أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما بعد التصفيق














المزيد.....

قصة قصيرة: ما بعد التصفيق


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 00:07
المحور: الادب والفن
    


لم يكن في ملعب الإدارة المحلية بالموصل موضع قدم. ازدحمت المدرجات بالناس، واصطفت القيادات العسكرية والضباط في مشهد احتفالي مهيب، بينما أخذت سيارة عسكرية مكشوفة من نوع (واز) تدور ببطء حول أرضية الملعب.
كان الجندي يقف فيها شامخاً، ثابت النظرات، كأنما يريد أن يقنع الجميع بأن الحرب لم تنل منه سوى ذراعيه. وعلى الرغم من أن كتفيه كانتا تنتهيان عند فراغ موجع، فإن قامته بدت أطول من كل الأكتاف المحيطة به.
ارتفعت الأيدي بالتحية العسكرية، وتعالت الهتافات، واختلط التصفيق بصيحات الإعجاب. كانت العيون تلاحقه بفخر، والألسن تردد اسمه مقروناً بالشجاعة والبطولة. أما هو، فكان يبادل الجميع بابتسامة هادئة، يخفي خلفها وجعاً لم يكن أحد يراه.
كان يفكر:
- كم هو غريب أن يصفق الناس لما أخذته الحرب مني، لا لما أبقته لي.
انتهت مراسم التكريم، وانفض الجمع كما تنفض المهرجانات بعد إسدال الستار. بقي الوسام معلقاً على صدره، لكن التصفيق ظل يتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى ابتلعته المسافات.
خصصت له سيارة لتنقله إلى بيت أهله في القضاء الواقع جنوب الموصل. تحركت السيارة، وتحرك معها شريط الذاكرة.
عاد إلى ذلك النهار في أعالي الجبال، حيث كانت الربايا العسكرية تتناثر فوق السفوح الصخرية، ويربط بينها ممر ضيق اعتادت الأقدام المرور فيه. خطوة، ثم أخرى، ثم ومضة خاطفة، وصوت انفجار مزق الصمت.
نظر يومها إلى الأرض، فلم يجد ذراعيه. لم يشعر بالألم أول الأمر، بل شعر بدهشة باردة، كأن جسده لم يستوعب ما حدث. ثم رأى وجوه رفاقه تقترب مذعورة، وسمع أصواتهم تتداخل، قبل أن يغيب كل شيء.
استفاق في المستشفى العسكري، محاطاً بالأطباء والممرضين، كان الجميع يهنئه بالنجاة. لكن أحداً لم يسأله:
- كيف سيعيش؟
في الطريق إلى البيت، بدأ يشعر بالجوع لأول مرة منذ الإصابة. ابتسم بمرارة، الجوع... تلك الغريزة البسيطة التي لم يفكر فيها يوماً، صارت الآن معضلة.
- من سيطعمني؟
وسرعان ما تبعه سؤال آخر أشد قسوة:
- وحين أحتاج إلى قضاء حاجتي... من سيغسل جسدي؟ ومن سيحفظ ما بقي من كرامتي؟
أطرق رأسه. كان يخوض معركة جديدة، بلا سلاح، وبلا رفاق. لذا قال في داخله:
- في الجبهة كنت أخشى الموت... أما الآن فأخشى الحياة.
تذكر آلاف الأيدي التي صفقت له قبل ساعة، كل تلك الأيدي كانت قادرة على التصفيق. لكن أية يد منها سترافقه كل صباح؟ وأية عين ستتحمل رؤية دموع رجل كان يقاتل مع الجنود، ثم صار ينتظر من يناوله كأس ماء؟
شعر لأول مرة أن الحرب لم تنتهِ عند الانفجار، بل بدأت منه. كان اللغم قد دفن ذراعيه في التراب، لكنه ترك روحه معلقة بين حاجته إلى الآخرين، ورغبته في أن يبقى كما عرف نفسه يوماً.
مال برأسه نحو نافذة السيارة، كان الغروب يصبغ السماء بلون النحاس، والحقول تمتد صامتة على جانبي الطريق. همس بصوت خافت:
- ليت التصفيق يمتلك ذراعين..
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة، سرعان ما انطفأت.
استمرت السيارة في سيرها. وكان الوسام يلمع فوق صدره كلما لامسته أشعة الشمس الأخيرة، أما هو، فلم يكن ينظر إلى الوسام. بل كان ينظر إلى باب البيت الذي يقترب شيئاً فشيئاً... ويتساءل:
- هل سأدخله بطلاً... أم سأدخله طفلاً كبيراً يحتاج إلى يدين ليستا يديه؟
توقفت السيارة أمام الدار. تقدم أهله نحوه مسرعين، فُتح الباب. وللمرة الأولى منذ أن دوى ذلك الانفجار أسفل الجبل، أدرك أن أصعب خطوة في حياته... لم تكن فوق حقل الألغام، بل كانت الخطوة التي سيفصل بها بين باب السيارة وعتبة البيت.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة


المزيد.....




- حين يصبح المهمش بطلا.. مهرجان الدار البيضاء يكشف وجها جديدا ...
- تامر حسني يشكر كل من عزّاه بوفاة والده وأشاد بألبومه الجديد ...
- RT Arabic تطلق برنامجا تدريبيا لطلاب اللغة العربية في روسيا ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة ...
- مصر.. فرقة -كايروكي- تصدر ألبومها الجديد -سوبر نوفا-
- ليبيا: انطلاق الدورة الثالثة عشرة لمهرجان موسيقى المالوف وال ...
- إيليا موروميتس.. من فتى مقعد إلى أعظم فرسان روسيا
- نجوم الفن والإعلام يتنافسون في سباق مونت كارلو الشراعي بموسك ...
- المخرج السوري الليث حجو يرد على أزمة الآلات الموسيقية بـ-بقع ...
- مهرجان -نافذة على أوروبا- يفتتح دورته الـ34 في فيبورغ بعشرة ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما بعد التصفيق