أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أيمن زهري - طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرسمية؟















المزيد.....

طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرسمية؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 11:40
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


شهدت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق، حتى أصبحت أحد أبرز المؤشرات الإيجابية في أداء الاقتصاد المصري، خصوصًا في ظل تراجع بعض المصادر الأخرى للنقد الأجنبي، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس المتأثرة بالتوترات الإقليمية واضطراب الملاحة في البحر الأحمر. تشير بيانات البنك المركزي المصري إلى وصول التحويلات إلى نحو 41.5 مليار دولار خلال عام 2025، مسجلة أعلى مستوى سنوي في تاريخها، بعد زيادة تقترب من 40 في المائة مقارنة بالعام السابق، كما استمر الاتجاه التصاعدي خلال الشهور التالية، بما أثار سؤالًا مشروعًا: هل تعكس هذه الطفرة زيادة حقيقية في دخول المصريين بالخارج، أم أنها مجرد نتيجة لانخفاض قيمة الجنيه؟

بلا شك، لعب انخفاض قيمة الجنيه دورًا أساسيًا في ارتفاع التحويلات، لكنه لم يكن العامل الوحيد، وربما لم يكن تأثيره المباشر هو الأهم، فالقيمة الإحصائية للتحويلات تُقاس بالدولار، وليس بالجنيه المصري، ومن ثم فإن إرسال ألف دولار يظل مسجلًا باعتباره ألف دولار سواء كان سعر الدولار ثلاثين جنيهًا أو خمسين جنيهًا. التأثير الحقيقي لسعر الصرف يقع على سلوك المهاجر، وعلى اختياره بين القنوات الرسمية وغير الرسمية، وعلى مقدار ما تحتاج إليه أسرته داخل مصر.

قبل قرارات مارس 2024، اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، حتى أصبح تحويل الأموال من خلال البنوك وشركات الصرافة الرسمية ينطوي على خسارة كبيرة للمهاجر وأسرته، لذلك اتجه عدد متزايد من المصريين بالخارج إلى قنوات غير رسمية، يحصل من خلالها المستفيد على قيمة أعلى للدولار. لذلك يمكننا القول بكثير من التأكد أن الأموال كانت تصل بالفعل إلى الأسر، لكنها لم تكن تمر عبر الجهاز المصرفي، ومن ثم لم تكن تظهر ضمن بيانات البنك المركزي باعتبارها تحويلات رسمية.

أدى تحرير سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية إلى تراجع الميزة التي كانت تتمتع بها القنوات غير الرسمية، وعندما أصبح البنك يقدم سعرًا قريبًا من السعر المتداول خارج الجهاز المصرفي، عاد جزء كبير من التحويلات إلى البنوك وشركات تحويل الأموال. بهذا المعنى، لا تمثل الطفرة الراهنة كلها أموالًا جديدة، بل تشمل أموالًا كانت تصل إلى مصر من قبل، لكنها كانت تسلك طرقًا لا ترصدها الإحصاءات الرسمية.

يمكن إذن وصف الجانب الأكبر من الزيادة بأنه “عودة إلى القنوات الرسمية” أو إعادة توجيه للتحويلات، وليس بالضرورة نموًا مماثلًا في دخول المصريين العاملين بالخارج. تؤكد هذه الملاحظة حقيقة أن التحويلات الرسمية كانت قد انخفضت بشدة خلال عامي 2022 و2023، بالتزامن مع أزمة النقد الأجنبي واتساع السوق الموازية، ثم بدأت في التعافي السريع بعد إجراءات مارس 2024. لذلك تبدو معدلات النمو الحالية ضخمة جزئيًا لأنها تُقارن بفترة كانت التحويلات المسجلة خلالها منخفضة على نحو استثنائي.

أسهم انخفاض الجنيه أيضًا في زيادة القوة الشرائية لكل دولار داخل مصر. فالمهاجر الذي يرسل ألف دولار أصبح يوفر لأسرته عددًا أكبر من الجنيهات، كما أصبحت بعض الأصول، وخاصة العقارات والأراضي، أقل تكلفة عند تقويمها بالعملات الأجنبية. شجع ذلك بعض المصريين بالخارج على تحويل مدخرات كانوا يحتفظون بها في دول الإقامة، أو على التعجيل بشراء مسكن أو سداد التزامات مالية داخل مصر. ربما تضمنت الطفرة الحالية تحويلات مؤجلة تراكمت خلال فترة عدم استقرار سوق الصرف، ثم دخلت البلاد بعد تحسن قدرة البنوك على تدبير العملات الأجنبية.

لكن ارتفاع القوة الشرائية الاسمية للدولار لا يعني بالضرورة تحسنًا مماثلًا في المستوى المعيشي للأسر، فقد تزامن انخفاض الجنيه مع ارتفاع شديد في أسعار الغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية والمواصلات، بحيث احتاجت الأسرة إلى مبالغ أكبر للمحافظة على مستوى الاستهلاك نفسه. هنا تظهر الطبيعة التعويضية للتحويلات؛ فالمهاجر لا يرسل المال فقط لأنه يحصل على عدد أكبر من الجنيهات، بل لأنه يعرف أن أسرته تواجه تكاليف معيشة متزايدة. من المعروف في أدبيات الهجرة أن التحويلات غالبًا ما ترتفع وقت الأزمات، لأنها تقوم على التضامن العائلي والاستجابة للحاجة، وليس فقط على حسابات الاستثمار والربح.

ساعد انتشار الخدمات الرقمية وتطبيقات تحويل الأموال، إلى جانب توسع البنوك في تقديم منتجات موجهة للمصريين بالخارج، على جعل التحويل الرسمي أسرع وأيسر وأقل تكلفة، كما أن عودة قدر من الثقة في قدرة الجهاز المصرفي على تسليم التحويلات من دون تأخير أو قيود دفعت مزيدًا من المهاجرين إلى التخلي عن الوسطاء غير الرسميين. تزامن ذلك مع استمرار الهجرة المصرية إلى دول الخليج والدول الأوروبية، بما يعني اتساع قاعدة المصريين القادرين على إرسال الأموال، إضافة إلى تحسن نسبي في فرص العمل والأجور في بعض دول المقصد.

تتكون الطفرة الحالية، بناء على ذلك، من ثلاثة عناصر متداخلة: تحويلات انتقلت من السوق غير الرسمية إلى الجهاز المصرفي، ومدخرات مؤجلة أُرسلت بعد استقرار سوق الصرف، وزيادة حقيقية ناتجة عن اتساع عدد المهاجرين وارتفاع احتياجات أسرهم. يصعب في ظل نقص البيانات تحديد الوزن الدقيق لكل عنصر، لكن من غير الواقعي افتراض أن دخول المصريين بالخارج زادت خلال فترة قصيرة بنسبة تساوي الارتفاع المسجل في التحويلات.

تمثل عودة التحويلات إلى القنوات الرسمية تطورًا مهمًا للاقتصاد المصري، لأنها تدعم احتياطي النقد الأجنبي وتساعد في تمويل الواردات وتقليل الضغوط على ميزان المدفوعات، غير أن التحويلات تظل أموالًا خاصة يرسلها المهاجرون إلى أسرهم، وليست موردًا عامًا متاحًا للحكومة بلا حدود، كما أن الاعتماد المفرط عليها لا يعوض الحاجة إلى زيادة الصادرات والاستثمار والإنتاج.

سيكون الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة، فإذا استقرت التحويلات حول مستوياتها الحالية، أمكن القول إن مصر نجحت في استعادة تدفقات كانت قد فقدتها لصالح السوق الموازية، إلى جانب تحقيق نمو حقيقي في التحويلات، أما إذا تراجعت معدلات الزيادة بعد انتهاء أثر المدخرات المؤجلة وضعف سنة الأساس، فسيتضح أن الطفرة كانت في جانب كبير منها عملية تصحيح استثنائية. كان انخفاض الجنيه الشرارة، لكنه لم يكن القصة كلها؛ فالقصة الأهم هي عودة أموال المصريين بالخارج من الاقتصاد غير الرسمي إلى القنوات التي تستطيع الدولة رؤيتها وتسجيلها.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟


المزيد.....




- حرب إيران تستنزف ترسانة واشنطن: البنتاغون يمهل شركات السلاح ...
- رئيس «البحوث الزراعية» يتفقد محطة بحوث الجميزة لمتابعة البرا ...
- -الشيوخ الأمريكي- يمهد لتصويت حاسم على تنظيم العملات المشفرة ...
- هروب من الدولار إلى اليوان.. هل تستقل أفريقيا أم تعيد توزيع ...
- الجيل الذهبي لفلسطين... والفرصة العظمى
- البنتاغون يمنح شركات السلاح 21 يوما لتسريع الإنتاج وسط استنز ...
- «التخطيط والبترول» تبحثان تأمين الطاقة وزيادة الإنتاج وجذب ا ...
- ضبط 16 مخبزًا بالغربية لمخالفات في إنتاج الخبز.. وإحالتها لل ...
- -واشنطن بوست- عن مذكرة رسمية: البنتاغون طلب من شركات الأسلحة ...
- زيلينسكي يحدد متى يمكن لكييف إنتاج صواريخ -باتريوت- في حال ح ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أيمن زهري - طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرسمية؟