أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلال كبده - أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين والوطن














المزيد.....

أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين والوطن


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 13:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة: في البدء كان الاستغلال
لم يكن الدين عبر التاريخ البشري مجرد طقوس معزولة، بل كان دائماً محركاً أساسياً لبناء الحضارات، وترسيخ القيم الأخلاقية، وإعمار الأرض. بيد أن هذا الثقل الروحي والمعرفي جعل منه أيضاً الهدف الأسهل والأكثر جاذبية لقوى المصالح النفعية. إن أخطر ما تواجهه المجتمعات الحديثة ليس العداء الصريح لمنظوماتها القيمة، بل عملية "الاختطاف الممنهج" للمقدس وتوظيفه في سوق المزايدات السياسية. من هنا تبرز ظاهرة "المتأسلم"؛ ذلك الكائن الأيديولوجي الذي لا يرى في الإسلام عقيدة هداية وتسامح، بل يراه "رأسمالاً رمزياً" وأداة براتيكية لإنتاج النفوذ، والوصول إلى السلطة، والسيطرة على العوام. إن المتاجرة بالدين والمتاجرة بالوطن هما في حقيقتهما وجهان لعملة واحدة، غايتها تفكيك الدولة الوطنية لحساب أوهام الأممية الحركية الضيقة.
أولاً: البنية السيكولوجية للمتأسلم.. سيكولوجية "احتكار الحقيقة"
ينطلق المتأسلم من بنية نفسية وعقلية مركبة، تقوم على "الاستعلاء الإيماني" والفرز الإقصائي للمجتمع. هو لا يرى نفسه مواطناً شريكاً في الوطن، بل يرى نفسه وصياً إلهياً على ضمائر البشر وعقائدهم. وتتخلص هذه السيكولوجية في محاور عدة:
صناعة الثنائيات الحادة: يقسم المتأسلم العالم إلى فسطاطين لا يلتقيان؛ فسطاط الحق الذي يمثله هو وجماعته، وفسطاط الباطل الذي يشمل كل من يختلف معه، حتى وإن كان من علماء الأمة أو مفكريها.
البراغماتية والانتقائية النصية: يمتلك المتأسلم قدرة فائقة على ليّ أعناق النصوص الدينية، واجتزاء الآيات والأحاديث من سياقاتها التاريخية والتشريعية، لشرعنة مواقفه السياسية المتقلبة. الدين عنده وسيلة تبررها الغاية الحركية.
النرجسية التنظيمية: يتحول الولاء في عقل المتأسلم من الخالق سبحانه، ومن ثم الوطن والمجتمع، إلى "التنظيم" أو "الجماعة". يصبح الحزب أو الفصيل هو الدين البديل، وتُقاس طاعة المرء بمدى امتثاله لتعليمات مرشده أو قيادته الحركية، لا بمدى صلاحه ونفعه للمجتمع.
ثانياً: المتاجرة بالوطن.. تفكيك الدولة من الداخل
الوطن في أدبيات المتأسلمين ليس قيمة حضارية أو تاريخية تستحق الانتماء والدفاع عنها، بل هو مجرد "حفنة من تراب عفن" – كما صرح بعض منظري هذه الحركات تاريخياً. إن عداء المتأسلم للدولة الوطنية ينبع من كونها تمثل القانون، والمواطنة الشاملة، والمؤسسات، وهي أمور تتناقض تماماً مع فكرة "الخلافة المتخيلة" التي يسوقها كشعار دغدغي لعواطف الجماهير. وتتجلى متاجرتهم بالوطن في مظاهر خطيرة:
ضرب الهوية الوطنية الجامعة: يعمل المتأسلم على تفتيت النسيج الاجتماعي عبر إحياء النعرات الطائفية، والمذهبية، والحزبية. يزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد، ويقسم المجتمع عمودياً ليتحول إلى جزر معزولة يسهل قيادتها وتوجيهها.
شيطنة مؤسسات الدولة: تستهدف المنصات الإعلامية والفكرية للمتأسلمين دائماً الأعمدة السيادية للدول (كالجيش، والقضاء، والمؤسسات الثقافية والأمنية)، لزعزعة ثقة المواطن في دولته، وخلق حالة من السيولة السياسية التي تسمح للتنظيمات القفز على السلطة وسط الركام.
الولاء العابر للحدود والاستقواء بالخارج: لا يجد المتأسلم حرجاً في التحالف مع قوى إقليمية أو دولية معادية لوطنه، وتبرير التدخلات الأجنبية في شؤون بلاده تحت لافتات وشعارات براقة. فالغاية عندهم تبرر التنازل عن السيادة الوطنية ما دام ذلك يخدم المشروع الحركي.
ثالثاً: معركة الوعي.. استراتيجيات التحصين الفكري والحضاري
إن مواجهة ظاهرة المتاجرة بالدين والوطن لا يمكن أن تقتصر على المعالجات الأمنية أو السياسية السطحية؛ بل هي في المقام الأول "معركة وعي فكري" شاملة، تتطلب تفكيك الأطروحات الحركية وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح من خلال خطوات استراتيجية:
استعادة الخطاب الديني المستنير: يجب سحب البساط من تحت أقدام هؤلاء المتاجرين عبر تقديم خطاب فكري وديني يتسم بالعقلانية، ويسلط الضوء على مقاصد الشريعة العليا (حفظ النفس، العقل، المال، العرض، والدين)، مؤكداً أن حب الوطن والدفاع عن استقراره هو في صلب المقاصد الدينية.
ترسيخ قيم المواطنة الدستورية: إن البديل الحقيقي لأطروحات المتأسلمين الإقصائية هو "الدولة الوطنية الحديثة" القائمة على القانون والمواطنة الكاملة؛ حيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتمائاتهم الفكرية أو المذهبية.
تطوير التعليم والتفكير النقدي: حماية الأجيال الجديدة تبدأ من غرس مهارات التفكير النقدي في المناهج التعليمية والمنصات الثقافية، حتى يمتلك الشاب الحصانة العقلية التي تمكنه من فرز الشعارات، وتمييز التدين الروحي النقي من الاستغلال السياسي النفعي.
خاتمة: الدين لله والوطن للجميع
في نهاية المطاف، يبقى الإسلام ديناً سماوياً عظيماً، منزهاً عن أطماع السياسة وألاعيبها البراغماتية، ويبقى الوطن كياناً مقدساً وجامعاً لا يقبل القسمة أو المزايدة. إن كشف أقنعة الزيف عن وجوه المتأسلمين، وفضح متاجرتهم المزدوجة بالدين والوطن، ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة وجودية لحماية مستقبل المجتمعات، وصون استقرار الدول، وضمان بناء غدٍ حضاري يقوم على العقل، والمواطنة، والوعي الحقيقي.



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -زلزال يوليو الكوني: سقوط الباستيل الحجري وتفكيك المقاصل الم ...
- سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة
- أفيون الشعوب البديل: -المتأسلمون- وفصام الكأس المستديرة


المزيد.....




- رئيس أساقفة الجيش الأمريكي يدعو الجنود الكاثوليك لرفض المشار ...
- 176 شخصية إسلامية تدين الاعتداءات على السعودية.. وتحذير من ت ...
- المنظومة الشعبوية الأمريكية لا علمانية ولا ديمقراطية
- إسرائيل تفرض قيوداً على أطقم -الخطوط الفرنسية- بناءً على جنس ...
- بابا الفاتيكان يعلن خضوعه لعملية جراحية لإزالة عقدة في الرئة ...
- إسرائيل تفرض قيوداً على أطقم -الخطوط الفرنسية- بناءً على جنس ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال الإسر ...
- -لن نكون أمة تحت محمد-.. تصريحات مغنٍ أمريكي في تجمع لترامب ...
- هل ظهر التوحيد مع ظهور الدولة المركزية ولماذا لا ينطبق ذلك ع ...
- بابا الفاتيكان يعلن عن إجراء عملية جراحية لإزالة ورم رئوي.. ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلال كبده - أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين والوطن