أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع














المزيد.....

الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 22:14
المحور: الادب والفن
    


ما زالت تلك الجملة التي قالها لي الفنان عبد الرزاق العزاوي قبل أكثر من ثلاثة عقود تتردّد في داخلي كأنها لازمة موسيقية لا تنتهي: "كرم… كل هذه الفرقة تدين لك بشيء، مثلما تدين أرواحنا للموسيقى."
جملة تشعرني بالفخر كلما استعادتها الذاكرة، وتعيدني إلى تلك اللحظة التي بدا فيها أن الموسيقى وحدها كانت تقاوم موت البلاد.
أستعيدها كلما مررت أمام المدرسة الملكية العسكرية للموسيقى في تويكنهام، على بعد خطوات من منزلي. أحيانًا يصلني صوت الفرق العسكرية البريطانية وهي تعزف في فضاء المدرسة في حفلاتها الصيفية، فأقف متسائلًا: هل مرّ العزاوي من هنا؟ هل عبر هذا المكان ذات يوم وهو طالب موسيقى في بريطانيا قبل أن يعود ضابطًا موسيقيًا في الجيش العراقي؟
تلك الأسئلة ليست بحثًا عن معلومة، بل بحثًا عن أثر… عن ظلّ رجل كان يحمل الذائقة السمعية العراقية كما يحمل العازف كمانه: بحرص، بغيرة، وبخوف من أن ينكسر.
أتذكّر ذلك اليوم حين اتصل بي أسعد محمد علي، الروائي والناقد الموسيقي والعازف على آلة "الفلوت" في الفرقة، وقال لي بصوته الذي يشبه نبرة آلة نفخ حزينة: "كرم… تعال إلى الفرقة، هناك ما يستحق أن يُكتب."
كانت الفرقة تتمرّن في قاعة الرباط في الأعظمية، بينما كان العراقيون يعيشون تحت وطأة طوق الحصار الأعمى الذي جعل الموسيقى آخر ما يمكن التفكير فيه. ومع ذلك، كانت الفرقة تقاوم فقدان الأمل كما تقاوم الشجرة العطش في صيف بلا ماء.
كانوا يتصرفون كعائلة واحدة، يشدّون أزر بعضهم بنوع من التقوى الخالصة للموسيقى. أحدهم يمرّ على الآخرين بسيارته كي يجتمعوا في أماسي ضيقة، كأنهم يهربون من الخراب إلى ملاذ صغير اسمه الموسيقى.
في تلك الزيارة، سمعت الخوف في أصواتهم… خوفًا من أن ينفرط عقد الفرقة كما ينفرط عقد البلاد.
بياتريس أوهانسيان كانت تتحدث بثقة الزمن الذي يجب أن يبقى قويًا، بينما كانت نظرة آرام باباخيان موجعة وهو يروي كيف فقد أعزّ كمان لديه في القصف الأميركي على منزله في شارع الرشيد.
أسعد كان يستمع بصمت، يترك لي أن أجمع الأصوات، أن ألتقط الخيبة التي تسكنهم، وأن أكتبها كما تُكتب النوتة الأولى في مقطوعة حزينة.
العزاوي كان يقول لي يومها: "انكسار الفرقة يعني انكسار ذائقة عراقية نمت منذ أيام الشريف محي الدين حيدر… لا تسمحوا أن تُنسى."
كان يعرف أن الفرقة ليست مجرد موسيقى، بل ذاكرة بلد، وأن تركها وسط تلك الصعوبات يعني خسارة العراق جزءًا من روحه.
وهكذا كتبت التحقيق المطوّل، ذلك الذي ما زلت أتذكر عنوانه بعد أكثر من خمسة وثلاثين عامًا: "الفرقة السمفونية العراقية تحتضر!"
نشر على نصف صفحة في جريدة الجمهورية، وكان أشبه بجرس إنذار وصل صداه إلى أعلى مصدر قرار في الدولة.
بعد يومين، جاءني أسعد محمد علي إلى الجريدة وقال لي وهو يبتسم ابتسامة تشبه الخلاص: "لقد رميت يا كرم حجارة في مياه حكومية راكدة."
بعد نشر النحقيق صدرت التعليمات من اعلى سلطة في رئاسة الجمهورية بأن تُلبّى كل احتياجات الفرقة، وأن يُحافظ على كادرها، وأن تُسهّل أعمالها.
ثم توالت الاتصالات… بياتريس تشكرني بصوت رسمي كأنني مصدر قرار ولست صحافيا مسكونا بالذائقة السمعية، والعزاوي يصفني بالشجاع الذي أوصل صوت الفرقة إلى أعلى سلطة، ويقول جملته التي لا تغادرني: "كرم… كل هذه الفرقة تدين لك بشيء مثلما تدين أرواحنا للموسيقى."
اليوم… رحل عبد الرزاق العزاوي. وقبله رحل أسعد محمد علي، ذلك الرجل الذي كتب عن الموسيقى كما لو أنه يكتب عن قلبه. وقبله رحل آرام باباخيان، ودمعته على كمانه الثمين الذي فقده في القصف رافقته إلى القبر.
وبعده رحلت أوهانسيان في مغتربها الأرمني، تلك السيدة العراقية المثالية في كل شيء: من جلستها أمام البيانو إلى طريقة كلامها، إلى أرديتها التي كانت الفرشات ترقص على دانتيلها.
العزاوي لم يكن مجرد قائد للفرقة، بل كان حارس الذائقة السمعية العراقية.
لم يكتفِ بالتأليف الموسيقي، بل أعاد توزيع أروع الأغاني العراقية، تلك التي أرّخت لولهٍ عراقي لا يشبه أي وله آخر.
عودوا إلى توزيعه لألحان جيل الخمسينات وعزفها على آلات غربية… ستعرفون كيف كان يستلّ الأرواح من بين النغمات، وكيف كان يجعل الموسيقى تمشي على الذاكرة، والذاكرة تمشي على الموسيقى.
اليوم، حين يلوّح لنا العزاوي بالوداع، لا يرحل وحده… بل يرحل معه فصل كامل من تاريخ الذائقة العراقية، فصلٌ كان فيه الصوت مقاومة، والموسيقى وطنًا، والفرقة السمفونية آخر ما تبقّى من جمالٍ لم يستطع الخراب ابتلاعه.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر


المزيد.....




- السينما كسلاح أيديولوجي.. كيف يؤطر فيلم -المواطن المنتقم- ال ...
- وزير التربية والتعليم ورئيس مؤسسة اليابان يوقعان اتفاقية تعا ...
- الطاغوت
- ماتياس يايسله يترك الدوري السعودي ويتولى القيادة الفنية لفري ...
- منزل الفنان الروسي ريبين -بيناتي- يفتح أبوابه للزوار قبل اكت ...
- النائب نهلة الأفندي: -المدى- كرّست الإعلام الحر ورسخت ثقافة ...
- لوحات تروي الحكايات.. معرض يحتفي بإرث الفنان الروسي إيفان بي ...
- تكريم الممثلة الإيطالية إيزابيلا روسيليني في مهرجان لوكارنو ...
- فنانة مصرية توجّه استغاثة عاجلة لوزارة الداخلية
- أصالة تعود إلى دمشق بعد غياب.. رحلة إلى البيوت التي خبأت طفو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع