طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 20:09
المحور:
الادب والفن
مسرحية فكرية إنسانية في ثلاثة فصول
الشخصيات:
عاصم (38 عاماً): رجل نشأ في بيئة سلفية وهابية صارمة. ملامحه حادة، يرتدي عباءة داكنة ثقيلة ترمز لثقل الموروث والتلقين. يعيش صراعاً نفسياً مريراً بين النص الجامد والفطرة الإنسانية.
طيف الأب متى (70 عاماً): كاهن مسيحي راحل. لا يظهر كجسد مادي، بل كطيف بصري وصدى صوتي في فضاء الذاكرة والوجدان. ملامحه وادعة، شعره ولحيته كالثلج، ويرتدي ثوباً كهنوتياً أبيض يرمز للنقاء.
الراصد / السارد (طلال كبده): عين الوعي في المسرحية. يجلس في مقدمة المسرح، يراقب الأحداث ويدونها في مفكرة أو كمبيوتر محمول. صوته يمثل العمق الفلسفي والشجن الراصد للموقف.
جوقة الأصوات الرمادية: مجموعة من الممثلين (من 6 إلى 8) يرتدون ملابس وأقنعة رمادية متشابهة بلا ملامح. يمثلون حراس الأيديولوجيا، المجتمع، والمغردين في الفضاء الرقمي الصاخب.
الفضاء المسرحي والديكور:
الخشبة مقسمة بذكاء عبر الإضاءة والرمزية البصرية إلى ثلاثة مستويات:
الجهة اليمنى (فضاء عاصم): مكتبة طينية قديمة، رفوف خشبية متخمة بالكتب الصفراء الكبيرة، سجادة صلاة، إضاءة صفراء خافتة توحي بالانغلاق والصرامة.
الجهة اليسرى (فضاء الأب متى): محراب كنيسة شرقية قديمة، شموع ذائبة تنبعث منها إضاءة دافئة، صور أيقونية باهتة، ويتناهى في الخلفية صدى جرس بعيد أو ترنيمة شرقية خافتة.
العمق (البرزخ الرقمي - الحوار المتمدن): شاشة عرض رقمية عملاقة تمتد من السقف إلى الأرض. تتطاير فوقها النصوص والتعليقات والرموز البرمجية، وتمثل صخب العالم الافتراضي.
الفصل الأول: صدمة الغياب (الوقوف على العتبة)
المشهد الأول
(يبدأ المسرح بظلام دامس. يصدر صوت نقرات سريعة ومستمرة على لوحة مفاتيح كمبيوتر، يرافقها صوت نبضات قلب متسارعة. تضاء فجأة بقعة ضوء بيضاء مركزة على الراصد في مقدمة المسرح).
الراصد: (ينظر إلى الجمهور، يتحدث بنبرة شجية وهادئة)
بين ركام الخطابات المشحونة بالاستقطاب، وهدير المنصات الرقمية التي تقتات على صناعة الكراهية وتشييد الخنادق، استوقفني مشهدٌ يفيض بالوجع الإنساني النبيل. مشهدٌ ينتمي إلى تلك اللحظات النادرة التي يستعيد فيها الحبر طهارته الأولى. إنه مشهد رجلٍ خرج من عباءة فكرية سلفية وهابية صارمة، ليقف فجأة في حضرة الموت، مودعاً كاهناً مسيحياً لا يجمعه به جغرافيا، ولا تاريخ، ولا مصلحة، بل ولا حتى معرفة شخصية سابقة. وقف ليسكب شجنه علانية، وبجرأة تثير الذهول، على صفحات منصة "الحوار المتمدن"؛ بكل ما تحمله هذه المنصة من إرث يبعد مسافات ضوئية عن منبت الكاتب الأصلي. لم تكن تلك الكلمات التي طالعتها مرثية عابرة كتبت لرفع العتب الاجتماعي، بل كانت زلزالاً صامتاً، تداعت أمامه جدران الأيديولوجيا الصماء أمام جلال الموت المطلق.
(تنطفئ الإضاءة عن الراصد، وتضاء فجأة الجهة اليمنى حيث مكتبة عاصم. يجلس عاصم خلف مكتبه، العباءة الثقيلة تحيط بكتفيه كقيد. يمسك بهاتفه المحمول، وعيناه متسمرتان على الشاشة. وجهه يشع بضوء الهاتف الأزرق. على الشاشة الخلفية العملاقة، يظهر عنوان بخط عريض: "رحيل الأب متى.. كاهن المحبة والسلام"، وبجانب العنوان صورة فوتوغرافية كبيرة للكاهن الراحل).
عاصم: (يتمتم بصوت يرتجف، يقرأ من شاشة الهاتف)
مات.. الأب متى.. غادر هذا العالم صامتاً.. (يخفض الهاتف، يتنفس بصعوبة) لماذا يهتز قلبي؟ من هو؟ أنا لا أعرفه.. لم ألتقِ به يوماً في زقاق أو قرية. لم يجمعنا سقف، ولم تتقاطع صلواتنا يوماً. هو كاهن تكلل بالبياض خلف صليبه، وأنا هنا.. محاصر بكتبي، محاط بأسوار الفتاوى الصارمة. لماذا أشعر أن موته كسر شيئاً في داخلي؟
(يتحرك عاصم بوجل نحو رفوف كتبه، يسحب كتاباً ضخماً، يفتحه ويبدأ بالبحث بقلب مضطرب).
عاصم: (يقرأ بصوت مرتفع يحاول أن يكون حازماً)
"باب البراء من المخالف.. لا يجوز الاستغفار لهم.. لا يجوز رثاؤهم.. الجدار سميك، والحدود حاسمة". (يغلق الكتاب بقوة، ويضعه على صدره كأنه يدرأ به فكرة تهاجمه) نعم، هذا ما نشأت عليه. هذا هو الأمان الذي عشته لسنوات. العالم فئتان لا تلتقيان. ولكن.. لماذا تبدو هذه الصفحات الصفراء باردة الآن؟ لماذا يبدو وجه هذا الشيخ الراحل في الهاتف أكثر دفئاً من كل هذه المجلدات؟
المشهد الثاني
(تبدأ جوقة الأصوات الرمادية بالظهور من زوايا المسرح المظلمة. يتحركو ن بحركات هندسية ميكانيكية حادة، ويحيطون بمكتب عاصم دون أن يلمسوه. تضاء الشاشة الخلفية بومضات حمراء).
الصوت الأول: احذر يا عاصم! النص واضح.
الصوت الثاني: الخطوط الحمر لا تُمس.
الصوت الثالث: منبتك القديم يراقبك، العباءة التي ترتديها نسجتها فتاوى القرون.
الصوت الرابع: هو في دينه، وأنت في دينك.. الموت يفصل، والأيديولوجيا تحكم.
الجميع (بهامش جماعي صاخب): البراء.. البراء.. لا تلتفت.. لا تحزن على غريب!
عاصم: (يضع يديه على أذنيه، يصرخ)
اخرسوا! إن الموت، هذا السكون المهيب، لا يملك بطاقة هوية! إنه لا يسأل الراحل عن طائفته قبل أن يقبض روحه. حين يغيب إنسان كرس حياته لمداواة الأرواح المنهكة، وبث السكينة في قلوب الناس، ينكسر جزء من مرآة إنسانيتنا المشتركة! كيف أغمض عيني عن هذا الانكسار؟
(تتحرك الجوقة إلى الخلف وتتراجع إلى منطقة الظل، بينما يرتفع صوت ترنيمة شرقية دافئة من الجهة اليسرى، وتضاء شموع محراب الأب متى).
الفصل الثاني: الهجرة الفكرية والعبور الخطير (الحوار المستحيل)
المشهد الأول
(عاصم يقف عند حافة مكتبته. ينظر نحو الجهة اليسرى المضاءة بنور الشموع الدافئ. يتحرك ببطء، خطوة تلو الأخرى، كأنه يعبر برزخاً غير مرئي. يخلع جزءاً من عباءته الثقيلة لتسقط على الأرض. في منتصف المسرح، يظهر طيف الأب متى، واقفاً بوقار، يبتسم ابتسامة هادئة صامتة).
عاصم: (يقف على مسافة قصيرة من الطيف، يتأمله بشجن)
أيها الشيخ الراحل.. لم أسمع صوتك يوماً، لكن ملامحك تتحدث بلغة أفهمها الآن جيداً. علمتني الأيديولوجيا القديمة كيف أضع جدراناً وفواصل بيني وبينك، جعلتني أرى في ثوبك الأبيض هذا مغايرة يجب الحذر منها. لكنني اليوم، في حضرة غيابك، أشعر بعري تلك الأفكار.
طيف الأب متى: (يصدر صوته كصدى عميق ودافئ في أرجاء المسرح)
يا بني.. الطين لا يتخاصم حين يعود إلى الأرض. نحن سافرنا في ذات الرحلة الموحشة؛ رحلة البحث المضنية عن الله، وعن المحبة، وعن السلام في عالم ملأه البشر بالحروب. الصلاة تختلف طرقها، لكن وجهة القلوب الواجفة واحدة.
عاصم: (يقترب خطوة أخرى)
لقد عشت طويلاً في خنادق العقيدة الصارمة، حيث التكفير والتبديع مساحيق يومية تُغطى بها الوجوه. كيف استطعتَ أنت أن تحافظ على هذه السكينة دون أن تلوثك معارك التناحر؟
طيف الأب متى: لأنني لم أنظر إلى الإنسان من خلال سياجه، بل من خلال جرحه. حين يتألم الإنسان، لا يسيل منه دم سني أو دم مسيحي، يسيل منه وجع بشري صِرف. عندما كنت أبارك الرعية، كنت أرى في كل وجه طيناً يتوق للنور.. تماماً مثل طينك يا عاصم.
عاصم: (تتساقط دموعه)
إذن، رثائي لك ليس خطيئة؟ رثائي لك ليس خيانة لمنبتي؟
طيف الأب متى: (يبدأ بالتراجع ببطء والشموع تخفت تدريجياً)
رثاؤك لي هو تذكرتك للعودة إلى فطرتك الأولى. الكلمات حين تخلع ربقتها، تصبح صلاة إنسانية متجردة. اكتب يا عاصم.. اكتب ولا تخف من الحراس.. فالإنسان أوسع من خنادقهم.
المشهد الثاني
(ينتفض عاصم كأنه استيقظ من حلم. يعود مسرعاً إلى مكتبه. يسحب الكمبيوتر المحمول ويفتحه بعنف. تسقط العباءة الداكنة بالكامل عن كتفيه، ليظهر بقميص أبيض بسيط يشبه ثوب الكاهن. الشاشة الخلفية العملاقة تتحول فجأة إلى صفحة بيضاء ناصعة، يظهر في أعلاها شعار: "الحوار المتمدن - مؤسسة تمدنية علمانية يسارية").
عاصم: (ي بدأ بالكتابة، يلقي الكلمات وهو يطبعها بصوت جهوري متهدج بالشجن)
سأكتب.. سأكتب في هذا الفضاء الأرحب، بعيداً عن الأسوار التي خنقت طفولتي.
(يقف ويوجه كلامه للشاشة الخلفية التي بدأت الكلمات تظهر عليها في ذات اللحظة)
"أرثيك اليوم لا كصاحب مذهب، بل كشريك في طين الأرض. رثائي لك من هذا الفضاء المفتوح هو اعتذار مبطن عن كل جدار بنيناه يوماً في عقولنا وجعلناه ديناً.. إن قيام هذا القلم بالعبور نحو الحوار المتمدن هو إعلان شجي بأن الروح الإنسانية أوسع بكثير من كل القوالب والفتامى المحنطة.. الدموع لا تتكلم لغة الطوائف، والطين في نهاية المطاف لا يبكي إلا الطين!"
(يضغط عاصم بقوة على زر الإدخال "Enter". يصدر صوت نقرة مدوية كضربة جرس ضخم).
الفصل الثالث: المحاكمة الرقمية والقيامة الإنسانية
المشهد الأول
(بمجرد ضغط الزر، تنفجر الشاشة الخلفية بإضاءة حمراء صاخبة متقطعة (Strobe Light). تتدفق التعليقات والرموز والشتائم بسرعة جنونية على الشاشة: "وهابي منافق"، "ارتد عن دينه"، "عميل علماني"، "خائن لإرثه"، "كيف يرثي كافراً؟". تدخل جوقة الأصوات الرمادية مجدداً، لكن حركتهم هذه المرة عنيفة، يركضون حول عاصم في حلقة دائرية تضيق تدريجياً، يلوحون بأيديهم كأنهم يحاكمونه).
الصوت الأول: لقد فعلها! لقد نشر في منصة الضلال!
الصوت الثاني: باع دينه من أجل ثناء العلمانيين!
الصوت الثالث: خلع العباءة، تبرأ من شيوخه!
الصوت الرابع: سقط في مستنقع الردة والتمييع!
الجميع (بصراخ هيستيري متصاعد): خائن! منافق! ساقط! عاصم خرج عن النص الصارم!
(عاصم يقف في منتصف الحلقة، يضم يديه إلى صدره، يرتجف تحت وطأة الهجوم المجتمعي والرقمي العنيف، لكن نظره معلق بالنقطة التي كان يقف فيها طيف الكاهن).
عاصم: (يصرخ بأعلى صوته محاولاً اختراق ضجيج الجوقة)
اشتموا كما شئتم! اسكبوا كراهيتكم في فضاءاتكم الضيقة! لقد تحررت الكلمات من سياجها! لقد تذوقت طعم الإنسانية العارية، ولن أعود إلى خنادقكم المظلمة أبداً!
المشهد الثاني (الخاتمة)
(فجأة، يصدر صوت ضربة عصا قوية على الأرض من مقدمة المسرح. تتجمد الجوقة بالكامل في مكانها وفي وضعيات حركية مختلفة (Freeze). تتوقف الأصوات تماماً ويعم الصمت. تضاء بقعة ضوء دافئة على الراصد وهو يحمل مفكرته ويتقدم بخطوات رصينة نحو منتصف المسرح، يمر من بين أفراد الجوقة المتجمدين، ويقف بجانب عاصم الذي يثبت في مكانه بنظرة سلام).
الراصد: (ينظر إلى عاصم، ثم يلتفت إلى الجمهور ويلقي الخاتمة بنبرة فلسفية بليغة وشجية)
إن القيمة الحقيقية لهذا الفعل لا تكمن في بلاغة النص المرسل، بل في شجاعة العبور الفكري. فأن يكتب رجل ذو نزعة سلفية عن كاهن مسيحي، وينشره في "الحوار المتمدن"، هو تفكيك واعي للبنية الفوقية للخطاب المتشدد. لقد رأى هذا الكاتب في الكاهن الراحل ما لم تره عيون الأيديولوجيا المحنطة.
(يلتفت الراصد نحو فضاء الكنيسة المخفت، ثم نحو مكتبة عاصم، ويتابع):
هذه الكتابة هي بمثابة فعل تطهيري ونبيل، صرخة شجية تعلن للعالم أن الروح الإنسانية أوسع بكثير من كل القوالب والدوغما. إنها برهان ساطع على أن الطين في نهاية المطاف لا يبكي إلا الطين، وأن الدموع لا تتكلم لغة الطوائف. خلف حدود المواقف الجاهزة، وبعيداً عن خنادق المذاهب المعتمة، التقت روحان غريبتان في مساحة الضوء؛ لتقول لنا هذه المرثية إننا مهما اختلفنا في طرق الصلاة.. سنلتقي جميعاً في سلام الطمأنينة الأخيرة، حيث لا يبقى من الإنسان.. إلا ما زرعه من حب في قلوب الآخرين.
(تنطفئ الأنوار تدريجياً عن الجوقة وعن المكتبة والشاشة الرقمية. لا يتبقى سوى بقعة ضوء واحدة في منتصف المسرح تجمع بين الراصد وعاصم، وشمعة واحدة مشتعلة في فضاء الكاهن الراحل، قبل أن يعم الظلام التام).
- إسدال الستار -
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟