سامي ابراهيم فودة
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 09:59
المحور:
القضية الفلسطينية
ليست الأعمارُ وحدها هي التي تصنع الرجال، بل المواقفُ العظيمة، والقلوبُ التي تعرف معنى المسؤولية، والأرواحُ التي تنضج قبل أوانها تحت وطأة الألم. ومن بين أولئك الذين اختصروا سنوات العمر بمواقفهم، يبرز اسم الشهيد البطل مصطفى ميسرة مصطفى فرح نصر، المولود في الرابع عشر من أكتوبر عام 2008، ليبقى شاهدًا على أن الرجولة قد تسكن قلب فتىً لم يبلغ ربيع شبابه بعد.
نشأ مصطفى في ظروفٍ لم تكن سهلة، بعدما غاب والده، ميسرة مصطفى فرح نصر، عن الأسرة قبل اعتقاله، ثم اضطر إلى السفر إلى مصر، فوجد الفتى نفسه أمام مسؤوليات أكبر من عمره. لكنه لم يستسلم للغياب، ولم يثقل كاهل والدته بالشكوى، بل اختار أن يكون السند الحقيقي لها، وأن يحمل مع إخوته أحمد وإبراهيم وياسمين أعباء الحياة بصبرٍ وإيمان.
كان مصطفى يدرك، رغم حداثة سنه، أن الحياة ليست طريقًا مفروشًا بالراحة، وإنما ميدانٌ للكفاح والصبر والثبات. لذلك نضجت شخصيته سريعًا، واكتمل وعيه الإنساني، فغدا مثالًا للابن البار، والأخ الحنون، والشاب الذي يحمل همَّ أسرته قبل أن يحمل همَّ نفسه.
أما بالنسبة إليّ، فلم يكن مصطفى مجرد قريب أو جار، بل كان بمنزلة الابن الذي سكن القلب قبل أن يسكن الذاكرة. عشت معه تفاصيل كثيرة من نشأته، ورأيت فيه أخلاقًا نبيلة، وروحًا صافية، ورجولةً مبكرة جعلت محبته تكبر في النفس يومًا بعد يوم، حتى أصبح غيابه وجعًا لا تخففه الأيام.
وفي الرابع من أغسطس من العام الماضي، شاء الله أن يرتقي مصطفى شهيدًا عند مفترق منطقة التوام، بينما كان يمر بالقرب من مجموعة تؤمّن الطريق، ليُستهدف المكان، فيرتقي مع خمسة آخرين كانوا في الموقع، وتُكتب صفحة جديدة من صفحات التضحية الفلسطينية التي امتزج فيها دم الأبرياء بتراب الوطن.
وكان من أقسى ما في تلك الفاجعة أن والده كان خارج الوطن في مصر، فلم يتمكن من احتضان ابنه للمرة الأخيرة، ولم يلقِ عليه نظرة الوداع. لكنه سيبقى، كما سيبقى كل من عرف مصطفى، يحمل صورته في القلب، ويستعيد سيرته كلما ذُكر الصبر والوفاء والشهامة.
لقد رحل مصطفى بجسده، لكن الأرواح النبيلة لا تغيب، والرجال الذين يتركون أثرًا صادقًا في قلوب الناس لا يموتون. سيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة محبيه، وستبقى ابتسامته ومواقفه ومسؤوليته المبكرة شهادةً على أن الكبار لا يُقاسون بعدد سنواتهم، بل بعظمة ما يتركونه من أثر.
رحم الله الشهيد البطل مصطفى ميسرة مصطفى فرح نصر، رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وألهم ذويه ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء. وستبقى ذكراه حيّةً في القلوب، ما بقي للوفاء مكان، وللشهداء في الوجدان مقام.
#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟