أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض















المزيد.....


العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 21:25
المحور: الادب والفن
    


العمل الفدائي في رواية "مجموعة عكا 778" توفيق فياض
قبل الدخول إلى الرواية أضع بين يدي القارئ ما جاء على الغلاف الخارجي للرواية: "قد تظنون سادتي أنني أروي لكم الآن قصة من عالم الخيال، أو الكتب، ولكن لأسفي الشديد بل وأسفنا جميعا أن أحداث هذه القصة قد وقعت بالفعل وهؤلاء هم أبطالها: "فوزي نمر احمد، محمد حسين غريفات، يوسف أبو الخير، عبد حزبوز، فتح الله السقا، رامز توفيق خليفة" هكذا افتتح المدعي العام العسكري للجيش الإسرائيلي (العقيد ديفيد يسرائيلي) مرافعته أمام المحكمة العسكرية في اللد.
معاريف 24/2/1970" هذا التوضيح يبين حجم السرية التي اتسمت بها عمليات المجموعة 788، وكيف تخفت خلف قناع التعاون مع الاحتلال، إن كان من خلال فوزي نمر أو الجندي محمد غريفات، أو بقية المجموعة التي كانت تبدو منحلة وغير مبالية بما يجري على الأرض، فاستطاعت القيام بعمليات نوعية أحداث هزات في الدولة، حتى أن الناس خرجوا يتظاهرون ضد القيادة العسكرية والأمنية والسياسة بعد تفجير خمس عمارات في حيفا.
يمكن القول إن رواية مجموعة عكا778 تعد أول رواية فلسطينية تحدثت عن العمليات الفدائية دخل فلسطين المحتلة، فقد قدم السارد "فوزي نمر" تفصيل عن المجموعة، دوافع وأسباب تشكيلها، الأعضاء الذين شكلوها، العمليات التي قامت بها، الصعوبات التي واجهت أثناء الإعداد والتنفيذ، الهدف من وراء العمليات، الخسائر التي أحدثتها وأثرها على دولة الاحتلال، كما توقف عن سلبيات الفصائل الفلسطينية التي كانت تتصارع على تبني العمليات مما جعلها تقدم تفاصيل مجانية للاحتلال ـ ما كان يجب تقديمها ـ عبر المؤتمرات الصحفية، مما سهل على الشين بيت معرفة طريق عبور المتفجرات، ومن ثم إلقاء القبض على "قاسم أبو خضرا، وعمر السيلاوي" كما توقف عند (تشعبات) المهام التي يعطيها "الحاج أسعد" لنفسه، حيث قام بإعطاء رسالة لامرأة للقيادة في عمان: "يتوسط فيها لزوجها كي تعفي القيادة عنه، وقد قبض على المرأة والرسالة معا" ص188، وهذا ما جعل الشين بيت يعرف أكثر عن أفراد المجموعة، لينكشف بعدها كل أفرادها ويقعوا في الأسر.
دوافع وأسباب تشكيل المجموعة
هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران 67 جعل دولة الاحتلال في ذروة العظمة والغطرسة، فقد استولت على الضفة الغربية، وغزة وسيناء، ومرتفعات الجولان، كما صعقت الفلسطيني الذي كان ينتظر تحرير أرضه والعودة إلى مدنه وقراه التي احتلت عام 48، ويتلهف للقاء أهله المشتتين في بقاع الأرض، ليجد بقية فلسطين تُحتل، ويمسي هو نفسه تحت الاحتلال، فكان وقع الهزيمة عليه أكبر من أن يتحمله شعب عاش على أمل التحرير ولقاء الأهل، يتحدث سارد الرواية "فوزي نمر" عن الهزيمة وأثرها بقوله: "كانت فظاعة الهزيمة قد عقدت لساني، وهول المأساة كان قد صعقني، في اليوم الثالث للحرب وقفت فوق سور عكا أنظر إلى أمواج البحر. تمنيت لو استطيع مد يدي إلى البحر وانتزعه من مكانه الأزلي لأغمر العالم كله بامواجه، تمنيت لو تنشق الأرض تحت الف الف قامة وتبتلعني، كانت الهزيمة أقسى من التفكير بها وتصورها بكثير، وكان رقص الظافرين على الأعلام العربية الأسيرة ورسم الرئيس في شوارع عكا أكثر مما احتمل، وكان شعوري بالخزي والذل يتصاغر بي إلى حد التلاشي والرغبة في الانتحار لأغسل بدمي النازف ذلي وحزني، وتحجرت مشاعري، وكان حلقي جافا ومتحجرا إلى حد الاختناق، وفجأ وجدتني أبكي.. نعم أبكي!!
وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها دموعي وأحسها" ص8و9، اللافت في هذه المشاعر إنسانيتها، قوميتها، وطنيتها، فنجد مشاعر مرهفة، جياشة، نبيلة، وهذا ما دفع "فوزي" للبحث عمن يستطيع أن يُوجد له طريق/ منفذ لتفريغها.
بعد الحرب يتمكن فلسطينيو ال48 من لقاء أهليهم في أراضي ال67، الضفة الغربية، أثناء زيارة فوزي لشقيقته "فوزية" في قرية بورين يشاهد أثار الحرب وما أحدثته من خراب ودمار وقتلى: "تسللت إلى قرية زيتا، ومنها استأجرت سيارة إلى نابلس، كان منظر الخرائب والدمار التي خلفها الاحتلال في قرية زيتا وعلى طول الطرق قد أفقدني صوابي، وخاصة بعد أن مررت بوادي التفاح المليء بهياكل السيارات المدمرة، ودماء القتلى لا تزال حمراء على جانبي الشارع...أغمى على شقيقتي حين رأتني بعد أن عرفتني...وكنت خلال ذلك أتحرق غيظا وذلة وحقدا وأنا أشاهد قوات الاحتلال تدوس كبرياء البقية الباقية من فلسطين...لماذا عرفت جميع الأمم كيف تقف في وجه العدوان النازي وتقول له "لا" بينما تستسلم أمتنا لهزيمتها وتستكين" ص10- 12، في هذا المقطع يجمع السارد كل ما يمكن أن يساهم في إخراجه من حالة الانكسار/ الهزيمة إلى حالة الفعل، فهو (يتقوى/ يعبئ) نفسه بما شاهده ـ إن كانت مشاهد عامة للحرب، وادي التفاح، أم خاصة اللقاء مع شقيقته فوزية، فاجتمعت الدوافع العامة مع الخاصة لإيجاد مخرج/ طريق يستعيد فيها (المهزوم) شيئا من كرامته، فكان تشكيل المجموعة 778 هو المنفذ الوحيد لاستعادة الكرامة وقول "لا" للمحتل، كحال بقية الأمم الأخرى، الأمم الحية.
فوزي والمجموعة 778
إذا ما توقفنا عند مشاعر "فوزي" سنجده شخص مرهف، يتمتع بإحساس وطني/ قومي/ إنساني، لهذا وجدناه يكاد قتل نفسه بسبب الهزيمة، رغم عدم مسؤوليته عنها، فهو وجد نفسه في بيئة/ ضمن شعب تحت الاحتلال، وأمة مهزومة دون أن يكون له خيار بذلك، وهذا ما جعله يبحث عن طريقة يستعيد بها شيئا من كرامة أمته/ شعبه المحتل، وكرامته كإنسان/ كفرد ضمن هذا الشعب، فما أن يلتقي بأبي مصطفى الذي سيعرفه على "أبي سمير" ـ حلقة الوصل بينه وبين منظمة فتح ـ حتى يكون بهذا الحال: "عدت إلى عكا وأنا أشعر وكأني أولد من جديد، عشرون عاما وأنا أعيش من أجل هذه اللحظة" ض15، إذن هناك نقلة نوعية في حياة فوزي وجدها بعد أن تواصل/ اتصل بأحد الأشخاص الذين سيفتحون له باب العمل.
وهنا يستعين "فوزي" بأشخاص آخرين يثق بهم ليكونوا معه "المجموعة 778" التي بها يمكن استعادة الكرامة المفقودة: "وقع اختياري أول ما وقع على فتح الله السقا ورامز خليفة وعبد حزبوز" ص15، بعدها يدخل فوزي في رؤيته العامة للعمليات التي سينفذها: "أن تترك لنا حرية العمل واختيار الأهداف حسب ما ترتئيه سواء من حيث الأهمية المعنوية، لأننا ادرى بطبيعة العدو ونعرف أرض المعركة معرفة جديدة...أما بالنسبة للناحة المادية فقد طلبت من أبو سمير أن يبلغ "أبو عمار" ويؤكد له أنني وأفراد مجموعتي لن نتقاضى أي مبلغ من المال قط، وأننا نضع كل إمكانياتنا الشخصية والمادية في سبيل الثورة الفلسطينية" ص18، نلاحظ موضوعية الطرح واتزانه، فهو يتحدث عن حقيقة: (أهل مكة أدرى بشعابها) كما نجده ترفعه عن المكاسب المادية وحتى المعنية، فهو يعمل لأن فلسطين وشعبها يعانيان من محتل متغطرس، لا بد من إلحاق الأذى به، ومنح/ إعطاء/ تحقيق شيء من الفرح للشعب المقهور وللأمة المهزومة.
بعد ذلك تأخذ المجموعة في البحث عن مكان العملية: "وقع اختيار الجميع على مصفي البترول في حيفا، لتكون ردا على قصف المدفعية الإسرائيلية وطيرانها لمصافي البترول في السويس" ص24، نلاحظ أن السارد يتحدث عن العملية والهدف منها، فهي تأتي ردا على العدوان الذي طال مصافي البترول في السويس، وهذا ما جعل العمل الفدائي يتجاوز فلسطيني ليمتد أثره إلى العمق العربي.
وعن نقل المواد المتفجرة إلى حيفا، فقد كان "فوزي" دقيقا ونبيها، يتمتع بذكاء ونباهة استثنائية، لهذا نجده يستعين بعدوه ليغطي/ يحمي ما ينقله من مواد: "ورحت أنتظر وقوف أي جندي ينتظر سيارة عابرة تقله فأتصيده، وكانت هذه أضمن وسيلة لتجاوز كل الحواجز العسكرية في الطريق ونقاط التفتيش، لم يطل انتظاري، فسرعان ما وقف أحد الجنود على الرصيف يستوقف سيارة عابرة، فسارعت إلى السير، وما كاد يراني حتى راح يستوقفني، فتوقفت أسأله إلى أين يريد، فأجاب أن عليه الوصول إلى كيبوتس "أورنيم" بالقرب من حيفا...فدعوته للصعود إلى جانبي وأخبرته أنني مسافر إلى عكا، وهكذا يستطيع الوصول معي حتى "التشيك بوست" وفي طريقي نقلت جنديين آخرين، وهكذا نقلت أول دفعة من ال"تي، ن، تي" لمجموعة رقم 778 من عكا في سيارتي وبحراسة ثلاثة جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي، عبروا بي جميع الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش في طريقي" ص34و35، نلاحظ انفتاح عقلية "فوزي" العملية، فهو يستخدم كل الوسائل لتأمين سلامة المواد التي ينقلها، حتى لو بدا ذلك انه يخدم جنود الاحتلال ـ إيصالهم إلى أماكنهم ـ فهو يضحي بالقليل ليحصل على شيء أكبر وأكثر أهمية، تأمين المتفجرات وإيصالها بأمان وسلامة.
أما عن تفاصيل العملية وكيفية اختيار المكان والزمان يقول "فوزي": "فوقع اختياري على منطقة كيبوتس حونريم بالقرب من طيرة الكرمل، وإن أفضل وقت هو ليلة الأحد لخلو الخط من قطارات الشحن الليلية تماما...وكان اختياري لنقطة حوتريم لضمان حرية العمل أولا، ولأن القطار يكون وصل بأقصى سرعة له، وهذا يضمن نزوله عن الخط بعنف، وثالثا لضمان علنية نتائج العملية واستحالة إخفائها...فاستغرقت عملية الاستكشاف هذه ما يقارب الخمس عشر ليلة متتالية" ص39، توقف "فوزي" عند الوقت والمكان والنتائج يشير إل أنه يعمل بحكمة وعلم، وليس برد فعل، ولم يقتصر الأمر على المكان والوقت، بل نجده يتعدا ذلك إلى كيفية تعاطي القيادة مع العملة: "راجيا أن لا يذاع نبأ نجاح العملية إلا بعد أن يذاع مع إذاعة إسرائيل، وفي حالة إخفاء إسرائيل لنتائج العملية، فإني سأوفيهم بتقرير كامل عن نتائجها لإذاعته، شريطة أن لا يزاد حتى ولا كلمة واحدة عن الخسائر التي أذكرها" ص39، رغم كل هذه الدقة والتفاصيل، ينفجر الصاعق ولا تنفجر المواد التي كانت فاسدة، ويتم كشف العملية دون أن تسبب أية أضرار مادية أو بشرية.
لكن "شاكر" عضو المجموعة يقوم بإبلاغ القيادة في عمان أن العملية نجحت وحقق أهدافها، وهنا يواجه "فوزي" "شاكر" بالحقيقة وأن هذا البلاغ كاذب ويتناقض مع الاتفاق الذي تم بينه وبين القيادة، ليعترف "شاكر" بأنه المسؤول عن هذا البلاغ وأنه قام بهذا الأمر حتى تحصل المجموعة على ثقة القيادة، يرد عليه فوزي برد الفدائي المنتمي لوطنه وليس لتنظيمه: "إن المجموعة رقم 778 لا تعمل من أجل "أبو عمار" ولا من أجل غيره من القيادة ولا من أجل منظمة فتح أو غير فتح، وإنما وجدت لتعمل من أجل القضية الفلسطينية...وإذا كنا قد قمنا بعملية فاشلة، فهذا معناه أنها عملية فاشلة وعلينا أن نبحث جميعا أسباب هذا الفشل، وليس أن نعوض عن فشلنا بالكذب والخداع، ونحن نعلم أننا نخدع أنفسنا وشعبنا" ص46، بهذه العقلية النقدية استطاع فوزي أن يجعل من المجموعة 778 أهم وسيلة تؤذي المحتل وتوقع به خسائر فادحة، إن كانت مادية أم بشرية أم معنوية، فالنقد الذاتي، النقد الواعي يمثل قوة للمجموعة، وهذا ما دفع "شاكر" إلى إرسال كتاب للقيادة يوضح فيه الخطأ الذي ارتكبه، وإن المواد التي وصلت كانت فاسدة.
تستفيد المجموعة من الخطأ السابق، وتقوم بالتحضير لعملية جديدة، وتنجح في تفجير مصافي البترول في حيفا، ليكتب فوزي تقرير جاء فيه: "إن هذه العملية كانت هدية من مجموعة رقم 778 للشعب المصري ردا على قصف مصافي البترول في السويس" ص70، بعدها تقوم المجموعة بعملية نسف خزانات البترول في "قريات حاييم": "الناس يتدافعون نحو السور ليشهدوا مسرح النيران، وقد عاد البحارة كلهم منذ الصباح الباكر يروون للناس أخبار عملاق النيران الذي هب ليضيء الشواطئ، وكيف بنت لهم الدنيا كلها تحترق" ص97، هذه العملية كانت بمثابة صفعة للاحتلال، لأن الخزانات كانت تحت الأرض، ولا أحد يعلم بوجودها، ولأن النيران امتدت لمسافة كيلو مترين، وهذا ما جعل المخابرات ترجع إلى ملفات العمال الذي عملوا في الخزانات: "لذا لا بد للمخابرات من التحري على كل من كان يعمل في سنوات مد شبكة الأنابيب قبل خمسة عشر عاما" ص101.
العمليات التي قامت بها المجموعة كلها كانت في مواقع اقتصادية حساسة، لكن يحدث تغيير في المواقع، بطلب من "الختيار" الذي أراد الرد على قصف المخيمات في أربد: "يرجونا شخصيا أن نقوم بنسف عمارة واحد في حيفا إذا كان باستطاعتنا ذلك في حد أدنى من الخطر على وجود المجموعة واستمرارها في العمل" ص167، لكن فوزي والمجموعة يعطوا "الختيار" أكثر مما طلب، فيقوموا بتفخيخ خمس عمارات، حيث وجدوا أن هذه المهمة سهلة إذا ما قورنت بالعمليات الأخرى، وفعلا يتم تفجير العمارات، بعد أن وضعوا المواد المتفجرة في عبوات بلاستيكية ـ براميل عصير الفواكه ـ في أماكن محددة، عندها يثار أهل حيفا على القيادة العسكرية والسياسية: "وردود الفعل الشعبية العنيفة التي وصلت عند الجمهور الإسرائيلي إلى حد الهستيريا على قيادته السياسية والعسكرية، خاصة في حيفا حيث راحوا يطالبون بإقالة قائد شرطة حيفا والشمال "أهرون سلع" ص175، تذيع قيادة الجبهة الشعبية بيانا تعلن فيه مسؤوليتها عن العملية، واضعة فيها "تصورا تفصيليا للطريق الذي سلكته عناصرها مطابقا للطريق الذي يسلكه قاسم أبو خضرا بحيث بات وقوع قاسم أبو خضرا في كمائن البحرية الإسرائيلية وشيكا ومؤكدا" ص178، يتم اعتقال "قاسم وعمر السيلاوي" ويتم اكتشف رسالة "الحج أسعد" مع المرأة على الجسر، وبهذا تحصل المخابرات على طرفي الخيط، الخيط الذي يربط المجموعة مع القيادة في الأردن، والخيط الذي يحضر المواد المتفجرة من البحر، ليضيق الخناق على "فوزي ومحمد غريقات ويوسف أبو الخير وعبد حزبون وفتح الله السقا ورامز خليفة" وتنكشف المجموعة.

فوزي نمر
المحور الرئيس في الرواية وهو من يروي الأحداث من ألفها إلى يائها، دون أية تدخل، هذا الرجل امتاز بعدد من الصفات، إحساسه بضرورة انتزاع كرامته المفقودة، وكرامة امته وشعبه من احتلال يحقق انتصاراته دائما وتواليا، وهنا كانت البذرة التي نمت وكبرت وأصبحت شجارة سامقة ينظر إليها الجميع بإعجاب وتقدير، حتى من العدو نفسه: "كنتم رجلا وأنني أعترف" ص190، يتزوج "فوزي" من امرأة يهودية، ينجب منها "أرواح ونمر" وهو يعمل على توزيع للبيرة والمثلجات، يقيم علاقة جيد مع ضابط المخابرات "الياهو" حتى أنه أعطاه ورقة تخوله المرور دون تفتيش، وتطلب من رجال الشرطة والجيش تسهيل عبوره وحمايته.
إذن نحن أمام رجل يبدو ظاهريا منحل وطنيا وأخلاقيا، فهو متزوج امرأة من الأعداء، ويعمل موزعا للبيرة، كما أنه يصاحب أشخاص على شاكلته "رامز خليفة، فتح الله السقا، عبد حزبوز" الذين لا يلقون بالا لأي مسألة وطنية، وجل همهم الشرب والتحشيش، كما أنه يصاحب جندي يخدم في جيش العدو "محمد غريفات" كل هذا يجعل من "فوزي" شخصية مثيرة، فعلاقاته الخارجية بمجملها تحسب عليه، وتجعله موضع شك، لكن جوهره غير ذلك، فهو يتماثل بعطاءه مع الأنبياء العظماء، لهذا وجدناه لا يلقي بالا للنزاعات بين الفصائل التي تدعي أنها مسؤولية عن العمليات الناجحة لتكسب تأييد الجماهير، مكتفيا بأنه يعمل من أجل قضية شعبه ووطنه، وهذا ما جعله كل العمليات التي قام بها ناجحة، حتى تلك العملية التي لم تنفجر بها المواد، فقد كانت مواد فاسدة، فهو ومجموعته قاموا بالعملية بدقة متناهية، لكن الخلل كان خارجيا وليس منهم.
هذا التناقض بين الظاهر والباطن انعكس على نفسية "فوزي" فكان متطرفا/ حنبليا في تعامله مع الآخرين، مهما كانت مكانتهم مركزهم، فأثناء زرع العبوات قرب خزانات البترول يأتي عاشقان بسيارة مما يعطل ويعق عمل المجموعة، مما حدى به التفكير باغتيالهما خنقا، ونجد هذا التطرف بعد تأخير انفجار العبوات، حيث تأخرت الصواعق أكثر من ساعتين عن موعدها، مما جعله يقول: لا فائدة بعد من استمرارنا العمل مع منظمة فتح، وأننا نضع حياتنا في أيدي ناس يتجردون من كل مسؤولية، وكان شعوري بالذنب تجاه رفاقي لا يضله سوى القضاء على كل من لنا علاقة به في نابلس على الأقل" ص66، وبعد أن يفقد أحد برميل المتفجرات في قاع البحر، ويكون قد دفن الآخر في الرمال، يقرر "القضاء على أي شخص قد يقترب منه ويكتشفه" ص138، وأثناء زرع العبوات أمام العمارات المستهدفة نجده: "وكنا قد اتفقنا على عدم التسليم والمقاومة حتى الموت في حال افتضاحنا واشتباكنا مع أي من حواجز التفتيش، وأن نحاول الدخول بسياراتنا إلى أقرب مكان مأهول وتفجير العبوات بنا وبالسيارة" ص151، من خلال ما سبق نتأكد أننا أمام شخصية ملتزمة التزاما صارما تجاه القضية التي عمل من أجعلها، وهذا ما جعله (يسلم) "محمد عكر" للمخابرات كطم يستطيع من خلاله كسب ثقة "الياهو" ويسهل عليه التدخل للإفراج عن "رامز وعبد"
محمد غريفات
الشخصية الثانية في المجموعة "محمد غريفات" الجندي الذي كان يلبس بزته العسكرية ويعبر مع فوزي الحواجز دون تفتيش، كما أنه كان يمد المجموعة بال تي، ن، تي والصواعق والقنابل التي كان يسرقها من قاعدته العسكرية، وما كانت لعمليات المجموعة أن تنجح وتتوالى دون وجود هذا الرجل الحيوي والأساسي فيها.
فقد أحيط به مجموعة مهام منها: "حين يكون في كمين ليلي، ينبه الفدائيين لوجود الكمين بشتى الطرق غير المباشرة، كي يجنبهم الوقوع في شركه، وكيف أنه في حال اشتباك فرقته بمجموعة فدائية، يوجه جنوده في المعركة لموقف دفاعي فقط لينسحب بهم" ص30، كما أنه يقدم خريطة لقيادة الثورة بالأسلاك الشائكة/ الحساسة توضح النقاط التي تكتشف عبور الفدائيين، وكان حريصا على إيصالها بكل السبل والطرق: "إنني مستعد لاستدانة ألف ليرة وإعطائها أجرة لمن يضمن لي نقل هذه الخريطة لمنظمة فتح، ولا يهمني بعد ذلك ماذا يكون مصيري" ص51، وزيادة في حرصه على تنفيذ العملية أصطحب معه في إحدى العمليات ابنته الصغيرة لكي لا يثير الشكوك.
وعندما كان يتم وضع الخطة ب من العملية كان "محمد غريفات" هو المنقذ الوحيد للمجموعة: "ويكون على أهبة الاستعداد لاختطاف جنود فرقته إلى لبنان لتأمين الإفراج عنا إذا ما قبض علينا أثناء قيامنا بالعملية" ص75، كما كان يتمتع بروح وطنية بعيدا عن تزمت التنظيم والفصائلية المقيتة: "مش معقول... مش مكفي مخلوش ولا أحد من عناصرهمك إلا دخلوا السجن من أغلاطهم كمان لاحقينا أحنا... ما يخلونا نشتغل ياخي والله ربنا ما عاد يخلص عبد وفتح الله ... ياخي يذبحوا بعضهم بره بس يسيبونا أحنا نشتغل... ثورة اللي كل واحد فيها عامل منظمة لحاله مش معقول تنتصر ياخي.. مش معقول" ص178، هذا ما قاله بعد أن ادعت الجبهة الشعبية تبنيها للعملة وواضعت مخططا للطريق الذي تمر منه البراميل عبر البحر، مما أوقع عبد حزبوز وفتح الله في كمين الجيش.
نقد الثورة
ما يحسب للرواية توقفها عند العديد من الأخطاء التي وقعت بها الثورة، من تنافسها وصراعها على تبني العمليات، وكشف تفاصيل سهلت على العدو للوصول للفدائيين، تسليم صواعق تتقدم وتتأخر بطريقة عجيبة غريبة، تسليم مواد قليلة أو فاسدة لا تفي بالمطلوب، انحلال عناصر الارتباط من الالتزام بالمهام المطلوبة منها، إلى ممارسة (السطوة/ الواسطة) التنظيمية مما أوقع "الحج أسعد" في قبضة الاحتلال، ومن ثم الاعتراف عن المجموعة، كل هذا يجعلنا نقول إننا أمام رواية تعلم للأفراد وللتنظيمات السلوك الثوري بعيدا عن الأخطاء والسلبيات، وكان يمكن البناء عليها وعلى ما قدمته من انتقادات لتكون الثورة وعناصرها أكثر عطاء ونقاء.
ملاحظات
أعتقد أن السارد وقع في خطأ جغرافي عندما تحدث عن قرية زيتا، والصواب هي قرية زواتا لأنها شرق وادي التفاح وشرق مدينة نابلس، بينما قرية زيتا تقع في الجنوب من مدينة نابلس.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، فلسطين



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في كتاب محمد القيسي دراسة في شعره ونثره للناقد إبراهيم ...
- كتاب حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982 عادل الأسطة
- التكرار والمضمون في قصيدة -طابور الخير والحب والحياة- عبد ال ...
- أيلول الأسود في رواية -حبيبتي ميليشيا- توفيق فياض
- بيان الشاعر في -المناشير- عيسى الرومي
- عقد الخوف في قصة -عقدة العصفور- كميل أبو حنيش
- طبيعة الصراع في مسرحية -البيت المسكون- سعادة أبو عراق
- اللغة وأصحابها في كتاب -ماء الكلام- وليد حسين الخطيب
- حرب غزة في رواية -بنت الأجيال- عامر أنور سلطان
- عالم الكتابة في -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، إطلا ...
- جودة المضمون وتواضع الشكل في -حالم بفلسطين- رندا غازي، ترجمة ...
- خيانة الثورة والشعب في كتاب -أدب الرفض السوفياتي- سعيد الغان ...
- المجتمع الذكوري في رواية ختان الزهور علي محمود
- المرأة والمجتمع في مجموعة -امرأة قادمة من البعيد- هدى الأحمد
- الشكل والمضمون في مسرحية -رحلة البداية- سعادة أبو عراق
- التجديد في قصيدة -المرأة العجوز والزيتونة- علي البتيري
- عناصر الفرح في -قصير فستان صبري- ميادة مهنا سليمان
- أهمية كتاب -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، أدب النكب ...
- واقع المرأة وتمردها في -احكي يا شهرزاد- لزين العمر
- الثورة والفدائي في رواية -نشيد الحياة- يحيى يخلف


المزيد.....




- ما علاقة القطط بالكهرباء والفلسفة والأدب؟
- تنكيل وتعذيب في عرض البحر.. شهادات ناشطي أسطول غزة تفضح الرو ...
- تطور المقامة من اليازجي إلى المويلحي مرورا بسحر القصص التراث ...
- -باص الأحلام-.. تحويل سيارة إسعاف مستهدفة إلى سينما متنقلة ل ...
- مصر.. عمرو دياب يحتفي ببطلة كليب -لولا البنات- في حفله بالعل ...
- مصر.. كشف أثري جديد يوثق آلاف السنين من الاستيطان البشري
- أزياء الفيلم تُعرض للبيع.. مزاد يحقق حلم جمهورThe Devil Wear ...
- حين يتحوّل اللقاء إلى -زحف بشري-.. دمشق تستقبل -المايسترو-
- فقيه في زمن الجباية.. حين تحدى التاج السبكي سلطة المماليك ود ...
- -الاقتلاع-.. إيال وايزمان يفكك معمار الإبادة الإسرائيلية بفل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض