أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طلال كبده - تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والفيلسوف القصيمي















المزيد.....

تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والفيلسوف القصيمي


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 12:19
المحور: قضايا ثقافية
    


المتحاوران:
عبد الله مطلق القحطاني: مؤرخ ومحاور عبقري، رصين، يرتدي الزي السعودي الرسمي الفاخر (البشت والشمغ)، يمتلك نظرة فاحصة وثقة معرفية مستمدة من وعيه بالتاريخ وبنية الفكر.
عبد الله القصيمي: شيخ كبير السن، بملامح حادة ومنهكة، يرتدي ثوباً بسيطاً وغترة بيضاء دون عقال، تتنازعه في كلامه نبرة التحدي الممزوجة بمرارة الخيبات، تتطاير من عينيه شرارات الغضب الثوري والعدمية.
المكان: مكتبة تاريخية دافئة الإضاءة، تحيط بها رفوف الخشب الداكن المليئة بالمخطوطات والمجلدات القديمة. على الطاولة الفاخرة تتناثر أوراق كُتب عليها "أسئلة استراتيجية"، وبضعة كتب قديمة للقصيمي.
المشهد الأول: حصار الطوق الوجودي
(تبدأ الكاميرا بلقطة متوسطة للقحطاني وهو يضع ورقة الأسئلة بهدوء على الطاولة، ينظر مباشرة إلى عينَي القصيمي الذي يشبك أصابعه ببعضها مرتكزاً على كتاب مفتوح)
القحطاني (بصوت هادئ، واثق، وعميق):
أبا محمد... عشتَ حياتك وأنت تحثُّ العقل العربي على كسر الأغلال، وتدعو الإنسان إلى التحرر من الأوهام الميتافيزيقية والموروثة لكي يرى الكون بعين الحقيقة العقلانية. لكنني كمؤرخ يقرأ المآلات، أراك في كتبك المتأخرة، وتحديداً في "يكذبون لكي يروا الإله جميلاً"، تنتهي إلى تشاؤم راديكالي أسود؛ ترى الوجود مأساة عبثية لا قيمة لها، وتصف الإنسان بأنه كائن واهم وعاجز ومسحوق!
وهنا أسألك بعبقرية السؤال: كيف تطلب من هذا العقل أن يثور ويتحرر، ثم تسلبه مسبقاً القيمة الوجودية لهذا التحرر؟ ألا يبدو خطابك كمن يكسر قيد السجين ليلقيه في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا أفق؟
القصيمي (يحرك يده بحدة، وتتحشرج في صوته نبرة غاضبة):
أنت تريد وعوداً وردية يا قحطاني! التاريخ لا يوزع الحلوى على الثائرين! نعم، الإنسان كائن موهوم، والوجود عبثي مأساوي، ولكن العظمة تكمن في أن نملك شجاعة البصق في وجه هذا العبث! الحرية ليست مكافأة، الحرية هي أن تعرف الحقيقة العارية للكون حتى لو كانت مريرة ومظلمة. الأوهام هي المخدر الذي جعل هذا العقل العربي ظاهرة صوتية مستكينة! أنا أحرره من الوهم ليواجه حقيقته، لا لكي أعده بجنة أرضية بديلة!
القحطاني (يبتسم ابتسامة خفيفة، ويميل بجسده إلى الأمام):
ولكنك بهذا المنطق تقود العقل إلى الانتحار المعرفي، لا إلى النهضة! النهضة تحتاج إلى "دافعية عمل"، والعدمية السوداء تقتل العمل في مهده. حين تُعلم الإنسان أن كل سعي هو عبث، فأنت تعيد إنتاج "الجبرية القديمة" ولكن بثوب إلحادي وعدمي جديد. هل هدمت صنم القناعة التراثية لتبني صنم العدمية اليائسة؟
المشهد الثاني: محاكمة الأسلوب وتعرية السيكولوجية
(تنتقل الكاميرا إلى لقطة قريبة لوجه القصيمي وعلامات الانزعاج تظهر على تقاسيم وجهه، بينما يمسك القحطاني بقلم ذهبي يشير به بلطف)
القحطاني (بنبرة تحليلية صارمة):
دعنا نتحدث عن أدواتك يا أبا محمد. أنت تزعم المعاصرة والانفتاح على الحداثة الغربية والتحرر الكامل من قيود الماضي. لكنني، كمؤرخ يفكك الأنساق، عندما أقرأ نصوصك النثرية، لا أجد ملامح المنهج الفلسفي الغربي الصارم أو التفكيكية المعاصرة. أنا أسمع صدى السجع، والترادف الجزيل، والتكرار اللفظي، والنبرة الخطابية العنيفة والإقصائية.
هذا ليس أسلوب الحداثة؛ هذا هو الصدى النفسي المباشر للخطابة السلفية النجدية الصارمة التي نشأتَ وتلقيت تعليمك فيها في صباك! أنت لم تتغير عمقاً، بل غيّرت خنادق العقيدة فقط. ظللتَ الخطيب الذي يمارس التكفير المعرفي والاجتماعي ضد أمتك، وبنفس الأدوات التراثية واللغوية التي تزعم الثورة عليها. أليس كذلك؟
القصيمي (يضرب الطاولة بكفه خفيفة، وتتسع عيناه بحدة):
اللغة هي لغتي، والبيئة هي بيئتي، ولا أحد يستطيع الاغتسال من جلده بالكامل! لكن الفارق في "المضمون" يا قحطاني، لا في القالب البلاغي! نعم، أسلوبي هجومي وصادم ومسجوع، لأن الزلزال يحتاج إلى دوي! العقل العربي غارق في سبات عميق، ولا توقظه الهمسات الفلسفية الباردة. كان لا بد من استخدام أدوات البلاغة التي يفهمها هذا الوعي لكي أضربه في مقتل. التكفير الذي تسميه معرفياً هو تشخيص طبي لموت الوعي، وليس إقصاءً مجرداً!
القحطاني (يقاطعه بهدوء وثقة عالية):
بل هو انقلاب نفسي حاد يا أبا محمد. السيكولوجيا التاريخية تخبرنا أن التحول من النقيض إلى النقيض (من التشدد للمنظومة إلى التشدد ضدها) يورث نرجسية فكرية عنيفة تحاول الانتقام من الماضي الشخصي. أسلوبك الصادم لم يكن خياراً منهجياً لإنقاذ الأمة، بل كان تنفيساً عن أزمة ذاتية مع نشأتك الأولى. ولذلك جاء نقدك "ظاهرة صوتية معاكسة"؛ ضجيج بلا مشروع.
المشهد الثالث: معضلة البديل وإفلاس التمرد
(تتسع اللقطة لتجمع الاثنين؛ القصيمي ينظر إلى كتاب له مستلقٍ على الطاولة، والقحطاني يرفع يده مشيراً إلى خريطة العالم المعلقة خلفهما)
القحطاني (بلهجة تملأها الحجة):
وهذا يقودنا إلى المحور الأهم: أزمة المرجعية البديلة. لقد قضيت أكثر من نصف قرن في هدم البناء القديم. حطمت كل شيء: الدين، الاجتماع، التاريخ، الموروث. حسناً، فعلت كل هذا؛ فماذا بنيت؟
عندما نبحث في نتاجك الطويل عن "مشروع نهضوي حقيقي"، عن بديل حضاري ومؤسسي ملموس يقود هذه الأمة خارج أزمتها، لا نجد شيئاً سوى "بكائيات أدبية وتأوهات نثرية". ألا يمثل هذا الهروب المستمر من تقديم البديل المنهجي، إعلاناً مبكراً عن إفلاس الفكر التمردي وعجزه عن تجاوز مرحلة الصراخ؟ هل تحول القصيمي من مفكر إلى مجرد محتج؟
القصيمي (يهز رأسه بمرارة، ويخفت صوته قليلاً متحولاً إلى سوداوية فلسفية):
البناء ليس مهمة الفيلسوف يا قحطاني... مهمة الفيلسوف هي إشعال الحريق في العقول الواهمة، وعلى الآخرين أن يبنوا على الرماد! كيف تبني بيتاً جديداً فوق أرض مليئة بالأنقاض والمقابر الفكرية؟ تنظيف الأرض هو العمل الحقيقي الشاق. أنا لم أهرب من البديل، بل أرى أن الوعي بالحقيقة هو البديل بحد ذاته. عندما يدرك الإنسان أنه بلا أوهام، سيبدأ بالاعتماد على عقله وصناعة مصيره بنفسه، دون حاجة إلى وصاية كتاب جديد أو مذهب جديد.
القحطاني (ينهي الحوار بكلمات قاطعة كأنها حكم تاريخي):
ولكنك لم تترك لهم رماداً صالحاً للبناء يا أبا محمد؛ لقد سممت التربة باليأس الكلي. التاريخ لا يرحم من يكتفي بالهدم؛ فالحضارات لا تقوم على الصراخ والعدمية، بل على الأمل الملتزم والعمل المنظم. لقد حاصرك شكك وعقلك، وبدلاً من أن تقود الأمة إلى النهضة، تركتها مشتتة بين سياج الماضي الذي حطمته، وجحيم التيه الذي فتحت أبوابه ولم تملك مفتاح إغلاقه.
(يصمت القصيمي، وينظر إلى الأوراق على الطاولة بنظرة تملأها الحيرة والإنهاك، بينما يغلق القحطاني دفتر ملاحظاته بهدوء، وتنتهي اللقطة بتركيز الضوء على وجه المحاور العبقري وعلامات الانتصار المعرفي بادية عليه).
المشهد الرابع: مغالطة التنوير المستورد وضريبة الجغرافيا

(تبدأ اللقطة بتركيز الكاميرا على القحطاني وهو يقلب صفحات كتاب "العرب ظاهرة صوتية" بعناية، ثم يرفعه أمام القصيمي الذي يتكئ بمرفقيه على الطاولة بنوع من الترقب والعناد)
القحطاني (بصوت يجمع بين التمحيص والمواجهة العميقة):
أبا محمد... في جلّ كتاباتك التي تلت تحولك، كنتَ تقدم "النموذج الغربي المعاصر" بوصفه الواحة المعرفية والحضارية التي يجب على الشرق محاكاتها للنجاة. كنتَ تمدح المنجز المادي والعلمي الغربي بأسلوب يكاد يقترب من التقديس البديل.
ولكن، بصفتي مؤرخاً يقرأ حركة الأمام والخلف للثقافات، أراك سقطت في "العمى الجغرافي والسياسي"؛ لقد غيبتَ تماماً الوجه الاستعماري الإمبريالي الشرس لهذا الغرب! غيبتَ كيف أن هذه العقلانية والمنجزات المادية التي تتغنى بها، قد داس بها الغرب على كرامة شعوب الشرق، واستنزف مقدراتهم، ومارس ضدهم أبشع أنواع الإبادة الثقافية والمادية. كيف يستقيم في ميزانك المعرفي العبقري أن تدعو أمتك لاعتناق نموذج يراها هي بالأساس مجرد وقود لآلته الرأسمالية؟ أليس هذا استلاباً فكرياً كاملاً؟
القصيمي (يزفر بضيق، ويشير بسبيله في الهواء متحدثاً بنبرة دفاعية مستفزة):
أنت تخلط بين السياسة وحركة التاريخ الحضارية يا قحطاني! الاستعمار نزعة قوة بشرية مكررة عبر العصور، فعلها المسلمون والفرس والرومان واليونان من قبل! ما يهمنا هو "المنهج الفكري"؛ الغرب انتصر لأنه آمن بالعلم، بالواقع، بالتجريب، وحطّم سلطة الغيب والميتافيزيقيا. أنا لا أدعو لتقديس الساسة الغربيين أو دباباتهم، بل أدعو لامتلاك أدوات القوة التي امتلكوها! الضعيف لا بواكي له في هذا الكون العبثي الصارم. إن البقاء للأقوى والأكثر عقلاً، وأمتنا بقيت خارج التاريخ لأنها اختارت أن تعيش في المقابر والكلمات!
القحطاني (يرد فوراً بنبرة هادئة وقاطعة تفكك الطرح):
هذا تفكيك مجتزأ يا أبا محمد. المنهج الفكري الغربي لا يمكن فصله عن سياقه الأخلافي والسياسي؛ فالغلو في العقلانية المادية المجردة من الأخلاق هو الذي أنتج القنبلة الذرية، والحروب العالمية، واستعباد الشعوب. أنت هربت من "إقصائية الموروث الشركي أو الديني" كما تسميه، لترمى الإنسان في "إقصائية مادية غربية" لا ترى فيه سوى ترساً في آلة. التنوير الحقيقي هو الذي يحرر الإنسان دون أن يجرده من إنسانيته وأخلاقه، وما قدمته أنت هو تبادل لجهات الأسر ليس إلا!
المشهد الخامس: مأزق النبوءة ومحاكمة التناقض المعرفي
(تنتقل الكاميرا إلى لقطة واسعة، يظهر فيها القحطاني وهو يقف ويسير بخطوات رصينة حول الطاولة، بينما يبقى القصيمي ثابتاً في مقعده، ملامحه تبدو أكثر إنهاكاً بفعل الحصار الفكري المتواصل)
القحطاني (يلتفت نحو القصيمي ويلقي سؤاله كقذيفة معرفية):
أبا محمد، في بداياتك ألفت كتاباً ضخماً ملأ الدنيا وضجت به المحافل وهو "الصراع بين الإسلام والوثنية"، ودافعت فيه عن التوحيد والسلفية بأقوى ما تملك لغة العرب من حجج وبلاغة، حتى قيل إنك جاهدت بالبيان ما لم يجاهده غيرك بالسنان. ثم انقلبت بالكامل لتؤلف "يكذبون لكي يروا الإله جميلاً".
بمنطق الفلسفة والتاريخ: إذا كنتَ في مرحلتك الأولى تمتلك كل تلك العبقرية والحجة لإثبات الحق التراثي، ثم استخدمت نفس العبقرية لإثبات نقيضه تماماً... ألا يعني هذا أن "العقل الحُر" الذي تتغنى به ليس مرجعاً موضوعياً مطلقاً، بل هو مجرد أداة طيعة تُوجّهها الأمزجة النفسية والتحولات الشخصية؟ كيف نثق بنبوءاتك الفكرية الأخيرة، ونحن نعلم أنك قد تنقلب عليها غداً بنبؤات أخرى، طالما أن عقلك يدور في فلك الانفعال الذاتي لا الحقيقة الموضوعية؟
القصيمي (ينظر إلى يديه المرتعشتين، ثم يرفع رأسه بنظرة يمتزج فيها التحدي بالانكسار):
هذا هو دليل صدقي وعظمتي يا قحطاني، لا دليل إفلاسي! الأحجار وحدها هي التي لا تتغير. العقل الحي هو العقل الذي يملك الشجاعة ليحطم أصنامه التي بناها بيده إذا تبين له زيفها! نعم، دافعتُ عن السلفية لأنني كنتُ أراها الحقيقة من داخل أسوارها، وعندما خرجتُ إلى فضاء الكون ورأيت اتساع الوجود وضيق تلك الأسوار، هدمت ما بنيت. التحول هو علامة الحياة، والثبات في فضاء الجهل هو الموت الحقيقي. أنا لا أطلب منكم أن تثقوا بي، بل أطلب منكم أن تملكوا شجاعتي في الشك وإعادة النظر في كل شيء!
القحطاني (يقف أمام القصيمي مباشرة، ويضع يده على حافة الطاولة، حاسماً الحوار):
شتان بين "الشك المنهجي البنّاء" الذي يبحث عن تقويم المسار وبناء المعرفة، وبين "الانقلاب السيكولوجي الثأري". المفكر الحقيقي عندما يكتشف خطأ مساره الأول، ينتقل إلى مسار ثانٍ يقدم حلولاً وبدائل ناضجة، أما أنت فقد تحولت إلى هدم ذاتك وهدم أمتك في آن واحد. لقد جعلت من عقلك وسيلة للانتقام النفسي من بيئتك الأولى، فغابت الموضوعية، وصرت تبحث في كتبك المتأخرة عن الانتصار لذاتك المتمردة، وليس عن انتشال الإنسان العربي من أزمته. لهذا، سيموت التمرد ويبقى التاريخ شاهداً على أنك أثرت غباراً كثيراً، لكنك لم تزرع أرضاً ولم تبنِ سقفاً.
(تأخذ الكاميرا لقطة علوية بطيئة للغرفة، حيث يخيّم الصمت المطلق. القصيمي يطأطئ رأسه عاجزاً عن الرد، متأملاً في عمق الكلمات، بينما يعود القحطاني إلى مقعده بكل هيبة ووقار، معلناً بملامحه الواثقة نهاية المحاكمة المعرفية الكبرى لظاهرة التمرد).


المشهد السادس والختامي: غسق الوجوم وحُكم التاريخ
(تخفت إضاءة المكتبة الدافئة قليلاً لتصبح أكثر شاعرية، ويمتد ظل طويل للقحطاني على الجدار الخلفي المليء بالكتب، بينما يسلط الضوء المركز (Spotlight) على الطاولة التي تفصل بين المفكر والمؤرخ. يظهر التعب والإنهاك المعرفي بشكل جلي على ملامح القصيمي، في حين يحتفظ القحطاني بكامل هيبته وهدوئه ورصانته)
القحطاني (بصوت منخفض، عميق، يحمل نبرة الواعظ التاريخي والناقد الحصيف):
أبا محمد... ها نحن نصل إلى غسق الحوار، والوقت كالتاريخ لا ينتظر الواقفين في مناطق الحيرة والرماد. لقد تشظت حياتك بين عواصم شتى، ومغتربات فكرية وجغرافية لا حصر لها، ورحلتَ عن عالمنا تاركاً وراءك حبراً يسيل بالتمرد والوجع .
سؤالي الختامي لك، ليس سؤالاً للمحاججة، بل هو سؤال لمواجهة النفس في لحظة الصدق الأخيرة: لو عاد بك قطار العمر إلى محطته الأولى، إلى "خب الحلوة" في القصيم، وأتيحت لك الفرصة لتقرأ نتاجك المتأخر بعين الشيخ الخبير الذي جرّب الغربة والعدمية والوحدة... هل كنتَ ستختار نفس الطريق؟ هل وجد عبد الله القصيمي في نهاية جحيم النثر الطمأنينة التي افتقدها في واحة الإيمان، أم أنك عشتَ وتمتَّ وأنت تردد "الطلاسم" ذاتها التي هربتَ منها عند إيليا أبو ماضي؟
القصيمي (يصمت لبرهة طويلة، ينظر إلى الفراغ وتتحرك شفتاه دون صوت في البداية، ثم يتنهد بحسرة تخرج من أعماق عقله المتعب):
يا قحطاني... السؤال المتأخر هو عقوبة التاريخ للعقول القلقة! الطمأنينة؟ الطمأنينة هي مكافأة البلهاء والمستسلمين، وأنا لم أكن يوماً بليداً لكي أطمئن! نعم، عشتُ في الجحيم، ونمتُ على الشوك، ومتُّ وحيداً غريباً حتى عن كتبي. لكنني عشتُ حراً! ربما لم أترك خلفي قصراً، ولا مشروعاً سياسياً، ولا حلاً سحرياً للأمة... ولكنني تركتُ جرحاً مفتوحاً في جسد الوعي العربي الراكد، والجروح المفتوحة هي التي تمنع الجسد من التعفن بالنوم! لو عاد بي العمر، لربما صرختُ بنبرة أقل حِدة، ولكنني كنتُ سأصرخ بالتأكيد.
القحطاني (ينظر إليه بنظرة تجمع بين الحسم المعرفي والوقار الإنساني، ثم يغلق المجلد الكبير الذي أمامه بضربة خفيفة تُحدث صدى في أرجاء المكان):
لكنك نسيت يا أبا محمد، أن الجرح إذا تُرك مفتوحاً بلا دواء ولا تضميد، فإنه يؤدي إلى الموت والنزيف، لا إلى الشفاء والنهوض! لقد قمتَ بالتشريح ورفضتَ المداواة، ونقدك لم يورث الأجيال بعدك إلا التيه والإنكار والضياع المعرفي.
إن حُكم التاريخ الذي لا يرحم، قد كُتب وانتهى؛ لقد دخلتَ التاريخ ليس كمصلح أو باني حضارة، بل كشاهدٍ على "أزمة المثقف العربي المأزوم" الذي تحول قلقه الذاتي إلى معول هدمٍ شامل. طويتَ صفحتك، وبقيت أمتنا تبحث عن عقول تبني بالإيمان والعمل، لا عقول تحرق بالشك والعدمية.
(ينهض القحطاني بكل وقار، ويصلح من وضع بشته الفاخر، ثم يلتفت مغادراً الغرفة بخطوات ثابتة وواثقة، بينما تبتعد الكاميرا تدريجياً بلحظة علوية (Crane Shot)، يظهر فيها القصيمي وحيداً في وسط الغرفة المظلمة، يداه على الطاولة، ورأسه مطأطأ نحو الأرض، والضوء يخفت عليه حتى يتلاشى تماماً، ليبقى صوت خطوات المؤاخ العبقري القحطاني يتردد في أرجاء الصمت الختامي)
(تظهر شاشة سوداء مكتوب عليها بالخط الذهبي الرصين: "التاريخ يبنيه من يزرع الأمل، لا من يقدس العدم.. بقلم: عبد الله مطلق القحطاني")



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكي ...
- سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند
- سيناريو مسرحي قصير: إعراب العبث
- حفريات اللاهوت مقابل صدمة الشاشة: دراسة مقارنة بين عبدالله م ...
- اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضا ...
- أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين و ...
- -زلزال يوليو الكوني: سقوط الباستيل الحجري وتفكيك المقاصل الم ...
- سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة
- أفيون الشعوب البديل: -المتأسلمون- وفصام الكأس المستديرة


المزيد.....




- خبيرة موضة تكشف لـCNN كيف استعارت نعومي كامبل منها فستانًا خ ...
- الجيش الإيراني يكشف تفاصيل هجماته على 3 قواعد أمريكية بالكوي ...
- سوريا.. الجيش الاسرائيلي يستهدف بالرشاشات الثقيلة أراضي المو ...
- تصعيد مستمر.. واشنطن تواصل ضرب إيران وإسرائيل تكثّف خروقاتها ...
- من صناعة كانت مفخرة سوريا إلى البحث عن بداية جديدة.. هل يستع ...
- الشرطة الإسبانية تجلي السكان مع اقتراب حريق غابات من منازل ق ...
- مجلس النواب الأمريكي يقر 95 مليار دولار للحرب.. قاذفات -بي-1 ...
- -العجلة لم تنفجر-.. فيديو سيارة -تريلا- يثير جدلا في مصر.. ف ...
- وزير المالية اللبناني يشيد بضبط جمارك بيروت 3.5 طن من المخدر ...
- روبيو: إيران ليست مستعدة لإبرام صفقة معنا في الوقت الحالي وس ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طلال كبده - تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والفيلسوف القصيمي