أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار














المزيد.....

جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 10:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من معادلة الواقع والخيال إلى سؤال التحرر الجديد

ليست الأجيال أرقاما تمر في سجل الزمن، ولا تواريخ بيولوجية تفصل بين جيل وآخر. الأجيال هي أبناء شروطها التاريخية، تحمل ندوب المرحلة التي ولدت فيها، وتحمل في الوقت نفسه بذور تجاوزها.

وجيل Z هو ابن مفارقة كبرى: جيل ولد في زمن الوفرة الهائلة للمعلومة، لكنه يعيش في زمن ندرة الفرص. جيل يملك العالم في هاتفه، لكنه يصطدم كل يوم بجدران الواقع. جيل يستطيع أن يتحدث مع الملايين، لكنه يبحث عن معنى الانتماء في عالم تتآكل فيه الروابط القديمة.

لهذا فإن فهم هذا الجيل لا يبدأ من اتهامه بالفردانية أو اللامبالاة، بل من قراءة التناقض الذي يسكنه.

يمكن اختصار هذا التناقض في معادلة رمزية:

Z = a + i b

ليست معادلة رياضية، بل صورة لجيل يقف بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

"a": جيل يصطدم بجدار الواقع

هناك واقع ثقيل يفرض نفسه على هذا الجيل. واقع العمل الهش، وانتظار الفرص، وارتفاع كلفة الحياة، وتحول المستقبل من وعد إلى سؤال مفتوح.

لقد ورث جيل Z عالما قيل له فيه إن النجاح مسألة فردية، وإن الاجتهاد وحده يفتح الأبواب. لكنه اكتشف أن هناك جدرانا أكبر من الإرادة الفردية: نظام اقتصادي ينتج اللامساواة، ومؤسسات فقدت الكثير من قدرتها على الإقناع، وعلاقات اجتماعية أصبحت أكثر هشاشة.

إن a هو هذا العالم الملموس: عالم الحاجة والضرورة والصراع اليومي من أجل الاعتراف والمكان.

لكن مأساة أي قراءة سطحية لهذا الجيل أنها تراه فقط من خلال أزماته، وتنسى أن الأزمات نفسها يمكن أن تكون بداية وعي جديد.

"b": حين يتحول الحلم إلى سؤال سياسي

خلف هذا الواقع القاسي يوجد شيء آخر: رفض داخلي للاستسلام.

ذلك هو b، الجزء الذي يمثل الرغبة في عالم مختلف. ليس حلما رومانسيا منفصلا عن الواقع، بل بحثا عن معنى فقدته المجتمعات الحديثة.

جيل Z لا يسأل فقط: كيف أجد وظيفة؟ بل يسأل أيضا: لماذا أعمل؟ ولأي غاية؟ وفي أي عالم أريد أن أعيش؟

إنه جيل يطرح أسئلة حول البيئة، والعدالة، والحرية الفردية، والعلاقات الإنسانية، ومعنى النجاح نفسه.

وهنا يلتقي مع جوهر الفكرة اليسارية: الإنسان ليس مجرد قوة عمل، والمجتمع ليس سوقا كبيرا، والتقدم ليس فقط تراكم ثروة، بل بناء حياة أكثر إنسانية.

"i": أزمة اليسار هي أزمة الخيال

لكن العنصر الأكثر دلالة في المعادلة هو i: الخيال.

فالخيال ليس ترفا شعريا، بل هو القدرة على رؤية الممكن داخل المستحيل. كل فكرة تحررية كبرى بدأت كخيال: عالم بلا استغلال، مجتمع بلا قهر، إنسان أكثر حرية وكرامة.

لقد كان اليسار، في لحظات قوته التاريخية، قوة خيال قبل أن يكون قوة تنظيم. كان يقدم للناس ليس فقط نقدا للواقع، بل صورة عن عالم يمكن تغييره.

غير أن جزءا من أزمة اليسار اليوم يكمن في أن ذاكرته أصبحت أحيانا أقوى من مخيلته. يستعيد بطولات الماضي أكثر مما يبتكر أدوات المستقبل، ويدافع عن أجوبة قديمة أمام أسئلة جديدة.

إن جيل Z لا يحتاج إلى يسار يحاكمه لأنه مختلف، بل إلى يسار يصغي إليه لأنه يحمل أسئلة عصره.

إلى قوى اليسار الجذري: لا تبحثوا عن شباب الأمس

إن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن تقع فيه قوى اليسار الجذري هو انتظار عودة جيل يشبه الأجيال السابقة: نفس اللغة، نفس الأشكال التنظيمية، نفس طرق التعبئة.

فالتاريخ لا يعيد نفسه، بل يخلق أشكالا جديدة للصراع.

الشباب اليوم لا يدخل السياسة بالضرورة من الأبواب التي عرفها اليسار التقليدي. قد يبدأ من قضية بيئية، أو حملة رقمية، أو احتجاج اجتماعي، أو سؤال ثقافي. لكن خلف هذه التعبيرات المتنوعة يوجد بحث عن العدالة والكرامة والمعنى.

المطلوب من اليسار ليس أن يتخلى عن مشروعه، بل أن يعيد اكتشاف جوهره: تحرير الإنسان من كل أشكال الاستلاب.

عليه أن يربط بين a و b: بين النضال ضد واقع الاستغلال وبين بناء أفق يتجاوز هذا الواقع.

وعليه أن يستعيد i: جرأة الحلم، وشجاعة الخيال، والقدرة على قول إن العالم القائم ليس العالم الوحيد الممكن.

الخاتمة: بين الذاكرة والمستقبل

جيل Z ليس جيلا بلا قضية، كما أنه ليس جيلا مثاليا بلا جذور.

إنه جيل يحمل تناقضات عصره: واقع يضغط عليه، وخيال يقاوم داخله.

Z = a + i b

إنه الجدار الذي يواجهه كل يوم، والنافذة التي يفتحها نحو المستقبل.

أما مهمة اليسار الجذري فهي أن لا يقف أمام هذه النافذة خائفا، بل أن يدخل منها. لأن القوى التي تعجز عن مخاطبة خيال الأجيال الجديدة، ستبقى أسيرة ذكرياتها مهما كان تاريخها مجيدا.

فالمستقبل لا ينتظر من يرثه، بل من يجرؤ على تخيله وبنائه.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين
- عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار
- من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وما ...
- لينين في مرآة خصومه: قراءة ماركسية للتجربة البلشفية
- فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن ا ...


المزيد.....




- تنورة بلاستيك شفافة وحمالة صدر ظاهرة.. تشارليز ثيرون تخرج عن ...
- بعد 12 عامًا من الانتظار.. جبل أوليمبوس ينضم إلى قائمة اليون ...
- تحركات تثير الريبة.. هل كان ترامب هدفاً محتملاً لمشتبه به في ...
- بعد غرق سفينة ترفع عَلَمَها.. الهند تدين الهجوم قبالة سواحل ...
- اكتشاف احتياطي هائل من الهيدروجين في باطن الأرض
- 3 مشكلات كبرى تواجه الذكاء الاصطناعي
- مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية يقول لبي بي سي إن الهجمات ع ...
- ترامب يلوّح بضرب إيران.. ومفاوضات لفتح مضيق هرمز وتحركات دبل ...
- تسريبات تكشف بنود اتفاق هرمز المرتقب.. هل تقترب نهاية المواج ...
- ثوران بركان فويغو يدفع إلى عمليات إجلاء واسعة في غواتيمالا


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار