أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - خريف النص: رحلة في وادي الشك.















المزيد.....

خريف النص: رحلة في وادي الشك.


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 13:12
المحور: الادب والفن
    


لوحة المشهد: "صالون العدم الرمادي"
خلف حدود الزمان، وفي فضاء سرمدي تتلاشى فيه الألوان، يرتفع مسرح مغطى بضباب كثيف. في المنتصف طاولة خشبية عتيقة متهالكة، تناثرت عليها أوراق مصفرة ومحبرة جافة.
يقف عبد الله القصيمي بملامحه الحادة، يرتدي معطفاً أسود يرمز لتمجرده العاصف، وعيناه تشتعلان ببريق الشك. وفي المقابل، يجلس عبد الله مطلق القحطاني بوقاره المعهود، ممسكاً بمخطوطة قديمة، ملامحه هادئة لكنها تحمل أسى القرون وثقل البحث في طيات التاريخ.
الفصل الأول: طرقات على بوابة الذاكرة
(تبدأ الموسيقى بصوت دقات ساعة حائط ضخمة، يتردد صداها في الفراغ بشكل رتيب ومقلق. يتحرك القصيمي بخطوات سريعة متوترة، يضرب الطاولة بيده)
القصيمي (بصوت متهدج وصاخب): "ما فائدة الذاكرة يا عبد الله؟ إنها المستنقع الذي نغرق فيه كلما أردنا الطيران! البشر يقدسون أغلالهم، ويكتبون تاريخهم بدموع الضعفاء ليمجدوا الطغاة. إن هذا المجد الإنساني الذي نتحدث عنه، والذي تملأ به مجلداتك، ليس إلا مسيرة طويلة من الخنوع. كم هو مهين أن يكون الإنسان أثمن ما يملك هو أوهامه! إن التاريخ كذبة كبرى تواطأ الجميع على تصديقها لحماية عجزهم."
(ينظر إليه القحطاني بهدوء، يغلق المخطوطة ببطء، ويقف ليتأمل الضباب)
عبد الله مطلق القحطاني (بصوت عميق ورصين): "أبا محمد، أنت ترى التاريخ سوطاً، وأنا أراه مرآة. الإنسان كائن ضعيف، يخاف من عري الحاضر فيلجأ إلى دثار الماضي. التمرد الذي تحمله في قلبك ليس سوى ابناً شرعياً لهذا التاريخ الذي تلعنه. نحن لا نهرب من الماضي، نحن نبحث فيه عن تفسير لانكسارنا الحالي، وعن جذور العلة."
الفصل الثاني: صراع الشك والتوثيق
(يقترب القصيمي من القحطاني، تتشابك نظراتهما، ويبدأ في الدوران حوله بحركات مسرحية تعبر عن الحصار الفكري)
القصيمي (يصرخ بمرارة لاذعة): "تفسير؟ هل يحتاج العبث إلى تفسير؟ ألا ترى كيف يتعشق الإنسان القيود؟ إن الإنسان ليتشبث بأغلاله؛ لأنها تشعره بالدفء في عالم بارد وموحش . إنهم يخافون من النور والحرية، ويموتون كمداً إذا هدمت معابدهم الوهمية! لقد كتبتَ عن الأحداث، ونبشت في السير كباحث ومؤرخ، فماذا وجدت؟ هل وجدت إنساناً واحداً جرؤ على أن يكون حراً بلا أسياد؟"
عبد الله مطلق القحطاني (يمد يده ويلتقط ورقة متطايرة، ينظر للقصيمي بعينين تملؤهما الشفقة والمعرفة): "وجدتُ إنساناً يتألم يا قصيمي. الحرية ليست في نفي كل شيء، بل في فهم القيود أولاً. في حركتنا المعرفية، نحن نوثق سعي الإنسان للخروج من عتمة الجهل، حتى وإن تعثر في خطواته. أنت صرخت في وجه الكون لأنك أردت إنساناً كاملاً، ملاكاً مفكراً، فصدمتك بشريتنا الهشة. كبرياؤك الفكري يمنعك من قبول أن الضعف هو جوهر الوجود البشري."
الفصل الثالث: مشهد صامت (تلاحم الحركات المكثفة والجسد المتمرد)
(تسكت الكلمات تماماً، ويتحول الفضاء إلى حلبة تعبيرية صامتة. تتسارع إيقاعات الطبول العنيفة، وتتداخل مع صوت ريح عاصفة في الخلفية)
جسد القصيمي وسيكولوجيا التمرد:
يندفع القصيمي كقذيفة وسط الضباب. يقفز قفزة رأسية عنيفة محاولاً التحرر من الجاذبية، وعند هبوطه يضرب الأرض بقدمه اليمنى ضربة تحدث صدىً مدوياً. تلتف ذراعاه حول رأسه وجسده في حركة انكماش دفاعية، كأنه يصد سياطاً غير مرئية تنهال عليه من السماء. يتقدم خطوات سريعة مائلة، ويتعثر عمداً، ثم يشج الهواء بذراعيه في حركات حادة كأنه يمزق ستائر الوهم الرمادي المحيط به. ينتهي به الأمر بالدوران الحلزوني السريع حول نفسه حتى يترنح، ويسقط على ركبتيه، شاحذاً كفه نحو الأعلى، ثم يقبضهما بقوة كأنه يمسك بالعدم ذاته.
جسد القحطاني وثقل التاريخ المرن:
يتحرك القحطاني ببطء شديد، مشكلاً التوازن البصري المقابل لجنون القصيمي. خطواته هندسية، ثقيلة، ومدروسة كقرون الزمان. يتقدم بظهر مستقيم يحمل انحناءة طفيفة ترمز لثقل الذاكرة. يمد يده اليمنى إلى الأمام، ويدور ببطء في مسار دائري واسع يطوق به فوضى القصيمي. تنخفض ذراعاه وترتفعان بحركات موجية انسيابية تحاكي تدفق الزمان وتعاقب الأجيال. ينحني بجسده بالكامل نحو الأرض مستقراً على قدم واحدة، ويمسح بكفه فوق الضباب كأنه يمحو غبار القرون عن وثيقة قديمة، مبرزاً مرونة الباحث الذي ينحني للعاصفة دون أن ينكسر.
الاشتباك الحركي العنيف والتكامل:
يتداخل الجسدان فجأة؛ يثب القصيمي واقفاً ويندفع نحو القحطاني، مستنداً بكفيه على كتفي القحطاني بقوة، محاولاً دفعه للأسفل ليتحرر من عبء التاريخ. يمتص القحطاني الصدمة بمرونة جسدية، وينحني ببطء حاملاً ثقل القصيمي، ثم يرفعه بجذعه إلى الأعلى في حركة رفع درامية. يدور الاثنان معاً دورة مشتركة ملتحمة، تلتف فيها ذراع القصيمي الحادة حول عنق القحطاني، بينما تقبض يد القحطاني على معصم القصيمي كأنه يثبته في الواقع. ينفصلان فجأة بقفزة معاكسة، ليقفا وجهاً لوجه، يتنفسان بعمق، وأيديهما ممدودة تلتقي عند أطراف الأصابع فقط، مشكلين زاوية هندسية متوترة تلخص صراع "الحقيقة الحادة" ضد "الذاكرة الموثقة".
الفصل الرابع: نزيف الوجدان وغربة الوعي
(تتغير الموسيقى تماماً؛ ينطفئ صخب الطبول العنيفة وتنسحب الريح، لتحل محلها معزوفة عود منفردة بالغة الشجن والبطء. تسقط قشرة الكبرياء والتمرد الجسدي عن القصيمي، ويلهث كأن جسده يقطر دماً، وتبدو ملامحه متعبة ومستسلمة لثقل اللحظة الوجدانية)
القصيمي (يهمس بصوت متهدج ومممزق، وعيناه المتعبتان تنظران إلى يديه الارتعاشيتين): "لقد صرخت طويلاً حتى بح صوتي، ونزفت فكر وجسداً.. إن عذابي ليس لأنني أفكّر، بل لأنني أتجسد في مجتمع يرى الفكر خطيئة! يا ليتني كنت حجراً، أو شيئاً لا يشعر ولا يفكر . لقد أردت أن أهدي الإنسان أجنحة، فظن أنني أريد بتر أطرافه. تركوني وحيداً في عتمة الموانئ والغربة، أحمل وعيي كخطيئة لا غفران لها. هل ترى في أوراقك التاريخية نفياً أشد قسوة من نفي العقل وجلده؟"
(يتقدم القحطاني نحو القصيمي بخطوات وئيدة وحانية، واضعاً يده فوق كتف القصيمي التي لا تزال تهتز من أثر الرقصة العنيفة)
عبد الله مطلق القحطاني (بصوت مشحون بالوجد والعمق، ينبثق من سكون الصدمة): "لقد رأيت في رقصتك الآن كل تواريخ القهر البشري يا أبا محمد! عذابك ليس خطيئة، بل هو ضريبة الوعي التي يدفعها الجسد حين يسبق عصره. البحث عن الحقيقة دون تجميل هو انتحار بطيء يعيد صياغة العالم. أنت لم تكن تكره البشر، بل كنت تحبهم لدرجة الجنون، أردت لهم نهاراً خالصاً فاحترقت بنارك وانفجرت حركتك. التاريخ لن ينسى صرختك ولا نزيف جسدك، حتى وإن لم يفهمها معاصروك. ستبقى شاهداً على أن هناك من حاول كسر الطوق. نحن كاتبون في سفر المعاناة البشري، ولكل منا سطر خطّه بدمه ونبضه."
الخاتمة: الاندماج في الأفق اللانهائي
(تخفت الإضاءة المسرحية تدريجياً، ويبدأ الضباب الكثيف في ابتلاع الطاولة والأوراق المتناثرة. يمسك الاثنان بأيدي بعضهما البعض بإحكام، ويلتفتان بكاملهما نحو الأفق المظلم)
القصيمي (مبتسماً ابتسامة غامضة وهادئة): "إذاً، فلتستمر الرقصة الفكرية.. وليبقى السؤال مشرعاً كخنجر."
عبد الله مطلق القحطاني (ينظر للأعلى بوعي ويقين هادئ): "ولتظل الكلمات شاهدة.. بأننا مررنا من هنا، وتألمنا, وسألنا."
(تنطفئ الأنوار تماماً، ويبقى في الفضاء صدى صوت الريح، كأنه يقلب صفحات كتاب لا ينتهي).



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحية ذهنية: برزخ السطور المتمردة
- تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والف ...
- البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكي ...
- سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند
- سيناريو مسرحي قصير: إعراب العبث
- حفريات اللاهوت مقابل صدمة الشاشة: دراسة مقارنة بين عبدالله م ...
- اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضا ...
- أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين و ...
- -زلزال يوليو الكوني: سقوط الباستيل الحجري وتفكيك المقاصل الم ...
- سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة
- أفيون الشعوب البديل: -المتأسلمون- وفصام الكأس المستديرة


المزيد.....




- لاتفيا تقرّ حظر بث بعض أغاني المؤلف الموسيقي اللاتفي رايموند ...
- برلماني أوروبي ينتقد دور المفوضية الأوروبية في الثقافة بعد س ...
- حسام جنيد يعتذر للشعب السوري: -غلطت.. والاعتراف بالذنب فضيلة ...
- من معرة صيدنايا إلى قرية السودا.. -خارج التغطية- ينسج حكاية ...
- الموسيقى العراقية تودع -فاروق هلال- بعد مسيرة فنية حافلة
- لوحة تذكارية للنحات الروسي ستيبان إرزيا في الأرجنتين تكريما ...
- المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ ...
- الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
- مصطفى الخاني يجتمع برونالدو ولويس فيغو خلال افتتاح -متحف الأ ...
- من -التخبط- إلى النضج الفني.. هكذا مشى المخرج كريم الشناوي خ ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - خريف النص: رحلة في وادي الشك.