أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طلال كبده - المثقف (البراند).. من غبار الدكاكين إلى فلاتر البودكاست














المزيد.....

المثقف (البراند).. من غبار الدكاكين إلى فلاتر البودكاست


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 12:00
المحور: قضايا ثقافية
    


لو قُدّر لعرّاب الإدارة والكلمة، الراحل الدكتور غازي القصيبي، أن يخرج اليوم من برزخه الثقافي النقي ليجلس في مقهى حداثي بالرياض، ومعه المفكر والناقد الأكاديمي الأستاذ عبد الله مطلق القحطاني، لرأينا فصلاً جديداً من فصول "حكاية حداثة"، ولكن بروح معاصرة جداً.
تخيلوا الموقف: غازي القصيبي بنظارته الأنيقة وهدوئه الوزاري الساخر، والأستاذ القحطاني بذكائه التفكيكي الحاد ونظرته التي تقرأ ما وراء النصوص، يجلسان بينما يمر أمامهما "مثقفو جيل الرينغ لايت" و"دكاترة السناب شات" الذين تحولوا من رواد تنوير إلى عارضي أزياء فكرية.
الحوار: صدمة عرّاب ورصد مفكر
غازي القصيبي (يرتشف قهوته السوداء، وينظر إلى شاشة هاتف ذكي يعرض مقطعاً لبودكاست ثقافي):
"يا أبا مطلق.. أهذا الذي يضع مساحيق الوجه، ويهز رأسه بتمطيط مسرحي، ويحدثنا عن (تفكيك الوعي الجمعي والـ Existentialism) هو مثقف هذا الزمان؟ يا صاحبي، لقد خضنا معارك التنوير والحداثة بالدموع والحبر والمحاكمات الفكرية، فهل انتهت المعركة بأن أصبح الفكر مجرد (براند) عطور يرعاه مؤثر في تيك توك؟"
الأستاذ عبد الله مطلق القحطاني (يبتسم ابتسامته الأكاديمية الهادئة، ويعدل أوراقه):
"أهلاً بك يا أبا سهيل في عصر (السيولة الثقافية)! ما تراه ليس فكراً، بل هو (ظاهراتية الوجاهة الرقمية). مثقف اليوم يا دكتور غازي لم يعد يقرأ (لسان العرب) ولا (تاريخ ابن خلدون)؛ هو يقرأ فقط (التريند) الصباحي. يقرأ ثلاثة سطور من كتاب مترجم في منصة (X)، ثم يأتي للبودكاست ليمارس علينا دور (النبي الحزين) الذي اكتشف فجأة أن المجتمع لم يفهمه بعد!"
غازي القصيبي (يضحك ضحكته المعهودة، ويلتفت لرفوف الكتب القريبة):
"نبي حزين؟! والله إنني أرى غنجاً في الإلقاء ودلالاً لغوياً لم أره حتى في قصائد الغزل! بمناسبة الكتب يا أبا مطلق.. ألقيتُ نظرةً على قوائم الروايات المحلية الأكثر مبيعاً في منصات السوشيال ميديا وصُدمت! أين ذهب إرث الرواية الحقيقية؟ تحولت الرواية المعاصرة إلى ما يشبه (ثريد تويتري) طويل، أو مذكرات مراهقة كُتبت بلغة بيضاء هجينة، لا هي فصحى تُطرب، ولا هي عامية تُعبر! البطل دائماً مغترب نرجسي يعيش في مقهى، والبطلة تبكي خلف فنجان قهوة.. أين مجتمعنا؟ أين قضايا الإنسان الوجودية؟"
الأستاذ عبد الله مطلق القحطاني (يهز رأسه موافقاً وهو يسجل ملحوظة):
"لقد أصبت كبد الحقيقة يا أبا سهيل. الرواية المحلية المعاصرة أُصيبت بمرض (الاستهلاك السريع). الروائي اليوم لا يكتب ليبقى، بل يكتب ليلتقط المتابعون صورةً لغلاف كتابه بجانب كوب (ماتشا)! إنها (روايات الفاشنيستات الأدبية). الكاتب لم يعد يملك مشروعاً إبداعياً، بل يملك (خطة تسويقية)؛ يبحث عن لقطة مثيرة للجدل أو مشهد مبتذل ليضمن تفاعل خوارزميات الـ (تيك توك) وتصدر قائمة الـ (Best Seller) في معارض الكتاب، دون أي اعتبار للمبنى والتشكيل الروائي الحقيقي."
غازي القصيبي (يتنهد بأسف ساخر):
"يا خسارة الحبر! كنا نكتب الرواية لنكشف المسكوت عنه، ونفكك القيود الاجتماعية، واليوم يكتبون الرواية لتكون خلفية جمالية في (ستوري الإنستغرام)! وماذا عن السجالات والبرامج التلفزيونية والبودكاستات التي تملأ الفضاء الآن؟ في زماننا، كانت مناظراتنا التلفزيونية معارك فكرية حامية الوطيس، يُحشد لها الدليل، وتُنزف فيها الأفكار، ويخرج منها المشاهد بحصيلة معرفية تهز قناعاته. أما اليوم؟"
الأستاذ عبد الله مطلق القحطاني (يضحك بتهكم):
"أما اليوم يا دكتور، فالسجالات التلفزيونية والبودكاستية تحولت إلى (مُصارعة حرة بالألسن)! لم يعد الهدف هو الوصول إلى الحقيقة أو مقارعة الحجة بالحجة. المذيع يبحث عن (القفشة) أو السؤال المفخخ الذي يستفز الضيف ليخرج منه بـ (مقطع كليب مدته 30 ثانية) يضرب تريند. والضيف بدوره يمارس الصراخ وافتعال المعارك الوهمية، أو يمارس (الغموض التصنعي) والصمت الدرامي أمام الكاميرا ليوحي بالعمق! إنها سجالات (كليك بيت) المصممة خصيصاً للاستهلاك اليومي، حيث يُقاس نجاح المفكر بحجم (الهوشة) والجدل اللفظي الذي أحدثه، لا بالقيمة الفكرية التي قدمها."
غازي القصيبي (يقف ممسكاً بعباءته ويستعد للمغادرة):
"إذن يا أبا مطلق، دعنا ننسحب بوقارنا القديم. فما دام الفكر قد أصبح يُقاس بعدد (اللايكات والكبسات)، ومادامت الرواية مجرد (أكسسوار مكمل للأناقة الرأسمالية)، والسجالات مجرد (سيرك رقمي) لتسلية الجماهير، فلنقرأ على البيان السلام. سأعود لقصائدي ورواياتي، وأترك لك مهمة (تفكيك) هذه الظاهرة الساخرة في مقالك القادم.. بشرط ألا تضع كود خصم في نهايته!"
خاتمة المقال:
ينتهي المشهد المتخيل، ويبقى الواقع أكثر سخرية. إن مثقفي ومبدعي "هذا الزمان" حوّلوا الثقافة والآداب من رسالة وموقف وتنوير، إلى "استايل حياة" وصناعة محتوى تافه بعبارات فخمة. لقد استبدلوا عمق الكتب بعمق الفلاتر، واستسهلوا صياغة الروايات السطحية وصناعة السجالات المفرغة من المعنى، وبات همّهم الأكبر ليس إيقاظ العقول أو صدم الوعي، بل حصد المتابعين وإبقاء الجماهير مستيقظة حتى ينتهي الإعلان!



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مأساة السنتيمتر المقدس.. والمجاعة الرقمية في حارة المظلوم!
- بورصة العصبية الافتراضية
- خارج النص الصارم: قراءة في مرثية وهابية لكاهن مسيحي!
- سكان برزخ التبلد: مأزق غير المقروء
- مسرحية من فصل واحد: هَذَيَانُ العَلامَةِ الزَّرْقَاءِ.. وَمَ ...
- مسرحية: موسم الهجرة إلى التيك توك.. أو انتحار متحدث فصيح في ...
- غسيل تاريخي في مقهى حداثي: الطبري يتأبط ميكروفوناً وابن كثير ...
- سيناريو مسرحي كامل: -ترمي بشرر.. في سوق عكاظ الرقمي-
- من حظيرة الرعية إلى فضاء المواطنة: دليلك الساخر لتفكيك العبو ...
- الحاكمية واللابتوب: حوار فوق صفيح تراثي ساخن!
- وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي
- طرقات على باب الغزالي: محاكمة العقل السائل
- تفكيك الأبوية التاريخية: سجال صارخ بين سيف الطاغية ووعي التن ...
- مسرحية: حفريات الشك ومحاكمة النص
- حانة الوعي المر: حوارية فلسفية وجودية بين نجيب الريحاني وعبد ...
- مسرحية: فلسفة الصعلوك وصدمة المفكر
- عنوان العرض: -برزخ الأفكار القلقة-
- حواف الحبر.. وظلال النص
- برزخ المطارق: حوار فوق الغمام
- خريف النص: رحلة في وادي الشك.


المزيد.....




- تدخل أمريكي نادر لدعم الين الياباني.. وترامب يكشف الأسباب
- لقطات من طائرة ركاب لحريق هائل يلتهم مستودعًا في الصين.. شاه ...
- ترامب يعلن استئناف المفاوضات مع إيران الاثنين بعد إلغاء -هجو ...
- حرائق غابات تجبر على إجلاء السكان في جزيرة كيفالونيا اليونان ...
- الصراع الإسلامي-المدني وتداعياته على الحريات والمشهد السياسي ...
- الابتزاز الإلكتروني .. جريمة تودي بحياة عراقيات فأين القانون ...
- ترامب يعلن عن مفاوضات جديدة مع إيران دون تحديد موعد نهائي
- ناج إسرائيلي من هجوم 7 أكتوبر ينتحر عند قبر صديقته التي قتلت ...
- الخارجية الروسية: كييف والغرب يرعيان تسريب أسلحة أوكرانيا إل ...
- باتروشيف يصل في زيارة إلى البرازيل


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طلال كبده - المثقف (البراند).. من غبار الدكاكين إلى فلاتر البودكاست