أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - طلال كبده - اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضاء الغربي















المزيد.....

اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضاء الغربي


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 17:17
المحور: الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
    


مقدمة: في تسييس السوسيولوجيا
يشهد العالم المعاصر سيولة ثقافية وهجرات بشرية غير مسبوقة، أدت إلى تداخل الدوائر الحضارية وتصادمها في آن واحد. وفي قلب هذا المشهد، تبرز إشكالية "المتأسلم في الغرب" كأحد أعقد الملفات الفكرية والسياسية.
هنا، يغدو من الضروري وضع حد فاصل حاسم بين "المسلم" كفرد يمارس تدينه كعلاقة روحية عمودية مع الخالق، ملتزماً بواجبات المواطنة والقانون في مجتمعه الجديد، وبين "المتأسلم" الذي يحمل مشروعاً أيديولوجياً أفقياً، يهدف إلى تسييس الهوية وتحويل الدين إلى جبهة صراع سياسي وثقافي ضد قيم الحداثة والتنوير.
1. فرادة الأدلجة المعاصرة: تجاوز الصدام الثقافي التقليدي
في الحقب التاريخية الماضية، كانت الإشكالات التي تواجه المهاجرين تدور حول قضايا "سوسيولوجية تقليدية"؛ مثل الحواجز اللغوية، واختلاف العادات اليومية، وصدمة التحديث. أما اليوم، فإن الأدلجة الدينية المعاصرة نقلت الصراع من سياقه الاجتماعي التلقائي إلى سياق عقدي مسيس ومنظم، يرفض الامتثال لقيم المجتمع المضيف بنيوياً.
حاكمية النص ضد حاكمية القانون: يصطدم الفكر المؤدلج مع مفهوم السيادة الشعبية. يرى المتأسلم أن القوانين الوضعية الغربية هي تشريعات قاصرة، مما يخلق لديه انفصاماً بين طاعة قانون الدولة "الوضعي" والامتثال لما يعتقده "قانوناً إلهياً" يعلو فوق الدستور.
ثنائية الفسطاطين والولاء والبراء: يُسقط المتأسلم أدبيات "دار الإسلام ودار الحرب" التاريخية على الواقع المعاصر. هذا التقسيم الحدي يجعل من المجتمع الغربي مجتمعاً "جاهلياً" بالضرورة، مما يمنع تشكّل أي عاطفة وطنية أو شعور بالانتماء الحقيقي.
عقدة الفوقية والاستعلاء الإيماني: رغم العيش في كنف دولة الرفاه الغربية والاستفادة من نظمها، يتعامل المتأسلم بنوع من الاستعلاء الأخلاقي تجاه المجتمعات المضيفة، معتبراً إياها مجتمعات منحلة روحياً وتائهة قِيَمياً.
2. خريطة التنظيمات الحركية: من السرية إلى مأسسة الانعزال
لا تتحرك الأدلجة المعاصرة في الغرب كأفكار هائمة، بل تقودها قوى تنظيمية شديدة الدهاء والخبرة بحكم نشأتها الحركية في الشرق الأوسط، حيث أعادت إنتاج نفسها في الفضاء الغربي عبر واجهات قانونية:
مدرسة الإخوان المسلمين والتمكين الثقافي: تمثل جماعة الإخوان المسلمين الطليعة التنظيمية الأخطر في الغرب؛ إذ تخلت عن العنف المسلح المباشر هناك لصالح "الجهاد المدني والتمكين الثقافي". أسست الجماعة شبكات معقدة من الجمعيات والمراكز الإسلامية التي تسيطر على الفتاوى والتمثيل المجتمعي، مستهدفة اختراق المؤسسات السياسية الغربية وخلق جيل يدين بالولاء للتنظيم تحت لافتة "الدفاع عن حقوق المسلمين".
الأمية الفكرية السلفية (الوهابية السياسية والجهادية): على الجانب الآخر، تغلغلت السلفية التقليدية والجهادية عبر التمويلات الضخمة للمساجد والمراكز الوعظية. يركز هذا التيار على الشحن العقدي الحاد، وتقسيم العالم، وزرع كراهية الآخر في نفوس الشباب من خلال فتاوى تحرم التهنئة بالأعياد أو العمل في المؤسسات الغربية، مما يحول الشاب إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار أمنياً أو العزلة التامة مجتمعياً.
الشبكات العابرة للحدود وقنوات الدعم: تستغل هذه الحركات أموال التبرعات والمنظمات الإغاثية لبناء إمبراطوريات مالية موازية، تمكنها من الاستقلال عن رقابة الدول المضيفة وفرض أجندتها الأيديولوجية على المساجد المحلية.
3. السبرانية وعولمة التشدد (Cyber-Islamism)
تتميز الأدلجة المعاصرة بارتباطها الوثيق بالتكنولوجيا وعبر القارية، مما ألغى عامل الجغرافيا الذي كان يفرض على المهاجر سابقاً التكيف مع بيئته الجديدة.
الفضاء الافتراضي الموازي: عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يظل المتأسلم مرتبطاً لحظياً بالمراكز الأيديولوجية والوعاظ الراديكاليين في الشرق، ويتلقى فتاوى وتوجيهات معبأة وموجهة تمنع انقطاعه المعرفي عن الفكر التقليدي المأزوم.
عزل النشء عن بيئته الحقيقية: تسهم هذه العولمة الرقمية في حصار شباب الجيلين الثاني والثالث داخل فضاءات إلكترونية مغلقة تغذّي فيهم روح المظلومية والعداء للمجتمع الذي يحيط بهم واقعياً، مما يسهل على جماعات "الإسلام السياسي" تجنيدهم ذهنياً.
4. سوسيولوجيا "الغيتو" والإنعزال الطوعي والمواطنة النفعية
يتخذ رفض الاندماج شكلاً جغرافياً واجتماعياً واضحاً في العواصم الغربية، حيث تتحول العزلة من مجرد خيار شخصي إلى استراتيجية بقاء أيديولوجية منظمة.
صناعة الغيتوهات النفسية والمكانية: يسعى الفكر المتأسلم وحركاته إلى محاصرة الأفراد داخل أحياء مغلقة ذات صبغة سلوكية وبصرية محددة، تهدف إلى قطع الصلة الثقافية مع المجتمع الكبير ومنع التأثر بقيم الحرية والتنوير.
المؤسسات الموازية وسحب الشرعية: تبرز خطورة المتأسلمين في محاولاتهم الدؤوبة لتأسيس "مجتمع موازٍ" داخل الدولة؛ عبر المطالبة بمحاكم شرعية غير رسمية لفض النزاعات الأسرية، وإنشاء مدارس دينية تعزل الأطفال عن مناهج التعليم الوطنية العلمانية.
المواطنة النفعية (الاجتزاء الاقتصادي): تظهر هنا براغماتية مشوهة ونزوع طهراني يبيح "استحلال" الاستفادة من المنافع الاقتصادية والطبية والمعونات الاجتماعية للدولة الغربية، مع إضمار الرفض التام والتكفير للمنظومة القيمية والحقوقية التي أنتجت هذا الازدهار والعدالة.
5. السلاح المفهومي: توظيف آليات الديمقراطية لتقويض الحداثة
يمارس المتأسلم في الغرب مفارقة فكرية وتاريخية كبرى؛ فهو يدرس النظام القانوني والحقوقي الليبرالي بعناية فائقة، ليوظفه كدروع قانونية لحماية تشدده ونشر فكر لا يؤمن في الأصل بتلك الحريات.
استغلال التعددية الثقافية (Multiculturalism): تم تبني هذا المفهوم في الغرب كأداة للتسامح، لكن حركات الإسلام السياسي حوّلته إلى غطاء يحمي الممارسات الإقصائية والتمييزية ضد المرأة والأقليات داخل جاليته، بدعوى حماية "الخصوصية الثقافية".
ابتزاز "الإسلاموفوبيا" كأداة إرهاب فكري: يُشهر المتأسلم سلاح تهمة العنصرية أو معاداة الإسلام في وجه كل منتقد علماني أو تنويري يحاول تفكيك خطابه، مما يشل حركة النقد التنويري خوفاً من السقوط في فخ التهمة الجاهزة.
التغلغل والضغط البلدي: يسعى المتأسلمون عبر التكتل التصويتي (Bloc Voting) إلى الضغط على السياسيين المحليين في الغرب للحصول على تنازلات تمس علمانية الدولة (مثل تعديل مناهج التعليم أو فرض قيود وفصل بين الجنسين في الأماكن العامة بما يتوافق مع رؤيتهم).
6. التداعيات السياسية والحقوقية: الضحايا والارتدادات
إن كلفة الأدلجة ورفض الاندماج لا تقع وطأتها على المجتمع الغربي وحده، بل تمتد لتشكل خطراً مباشراً على البنى الاجتماعية للجاليات نفسها.
المرأة كرهينة للهوية الأيديولوجية: تتحول المرأة في خطابات المتأسلمين إلى ساحة معركة رمزية ومؤشر على النقاء العقدي، حيث يمارس عليها ضغط مجتمعي هائل لفرض نمط لباس وسلوك معين، وحرمانها من استغلال القوانين الغربية التي تحمي حريتها الفردية واستقلالها.
أزمة الهوية للجيل الثاني وفصام المعرفة: ينشأ الطفل في المدارس الغربية على قيم التفكير النقدي والمساواة، ليعود إلى منزله أو مركزه الديني ليجد خطاباً نقيضاً يبصّره بالذنب والترهيب، مما ينتج شخصيات مهزوزة يسهل تجنيدها من قبل جماعات الإسلام السياسي.
تغذية التطرف المقابل وصعود اليمين: يقتات اليمين الغربي المتطرف والشعبوي على سلوكيات المتأسلمين؛ فكل سلوك يرفض القانون يُوظف فوراً في الحملات الانتخابية لإثبات "استحالة تعايش الإسلام مع الحداثة"، مما يدخل المجتمع في حلقة مفرغة من التطرف المتبادل (المعادلة الصفرية).
خاتمة: نحو جراحة فكرية وتنويرية لازمة
إن مواجهة ظاهرة "المتأسلم في الغرب" لا يمكن أن تنجح بالمقاربات الأمنية وحدها، بل تتطلب شجاعة فكرية تعري آليات عمل الجماعات الحركية كالإخوان والسلفية، وتفكك خطابها المؤدلج. كما تستوجب حسم مفهوم المواطنة في فضاء الحرية الغربي؛ لتأكيد أنها ليست مجرد وثيقة سفر أو نفعية مادية، بل التزام طوعي وأخلاقي صارم بقيم التنوير، والتعايش، وسيادة القانون الإنساني فوق كل بواعث الإقصاء والانعزال.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين و ...
- -زلزال يوليو الكوني: سقوط الباستيل الحجري وتفكيك المقاصل الم ...
- سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة
- أفيون الشعوب البديل: -المتأسلمون- وفصام الكأس المستديرة


المزيد.....




- أمريكا تواصل ضرباتها على إيران.. وتصعيد جديد بين الحوثيين وا ...
- -كيف جنّدت إسرائيل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد؟- - نيو ...
- لفوفا بيلوفا: استمرار طلبات إعادة أطفال روس يعتقد وجودهم في ...
- الدفاع الروسية: نواصل استهداف الموانئ والسفن المرتبطة بالجيش ...
- مسؤول إيراني: رد -مدمر- ينتظر ترامب إذا نفذ تهديداته بقصف -ج ...
- السيسي يوجه رسائل هامة من البحرين عن دول الخليج
- صبري نخنوخ يدلي باعترافات مثيرة أمام القضاء المصري
- لافروف: الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران تنتهك مذكرة التف ...
- تركيا.. العدالة والتنمية ينفي أنباء نقل -إس-400- للإمارات مق ...
- العراق يفتح تحقيقا في شبهات اختفاء 140 مليار دولار من الإيرا ...


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي لمكافحة الهجرة / حميد كشكولي
- العلاقة البنيوية بين الرأسمالية والهجرة الدولية / هاشم نعمة
- من -المؤامرة اليهودية- إلى -المؤامرة الصهيونية / مرزوق الحلالي
- الحملة العنصرية ضد الأفارقة جنوب الصحراويين في تونس:خلفياتها ... / علي الجلولي
- السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق ... / رشيد غويلب
- المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور ... / كاظم حبيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟ / هوازن خداج
- حتما ستشرق الشمس / عيد الماجد
- تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017 / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - طلال كبده - اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضاء الغربي