أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي















المزيد.....

وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 13:39
المحور: الادب والفن
    


مسرحية فلسفية من فصل واحد طويل
الشخصيات:
عبد الله مطلق القحطاني: مفكر وباحث ومؤرخ. ملامحه صارمة ونظراته نافذة، يرتدي زياً بسيطاً يعكس العملية والزهد، ويحمل في يده "مشرط تشريح تاريخي" ومخطوطات من مقالاته النقدية المفككة للفكر التقليدي.
خوسيه أورتيجا إي جاسيت: فيلسوف إسبانيا الأبرز. يرتدي بذلة كلاسيكية من ثلاثينيات القرن العشرين مع معطف صوفي دافئ، يحمل ساعة جيب ذهبية قديمة يتأمل عقاربها، ويمثل "فلسفة العقل الحيوي والتحذير من سحق الفردانية".
الديكور والمشهد:
المسرح عبارة عن فضاء سريالي يمثل "مكتبة مهجورة على حافة هاوية". في الجانب الأيمن (عالم القحطاني): رفوف منهارة تتناثر منها كتب التراث والفقه السياسي والتاريخ النقدي، يغشاها ضوء صحراوي دافئ (أشقر). في الجانب الأيسر (عالم أورتيجا): جدار إسمنتي رمادي معلق عليه لوحات تشكيلية إسبانية مفككة، يغشاه ضوء رمادي بارد. في المنتصف: طاولة خشبية ضخمة وعليها محبرة سوداء تسيل على الورق كأنها دماء، وخلف الطاولة شاشة افتراضية عملاقة معتمة تُظهر بين الحين والآخر أرقاماً متسارعة وإشارات رقمية.
المشهد الأول: تمرد العقول المسطحة
(يُفتح الستار على القحطاني وهو يمزق صفحة من مخطوطة تاريخية ويعيد صياغتها، بينما أورتيجا يقف عند حافة المسرح ينظر إلى الشاشة المعتمة ويستمع إلى هدير غامض يشبه صوت الحشود في الملاعب).
القحطاني: (ينظر إلى المشرط في يده بنبرة يملؤها قلق المعرفة)
مئة عام يا خوسيه.. مئة عام منذ أن حذرتَ في مدريد من "تمرد الجماهير"، وما زلنا في الشرق نمارس المذبحة ذاتها! جئتُ من جغرافيا حوّلت فيها الأيديولوجيا الآحادية الإنسان إلى ترس في ماكينة طائفية أو سياسية صماء. عندما يغيب العقل التاريخي النقدي، تصبح الجماهير قطيعاً مساقاً بآيات مبتورة وفتاوى مسيسة، ويتحول البحث العلمي إلى رهن الاعتقال والاتهام الدائم بالعمالة والتغريب!
أورتيجا: (يلتفت ببطء، ويفتح ساعة جيبه)
الوقت لا يتحرك في أروقة الجهل يا عبد الله، إنه يرتد إلى الوراء. عندما كتبتُ "تمرد الجماهير" في ثلاثينيات القرن الماضي، كنتُ مرعوباً من صعود "الإنسان الجماعي" (Mass-man).. هذا الكائن الذي يفتقد للأصالة، الذي لا يطالب نفسه بشيء، بل يكتفي بالتشابه مع الآخرين ويفرض سطحيته بالقوة. اليوم، في عصرك الرقمي، تحول هذا الإنسان الجماعي إلى "ميليشيا افتراضية" تملك هواتف ذكية وعقولاً فارغة. إنهم لا يريدون حقيقة تاريخية؛ يريدون أصناماً تبرر كسلهم الفكري!
القحطاني: (يتقدم نحو الطاولة، ويغرس المشرط في الخشب بقوة)
الأصنام في عالمنا يا خوسيه ليست مجرد تماثيل؛ إنها أسطوانة مشروخة دُجّجت بقداسة وهمية! لقد سلعوا المقدس ووظفوه لخدمة المدنس السياسي. عندما أدخل طواعية إلى "عِشِّ الدبابير" لأفكك بنية الإسلام السياسي أو أكشف عورات المذاهب المغلقة، لا أواجه سلطة سياسية فحسب، بل أواجه هذه الجماهير التي تبشر بها! إنهم يدافعون عن سلاسلهم بحماس أعمى، ويعتبرون حقوق الإنسان والتعددية الفكرية والعقائدية مؤامرة كونية لتدمير نقائهم المزعوم. كيف تبني تنويراً في أرض يرى فيها العوام أن التفكير خيانة؟
المشهد الثاني: العقل الحيوي في مواجهة المقصلة
أورتيجا: (يمشي نحو طاولة القحطاني، ويتأمل المشرط المزروع)
الخطأ الأكبر الذي وقع فيه تنويريو عصركم هو أنهم ظنوا "العقل" أداة ميكانيكية باردة يمكن استيرادها كالتكنولوجيا. الفلسفة علمتني أن العقل يجب أن يكون "عقلاً حيوياً" (Historical and Vital Reason)؛ عقل يتنفس من رئة التاريخ والواقع المعاش. إذا جئت إلى مجتمع مأزوم تاريخياً وقدمت له تنويراً نرجسياً متعالياً يفصل الإنسان عن جذوره الحية، فأنت لا تشفيه، بل تدفعه للارتماء في أحضان التطرف كرد فعل دفاعي. الجراحة تحتاج إلى فهم النسيج يا عبد الله، لا إلى قطعه بعنف فحسب.
القحطاني: (ينتفض، ويمسك بمقالاته المكتوبة في "الحوار المتمدن")
ولكن النسيج متسرطن بالتوظيف العقائدي الصارم! التعليم في عالمنا العربي منذ المرحلة الابتدائية حتى الجامعة أفرغوه من مناهج الفلسفة والبحث العلمي الحقيقي، وحولوه إلى دور للتلقين الآحادي المذهبي. كيف تطلب مني الرفق بالنسيج وهو ينتج لي كل يوم قطيعاً يرى في التعددية المذهبية رجساً من عمل الشيطان؟ التنوير ليس صالوناً ثقافياً نتبادل فيه الابتسامات؛ التنوير هو معركة كسر عظم مع البنى الفكرية التي تمنع الإنسان من حقه الوجودي في الاختيار والاعتقاد والحرية. إذا تراجع المشرط، تمدد الورم وافتُرس المستقبل!
أورتيجا: (يجلس على كرسي خشبي متآكل، بنبرة فلسفية عميقة)
أنا لا أطلب منك التراجع، بل أحذرك من "فاشية العقلانية العكسية". الاستبداد يبدأ عندما يظن طرف ما، حتى لو كان تنويرياً، أنه يملك الوصفة النهائية والوحيدة لصناعة الإنسان. الحداثة الأوروبية التي يتغنى بها زملؤك سقطت في وحل "الإنسان الآلي" الذي يملك كل شيء ويفقد ذاته. الجماهير اليوم في الغرب والشرق تتشابه؛ كلهم يملكون زر "الإعجاب" و"المشاركة"، ويمارسون الإقصاء ذاته باسم معايير مختلفة. الخوارزمية الرقمية هي المقصلة الجديدة التي تقص حواف كل فكر فردي متمرد.
المشهد الثالث: محاكمة الأسطوانة المشروخة
(فجأة، تومض الشاشة العملاقة في الخلفية باللون الأحمر الصاخب، وتظهر عليها آلاف التعليقات والهاشتاغات المتطايرة بسرعة، ويُسمع صوت ضجيج إلكتروني حاد).
القحطاني: (يشير بيد غاضبة نحو الشاشة المومضة)
انظر إلى هذا المسرح العبثي! هذا هو "المذبح الافتراضي" الذي تصنعه جماهيرك المعاصرة. الكاتب يبحث لسنوات في الوثائق والمخطوطات ليثبت حقيقة تاريخية تفكك الاستبداد، فيأتي مراهق رقمي بضغطة زر واحدة ليتهمه بالزندقة والردة بناءً على "مقطع مقتطع من سياقه". لقد ألغت هذه السيولة الرقمية المسافة بين العالم والجاهل، وأصبح "الريتش" والتصفيق هو المعيار الأساسي للحق. كيف ننجو بالعقل العلمي في زمن يقاد فيه الوعي بمقص الخوارزمية وأهواء العوام؟
أورتيجا: (ينهض، ويوجه نظره الحاد إلى الشاشة ثم إلى القحطاني)
النجاة تكمن في إعادة الاعتبار لـ "القلة المتمردة" (The Minority)، ليس بالمعنى الطبقي أو المالي، بل بالمعنى الأخلاقي والفكري. المفكر الحقيقي هو من يملك شجاعة العزلة، من يرفض الذوبان في القطيع الرقمي أو العقائدي. المعركة الليلة يا عبد الله ليست بين الشرق والغرب، ولا بين القديم والحديث؛ إنها معركة الكيان الفردي الحر ضد القطيعة الشمولية المسطحة. كتاباتك التفكيكية يجب ألا تستجدي إعجاب الشاشات، بل يجب أن تزرع "القلق" في النفوس الحائرة، فالقلق هو بداية انبعاث العقل الحيوي.
القحطاني: (يهدأ صوته لكنه يكتسب عمقاً وثباتاً، ويأخذ أوراقه ومشرطه)
لذلك لن أغادر عِشِّ الدبابير ولن أهادن الأسطوانة المشروخة. سأظل أحفر في جذور التاريخ، وأكشف زيف توظيف الدين في السياسة، وأطالب بتعليم يربي على التعددية العقائدية وحرية الفرد الكاملة. إن وخز دبابيرهم والتكفير الإلكتروني الذي أتعرض له هو شهادة ميلاد فكرية تثبت أن كلماتي مستقيمة ولم تنحنِ لتجارة العواطف. التاريخ لا يكتبه الواقفون على الحياد، والكلمة الحرة تظل حية في الورق والوعي حتى لو تكسرت أمامها كل شاشاتهم الزائلة.
أورتيجا: (يمسك يد القحطاني ويضغط عليها، وتغمر المسرح إضاءة بيضاء موحدة تلغي الحدود بين العالمين)
إذن، دعنا نكتب معاً المانيفستو الأخير ضد تمرد الجماهير وتفاهة العصر السائل. دع مشرطك يشرح بنية الخرافة، ودع عقلي الحيوي يبني ركائز الحرية. فالإنسان لا يكون حياً إلا إذا عاش بمسؤولية السؤال، ومات وهو يحرس ظلال المعنى.
(يقف الاثنان جنباً إلى جنب أمام الشاشة التي تبدأ بالانطفاء تدريجياً أمام ثبات وقارهما الفكري، وصوت صرير القلم على الورق يبدأ بالارتفاع بقوة في فضاء المسرح).
[إظلام تدريجي - ستار ختامي طويل]



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طرقات على باب الغزالي: محاكمة العقل السائل
- تفكيك الأبوية التاريخية: سجال صارخ بين سيف الطاغية ووعي التن ...
- مسرحية: حفريات الشك ومحاكمة النص
- حانة الوعي المر: حوارية فلسفية وجودية بين نجيب الريحاني وعبد ...
- مسرحية: فلسفة الصعلوك وصدمة المفكر
- عنوان العرض: -برزخ الأفكار القلقة-
- حواف الحبر.. وظلال النص
- برزخ المطارق: حوار فوق الغمام
- خريف النص: رحلة في وادي الشك.
- مسرحية ذهنية: برزخ السطور المتمردة
- تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والف ...
- البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكي ...
- سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند
- سيناريو مسرحي قصير: إعراب العبث
- حفريات اللاهوت مقابل صدمة الشاشة: دراسة مقارنة بين عبدالله م ...
- اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضا ...
- أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين و ...
- -زلزال يوليو الكوني: سقوط الباستيل الحجري وتفكيك المقاصل الم ...
- سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة
- أفيون الشعوب البديل: -المتأسلمون- وفصام الكأس المستديرة


المزيد.....




- فنانو الحبال العالية يعبرون كابلات فوق وادي هنوم في القدس
- قلق روسي من سرقة مشروع ترميم قوس النصر في تدمر بعد تعليق الع ...
- شيخ الأزهر يستقبل وزير التربية والتعليم ويؤكد: الاعتزاز بالل ...
- لوحتان نادرتان لروريخ وأيفازوفسكي تُباعان بملايين الروبلات ف ...
- 125 متحفا ومعرضا في موسكو تتيح زيارات مجانية للأطفال والشباب ...
- -كأنه فيلم رعب-: الأميبا الآكلة للدماغ التي قد تنتشر حول الع ...
- مهرجان مولانا في السليمانية.. الثقافة والفنون رافعة للسياحة ...
- كريستيانو رونالدو يخوض تجربة التمثيل ويكشف أسرار -الميركاتو- ...
- قداسة البابا يلتقي الممثلين القانونيين ومديري المدارس القبطي ...
- توم هولاند يكشف عن نصائح آن هاثاوي له خلال الترويج لفيلم -Th ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي