أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: محكمة الصمت














المزيد.....

قصة قصيرة: محكمة الصمت


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 13:08
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يعرف طريقاً إلى الخطأ. فقد نشأ في بيتٍ لا يملك من الدنيا إلا سمعته، وربّاه والده على أن الاستقامة رأس المال الحقيقي للإنسان، وأن الاسم الطيب أثمن من كل كنوز الأرض. كان يقول له دائماً:
- أريدك رجلاً إذا ذُكر اسمك بين الناس، ارتفعت هامتي فخراً.
حملت تلك الكلمات مكانها في قلب الطفل، فصار لا يؤذي أحداً، ولا يرد على الإساءة إلا بالكلمة الحسنة، ويخشى أن تمتد يده إلى شيء ليس له، وكأن والده يراقبه بعينيه حتى وهو بعيد عنه.
أما الفقر، فكان رفيق البيت الدائم. كان يجلس معهم على المائدة الخالية، وينام إلى جوارهم في الليالي الطويلة، ويطل من ثقوب ثيابهم البسيطة. ومع ذلك، لم يكن الطفل يدرك قسوته كما يدركها الكبار؛ فالطفولة لا تعرف المقارنات إلا حين يوقظها الآخرون على الفوارق، وحين تبدأ العيون الصغيرة بعدِّ ما يملكه الناس وما تفتقده هي.
في صباحٍ ربيعي هادئ، كان تلميذاً في الصف الرابع الابتدائي، دخل إلى صفه كما اعتاد كل يوم. غير أن الهدوء لم يدم طويلاً. دوّى جرس الإنذار في المدرسة، وطُلب من جميع الطلبة التجمع في الساحة الداخلية للمدرسة.
حضر المدير بوجهٍ متجهم، وقال بصوتٍ امتزج فيه الغضب بالحزم:
- تعرض الحانوت المدرسي للسرقة الليلة الماضية، والإدارة باشرت التحقيق لمعرفة الفاعلين.
ساد الصمت.
لكن داخل الطفل لم يكن هناك صمت، كانت الأصوات تتكاثر. شعر بقلبه يقفز في صدره، وبيديه ترتجفان دون أن يعرف السبب. قال في نفسه:
- وما شأني أنا؟ لم أفعل شيئاً.
غير أن صوتاً آخر خرج من أعماقه، أكثر قسوة:
- ولكن... ماذا لو اتهموك؟ ماذا لو قالوا إنك أنت من كسر القفل؟
أسرع يجيب نفسه:
- كيف؟ لقد كنت في البيت... لم أغادر فراشي.
عاد الصوت يطارده:
- هل أنت متأكد؟ حاول أن تتذكر... ربما خرجت... ربما لا تتذكر...
أخذ يستعيد تفاصيل الليلة الماضية بدقةٍ غريبة؛ صوت أمه وهي تطفئ الفانوس، أنفاس إخوته وهم نيام، برودة الليل، وغطاءه الصغير الذي لم يغادره.
ثم عاد يحدث نفسه:
- لا... لم أخرج... لم أفعل شيئاً... فلماذا أشعر أنني المذنب؟
لم يجد جواباً. ازدادت ضربات قلبه مع كل دقيقة، وأخذ يتخيل المدير يشير إليه أمام زملائه، ويتخيل رجال الشرطة يدخلون المدرسة، ويتخيل والده واقفاً أمام الناس منكسر الرأس، بعدما أفنى عمره وهو يعلّمه أن يكون مستقيماً.
همس في داخله:
- لو كنت مذنباً لاعترفت... لكنني بريء... فلماذا أخاف إلى هذا الحد؟
كانت محكمة الضمير قد انعقدت بالفعل. محكمة لا محامين فيها، ولا شهود، ولا قاضٍ سوى قلبٍ صغيرٍ لا يعرف المساومة.
وبعد دقائق بدت له كأنها عمرٌ كامل، عاد المدير ليقول بصوتٍ حاسم:
- تم التعرف على السارقين... ثم سكت.
لذا قال في نفسه:
- أنا من قام بهذا الفعل.
وإذا بالمدير يقول:
- إنهما طالبان من الصف السادس.
عندها فقط، تنفس الصعداء، وشعر أن الهواء عاد إلى رئتيه من جديد. أطرق برأسه قليلاً، ونظر إلى يديه الصغيرتين، كأنه يطمئن إلى أنهما ما زالتا نظيفتين كما تركهما والده.
خرج إلى ساحة المدرسة، وكانت أشعة الشمس تلامس الأشجار برفق، غير أن شيئاً آخر كان قد وُلد داخله في ذلك الصباح؛ فقد اكتشف أن الإنسان قد يخاف من ذنبٍ لم يرتكبه، وأن الضمير النقي قد يكون أشدَّ القضاة صرامةً. غير أن ذلك الطفل حتى بعد أن كبر ظل يحمل في داخله صدى تلك المحكمة الصامتة. كلما رأى باباً موصداً أو قفلاً صدئاً، عاد إليه ذلك الارتجاف القديم.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين


المزيد.....




- المغرب يعلن حصيلة ضحايا سبتة.. وأرقام الرباط تصطدم بالرواية ...
- تحفة فنية في السماء.. طائرة -Tu-214- الروسية تحتفي بذكرى معر ...
- -ثوان كانت كافية للتذكير بأن القوة لله وحده-.. فنانون مصريون ...
- أغسطس الثقافي في موسكو.. من حدائق الأحلام إلى روائع الفن الب ...
- -أليكسي ليونوف.. في ذاكرة النجوم-.. فيلم يوثق مسيرة أول إنسا ...
- التصوير الفوتوغرافي وسر -اللحظة الحاسمة-!
- موسكو.. اكتشاف آلات موسيقية أثرية وصفارة نادرة تعود إلى القر ...
- شاهد.. حِرفي سوري يحمي تراثا عمره 1400 عام من الاندثار
- رواية جديدة حول استهداف حراس أحمدي نجاد وتفنيد لمزاعم -نيويو ...
- دعوى تهز عالم الموسيقى والذكاء الاصطناعي في أمريكا.. اتهام ز ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: محكمة الصمت