثمينة . نينسيتو - إلهة الشفاء وقرينة نينازو . نينكاسي - إلهة البيرة . نانشي - إلهة العدالة الاجتماعية والعرافة . أزيموا - إلهة الشفاء وزوجة نينگيشيدا في العالم السفلي .إمشاگ ـ إله أرض دلمون والخصوبة . نينتي - "إلهة الضلع" التي تمنح الحياة .
أخيراً؛ يُشفى إنكي ويندم على أكله للنبتات وتهورّه في إغواء الفتيات. كما أن نينهورساگ قد سامحته لإعترافه بخطئه ، ويعود الاثنان إلى مهام الخلق المعتادة . ومن بين هؤلاء الثمانية، أصبحت نينكاسي ونانشي الأكثر شهرة والأكثر تبجيلاً.

إلهة العدالة
ذاع صيت الالهة نانشي في أوساط التجارة، بفضل حرصها على العدل والإنصاف. فقد كانت تحرص على دقة الأوزان والمقاييس، وتمنع الغش في الأسواق. وفي بلاد الرافدين القديمة، كان يُوضع ما يُراد شراؤه من الحبوب على ميزان في كفة ، و بثقل مُحدد في الكفة الأخرى . وكان من الممكن التلاعب بهذه الأثقال لإظهار وزن مختلف عن حقيقته، بهدف خداع الزبائن لدفع المزيد مقابل كمية أقل . وكان يُستعان بـ نانشي للحماية من هذه الممارسات، وكذلك في أداء اليمين على نزاهة التجارة. وبمجرّد أداء اليمين، كان من مصلحة التاجر الوفاء به، لأنه على الرغم من أن نانشي كانت إلهة رحيمة، إلا أنها لم تكن تتردد في إظهار غضبها على من يتجاوز تعاليمها. ويذكر جزء من إحدى ترانيمها من قد يُعانون على يديها :
" أولئك الذين ساروا في المعصية ، ومدوا أيديهم مرفوعة ، والذين تجاوزوا الحدود ، ونقضوا العهود ، والذين نظروا بعين الرضا إلى مواضع الشر، والذين استبدلوا وزناً كبيراً بوزن قليل ، والذين استبدلوا مكيالاً كبيراً بمكيال صغير، والذين أكلوا شيئاً ليس لهم ولم يقولوا: "لقد أكلته"، والذين شربوا ولم يقولوا: "لقد شربته"، والذين قالوا: "أود أن آكل ما هو محرّم " ، والذين قالوا: "أود أن أشرب ما هو محرّم". (كريمر،ص 125)
تصف الترانيم نفسها أيضاً أولئك الذين ترعاهم الإلهة نانشي كما في المقطع أدناه :
نانشي هي الإلهة التي تعتني بالمُعدمين والفقراء واليتامى والمحرومين ..
[نانشي هي] التي تعرف اليتيم، والتي تعرف الأرملة ..
تعرف ظلم الإنسان للإنسان، وهي أم اليتيم ..
نانشي التي ترعى الأرملة، والتي تسعى لتحقيق العدالة لأفقر الفقراء ..
الملكة تأخذ اليتيم إلى حضنها ..
وتجد المأوى للمحتاجين ..
(كريمر،ص 124)
وبهذا المعنى، فقد ارتبطت نانشي مع أوتو- شمش إله العدالة السومري/ الأكدي الذي يمثل الشمس . إذ ترى الشمس كل شيء على الأرض وهي تعبر السماء، وكذلك كان أوتو- شمش؛ إلا أن نانشي كانت أكثر سهولة في الوصول إليها.

عبادة نانشي
عُبدت نانشي منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد في جميع أنحاء بلاد الرافدين وحتى الظهور المسيحي . بل إن حتى المسيحيين الأوائل قد تبنوا رموزها (السمكة والوّز ) لإلههم . ولم يكن معبد نانشي في لگش مجرد مكان للعبادة، بل كان في عهد الملك گوديا حيث كاهنات وكهنة المعبد يطعمون الفقراء ويرعون المرضى ويهتمون بالأيتام والأرامل، ويشاركون في تحقيق العدالة بين الناس؛ كما جاء في الترانيم .

في اليوم الأول من العام الجديد، يقام احتفال كبير في معبدها، يحضره الناس من جميع أنحاء البلاد. وكان على الحضور أن يُطهّرون أنفسهم طقسياً أولاً، ثم يخضعون للمحنة. وكانت هذه المحنة ممارسة شائعة في بلاد الرافدين القديمة، حيث كان الآلهة يُثبتون البراءة أو الإدانة بأبسط الوسائل :حيث يُلقى المتهم في النهر، فإن نجا من الغرق فهو بريء. وكان على الزائرين الراغبين في سماع حكم الإلهة نانشي لحل نزاع قانوني أو اكتساب رؤية للمستقبل الخضوع للمحنة قبل دخول مجمع المعبد. ومن غير الواضح ما إذا كان كل الحاضرين للمعبد الخضوع لهذه المحنة، ولكن على الأرجح لم يكن الأمر كذلك . أما من جاءوا يطلبون رؤية المستقبل أو تفسير الأحلام، فكان عليهم أن يكونوا طاهري القلوب حتى ترضى عنهم الإلهة، وكان عليهم بالتأكيد إثبات خلوهم من الذنوب والخطايا. وكان أشهر من نال كرم نانشي حاكم لگش الملك گوديا، الذي لم يكن بحاجة الخضوع للمحنة عند استشارتها ؛ وذلك لشدة إخلاصه للآلهة وطاعته لإرادتها .

رؤية الملك گوديا
يُعدّ گوديا من أشهر حكام بلاد الرافدين، على الرغم من أن معظم الناس لا يعرفون اسمه. حيث كان تقيّاً ومطيعاً للآلهة ، وقد حافظ على التراث الأدبي والديني لبلاد سومر. وبالإضافة إلى جهوده في بناء المعابد والمزارات، فقد ارتقى في مكانته إلى درجة عالية من السمّو، حتى أنه عُبد كإله خلال فترة أور الثالثة (عام 2112 ـ 2004 قبل الميلاد).
وحتى لو لم يسمع الشخص باسمه قط ، أو لم يكن لديه معرفة سطحية بفنون بلاد الرافدين، فلا بد أنه قد لمح يوماً ما تمثال لرجل مرتدياً عباءة ويداه متشابكتان وهو في وضع الصلاة ؛ ذلك هو تمثال الملك گوديا. وبينما توجد تماثيل عديدة أخرى تصور رجالاً ونساءً سومريين مختلفين في وضع الصلاة، فإن تمثال گوديا هو الأكثر شيوعاً في المنشورات والإعلام الحديث .
في أحد أكثر النصوص السومرية اكتمالاً وإقناعاً، دوّن گوديا حلماً جاءهُ فيه إله مدينة لگش، نينگيرسو (المعروف لاحقاً باسم نينورتا)، ليكرمه ويطلب منه بناء معبد. وقد رُوي الحلم كما لو أن أحداثه وقعت في يقظته، وهو مُقدّم هنا كوصف مترجم من الكتابة المسمارية يعود إلى المستشرق البروفيسور صموئيل نوح كريمر:
" رأى گوديا في المنام رجلاً قامته طويلة جداً ويعلو رأسه تاج إلهي، وله جناحان كجناحي طائر وبرأس أسد، والجزء السفلي من جسده يشبه موج البحر الهائج ، و أسود رابضة على يمينه ويساره. وقد أمر هذا الرجل الضخم گوديا ببناء معبده، لكنه لم يفهم مغزى كلامه.
انبثق النهار (وهو في الحلم ) ظهرت امرأة تحمل قلماً ذهبياً وتتأمل لوحاً طينياً نُقش عليه صورة السماء المرصعة بالنجوم . ثم ظهر محارب يحمل لوحاً من اللازورد نُقش عليه مخططاً لمنزل؛ كما وضع طوباً طينياً في قالب وقدمّه لگوديا مع سلة أحمال. وفي الوقت ذاته ، كان حمارٌ ذكرٌ مُهجنٌ يحفر بحوافره الأرض بقوة .
ولأن معنى الحلم لم يكن واضحاً له، قرر گوديا استشارة الإلهة نانشي التي كانت تفسر الأحلام للآلهة؛ بيد أن نانشي كانت تسكن في منطقة من لگش في ضاحية نينا، وكان الوصول إليها أسهل عبر نهر مائي عريض وعميق . لذلك سافر گوديا إليها بالقارب، وحرص على التوقف عند العديد من المعابد المهمة على طول الطريق لتقديم القرابين والصلوات لآلهتها سعياً لرضاهم .
وأخيراً، وصل القارب إلى ضاحية نينا، فذهب گوديا مرفوع الرأس إلى فناء المعبد حيث قدم القرابين، ورشّ الماء المطهّر، ومن ثم أدّى صلاته ، فأخبرها بحلمه ففسرته له نقطة بنقطة، على النحو التالي :
الرجل ذو القامة الطويلة ويعلو رأسه تاج إلهي، وله جناحان كجناحي طائر وبرأس أسد، والجزء السفلي من جسده يشبه موج البحر الهائج ، و أسود رابضة على يمينه ويساره؛ هذا هو أخي نينگيرسو، الذي أمرك ببناء معبد إنينو. وبزوغ الفجر فوق الأفق؛ ذلك هو نينگيشزيدا، إله گوديا الشخصي الذي يشرق كالشمس . والمرأة التي تحمل قلماً ذهبياً وتتأمل لوحاً طينياً نُقش عليه صورة السماء المرصعة بالنجوم ؛ تلك هي نيسابا (إلهة الكتابة والإلهة الراعية للمدارس)، التي ترشدك لبناء المنزل وفقاً لـ"النجوم المقدسة". والمحارب الذي يحمل لوحاً من اللازورد ؛ هو الإله المعماري نيندوپ وهو يرسم مخطط المعبد. أمّا سلّة الأحمال وقالب الطوب الذي وُضع فيه "طوبة القدر" فهما يرمزان إلى طوب معبد إنينو. والحمار الذكر الذي يحفر بحوافره الأرض بقوة هو بالطبع گوديا نفسه، الذي يتوق لإنجاز مهمته بأسرع وقت ممكن . "(ص138-139)

استيقظ گوديا من حلمه، وبعد الصلاة وتقديم القرابين، شكر نانشي، ثم أخبر شعبه برؤياه وطلب مساندتهم . فاستجابوا بحماس كبير. وينتهي النص الذي يصف الرؤيا بانتهاء بناء معبد نينگيرسو في لارسا .

تُصوّر أسطوانات گوديا الإلهة نانشي في أنها إلهة حكيمة مُعينة، استجاب لها الكثير من سكان بلاد الرافدين . وتتفق الترانيم والنقوش الأخرى مع ذلك التصوير. وفي أسطورة إنكي ونظام الكون على سبيل المثال لا الحصر،؛ تُقارن نانشي بشقيقتها الإلهة إنانا بصورة إيجابية. مع أن إنانا كانت الإلهة الأكثر شعبية في بلاد الرافدين، إلا أنها تُوصف غالباً كطفلة مدللة تُثير نوبات الغضب لكي تنال ما تريد، وفي هذه الأسطورة ، تُوصف بهذه الصورة تحديداً:
بعد أن خلق إنكي الكون وحدد مكانة ووظيفة كل كائن حي بما في ذلك الآلهة، واجهته إنانا متذمرةً من أن الآخرين يملكون مواهب أعظم منها. وذكرت شقيقتها نانشي في نهاية حديثها، مشيرةً إلى الصفات الرائعة التي مُنحت لها وحُرمت منها هي. فكان رد إنكي: "ماذا أخفيت عنكِ؟ ماذا يمكنني أن أضيف إليكِ؟" قبل أن يسرد جميع الصفات الحميدة التي مُنحت لها فعلاً. وخلال حديث إنانا الغاضب، التزمت نانشي الصمت، وكذلك بقية الآلهة. ولم تكن إنانا بحاجة إليهم ليحكموا عليها، لأن كلماتها الغاضبة التي تعبر عن جحودها ورد إنكي اللائق عليها ؛ قد أثلج قلوب الجميع .

على عكس إنانا أو حتى إنكي، لا توجد أساطير تُصوّر نانشي على أنها تافهة أو أنانية أو غير مبالية. فهي دائماً ما تكون مدافعة عن الضعفاء والمهمشين، ورفيقة للمنبوذين والفقراء والمرضى والأرامل والأيتام ، والغرباء الذين يلتمسون اللجوء في أرض غريبة. كما إنها رفيقة المسافر والتائه ، وصديقة للجميع في مجتمعها. وإحدى ترانيمها توضح أن دورها الأساسي كان:
" لمواساة اليتيم، ولحماية الأرملة، ولإقامة مكان لتدمير الأقوياء، ولتسليم الأقوياء للضعفاء، نانشي تبحث في قلوب الناس ."(كريمر،ص 125)
إذا كان الأمر كذلك، فقد يتساءل المرء ؛ لماذا كانت هذه الإلهة تحظى بتلك الشعبية الكبيرة؛ في حين كان واضحاً في بلاد الرافدين القديمة كما هو الحال اليوم ؛ حيث الأيتام والأرامل والفقراء والمحتاجين والنازحين مهمّشون ، وفي كثير من الأحيان ليس لديهم أي اعتبار عند الأقوياء وأصحاب السلطة والنفوذ الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم ومصالحهم الشخصية ، وهم يفلتون من الحساب والعقاب في كل مرّة !!
كان جواب أهل بلاد الرافدين؛ أنه على الرغم من أن الإلهة نانشي لم تكن تقصد لهم إلا الخير، إلا أن إلهاً أو عفريتاً أو روحاً هائمة أخرى قد تكون لها نوايا أخرى سيئة !. وكان أفضل ما يمكن فعله هو وضع الثقة في الإلهة، واللجوء إليها في أوقات الحاجة، وشكرها والابتهاج معها في أوقات الرخاء، والأمل كبير في أن تنتصر قوة نانشي على قوى الظلام واليأس . وكانت أنجع طريقة لضمان تلك النتيجة، بالطبع هي العمل وفقاً للقيم التي جسدتها نانشي، والتضرع إليها طلباً للحماية والإرشاد ، والسعي لنشر نورها في حياة الناس ..



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ستيفن بيرتمان ـ الحياة في بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2005 .
جيريمي بلاك ـ الآلهة ، العفاريت والرموز في بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة تكساس ـ 1992 .
پول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين ميلاد الحضارة ـ سانت مارتن گريڤين ـ 2012 .
گويندولين ليك ـ بلاد الرافدين من الألف الى الياء ـ طباعة أكاديمية بلومزبيري ـ 2010 .
صموئيل نوح كريمر ـ السومريون : تاريخهم ، ثقافتهم ، شخصياتهم ـ طباعة جامعة شيكاغو ـ 1971 .
ستيفاني دالي ـ أساطير بلاد الرافدين ـ جامعة اكسفورد للطباعة ـ 2009 .



#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إنكي إله الحكمة السومري الماكر
- إنليل حارس ألواح القدر في بلاد الرافدين
- من قصص الآلهة ـ آنو أبو الآلهة في بلاد الرافدين
- أوتو- شمش إله الشمس والعدالة عند السومريين
- نانا إله القمر والحكمة في بلاد الرافدين
- الشرق الأدنى مصطلح جديد لأرض قديمة
- أدب بلاد الرافدين من أقدم أعمال الخيال
- بابل بوابة الآلهة
- كاليگولا الامبراطور المجنون !
- بلاد سومر في التأريخ
- حفلة الرجال المحترقين
- السلالات المبكرة في بلاد الرافدين
- أعمال السحر عند الإغريق والرومان
- رثاء المدن في بلاد الرافدين القديمة
- قرنان من التمرّد ضد أقوى إمبراطورية في العالم ( الصراع بين ا ...
- مَن كان ملكاً ومَن لم يكن ملكاً في قائمة الملوك السومريين
- عيد الحب ( ڤالنتاين )
- ديانة المايا في أساطيرها عن الخلق والآلهة والطقوس
- الممثل الذي قتل الرئيس !!
- أصل وتاريخ نظام التقويم الغربي


المزيد.....




- بعد تسلّمه من الإمارات.. زعيم عصابة أيرلندي مزعوم يمثل أمام ...
- مسيرة من التوتر.. كيف تعامل رؤساء أمريكا السابقون مع إيران؟ ...
- بيانات ملاحية: تراجع حركة عبور السفن في هرمز واستقرارها في ب ...
- السعودية على جبهتين في اليمن.. فما الذي تغيّر؟
- سلطنة عمان تعلن عن تسرب نفطي في مياهها الإقليمية
- ثلوج كثيفة تغطي أجزاء من جنوب إفريقيا (صور+فيديو)
- سوريا تستعيد 23 قطعة أثرية من فرنسا بعد عودة العلاقات الدبلو ...
- في جولة تفقدية له.. بوتين يؤكد على ضرورة تنمية مناطق الشرق ا ...
- -مش هجيبه واللا عايز يجيب على حسابه-.. وزير الصحة المصري يسد ...
- حزب الإصلاح البريطاني يثير جدلا بخطة ترحيل السجناء الأجانب إ ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - نانشي المتفانية إلهة الفقراء والمحتاجين السومرية