طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 16:48
المحور:
الادب والفن
بطاقة التعريف بالشخصيات:
عبد الله مطلق القحطاني: كاتب ومثقف في العقد الخامس من عمره، يرتدي زياً أنيقاً وعصرياً، يجمع في ملامحه بين هدوء المفكر ومرارة الساخر.
سيبويه (أبو بشر): إمام النحاة، قادم من القرن الثاني الهجري. يرتدي عمامة واسعة وجبة عربية تقليدية قديمة تبدو عليها آثار السفر عبر الزمن. يحمل تحت ذراعه مخطوطاً ضخماً ("الكتاب").
صاحب المرسيدس (أبو فلان): رجل أعمال أربعيني، يرتدي ثوباً فاخراً وساعة مذهبة، يمسك بهاتفين ذكيين، ويتحدث بنبرة متعالية لا تخلو من الفجاجة.
البروفيسور: رجل مسن، يرتدي نظارة طبية سميكة وبدلة قديمة مهترئة الأطراف، يجلس في ركن منعزل يصحح أوراقاً جامعية.
المشهد الأول: اختراق الزمن
[المكان]: مقهى "ستاربكس" في شارع تجاري صاخب بوسط العاصمة. زجاج واجهي ضخم يكشف السيارات الفارهة بالخارج. إضاءة خافتة، موسيقى جاز خفيفة، وصوت رغوة آلات القهوة الحديثة.
[الزمن]: العصر الحالي.
(يبدأ المشهد بـ "عبد الله" وهو يجلس على طاولة خشبية صغيرة، يرتشف من كوب قهوة أمريكية، يطالع شاشة حاسوبه المحمول بتركيز ويسجل بعض الملاحظات)
(فجأة، يُفتح الباب الزجاجي الآلي للمقهى بإلكترونياته المعتادة. يدخل "سيبويه" بخطوات متعثرة، يتلفت يميناً ويساراً بذعر. ينظر إلى السقف المعلق وإلى الإضاءات النيون، ثم يتراجع للخلف حين تصدر آلة الإسبريسو صوتاً حاداً كزفير البخار)
سيبويه (يهمس بفزع وهو يضم مخطوطه إلى صدره): معاذ الله! أهذا وادي الجن؟ أم هي قماقم النحاس الأخّاذة؟ ما هذه الريح التي تفوح برائحة البُن المحروق والوجوه المتشابهة؟
(يلمحه "عبد الله" من طاولته، يتعرف على هيئته التاريخية وعمامته، يبتسم بتهكم ممزوج بالدهشة، ويشير إليه بيده نادياً إياه)
عبد الله (بصوت مسموع ومطمئن): يا أبا بشر! أبا بشر عمرو بن عثمان! هلمّ إليّ.. تعال اجلس هنا قبل أن يتصل موظفو المقهى بالأمن العام بتهمة اختراق الحظر الزمني!
سيبويه (يلتفت نحو الصوت، يمشي بخطى حذرة وعيناه على الأرضية الرخامية اللامعة حتى يصل إلى طاولة عبد الله): السلام على من اتبع الهدى وعرف حق الضاد. أأنت عبد الله بن مطلق؟ بَلَغَني نداءك الفكري في مرقدي فجئت مستكشفاً.
عبد الله (يسحب له كرسياً): وعليك السلام والرحمة يا إمام النحاة. اجلس وأرح ركبتيك من وعثاء السفر عبر القرون. (ينظر إلى الكوب) هل تشرب "لاتيه" أم تفضل شيئاً "مُقطّراً" كأفكارنا؟
سيبويه (يجلس على طرف الكرسي بتوجس، يضع مخطوطه الضخم على الطاولة بحرص): لا حاجة لي بأشربتكم المعقدة. أخبرني يا بني، جئت لأرى أمة الضاد وهي ترفع راية "الكتاب"، وتعتد بالفاعل في مجالسها، فما لي أرى الناس واجمين، ينظرون في ألواح زجاجية صغيرة (يشير إلى الهواتف) ولا يتحدثون؟
عبد الله (يتنهد بمرارة): هذه الألواح يا سيبويه هي التي تُدير العالم اليوم. أما عن الفاعل والمفعول... فقد جئت في العصر الذي جُرّت فيه المبادئ، ونُصبت فيه الفخاخ، ورُفِع فيه من لا يستحق الرفع!
المشهد الثاني: صدمة القواعد الحديثة
(يقطع حديثهما صوت صرير إطارات عنيف بالخارج. من خلف الزجاج الضخم، تقف سيارة "مرسيدس" سوداء فارهة وحديثة جداً تبرق نجمتها الثلاثية تحت أشعة الشمس)
(يُفتح باب السيارة، وينزل منها "صاحب المرسيدس" يرتدي نظارة شمسية سوداء، يمسك مفاتيح السيارة بيده لتهتز النجمة الذهبية في سلسلة المفاتيح. يدخل المقهى بعجرفة وخطوات واسعة)
سيبويه (ينظر عبر الزجاج مبهوراً ومستنكراً): ما هذه الدابة الحديدية العظيمة؟ ومن هذا الذي يمشي متبختراً كأنه كسرى في إيوانه؟ أهو والي المدينة أم قاضي القضاة؟
عبد الله (يضحك بسخرية لاذعة): لا هذا ولا ذاك. هذا يُدعى "أبو فلان"، فاعل مرفوع في بورصة العقار، ومنصوب فوق عروش الوجاهة الاجتماعية. انصت إليه جيداً، فهو على وشك أن يلقي خطبته العصماء.
(يتقدم "صاحب المرسيدس" نحو منصة الطلبات، ويتحدث بصوت مرتفع عبر هاتفه مجرياً مكالمة عمل وهو يتأفف في وجه المحاسب)
صاحب المرسيدس (بصوت جهوري ولحن لغوي فظ): أقول لك يا أبو فهد.. الأراضي هذي منصوبة في مكان ممتاز.. والشركاء المستثمرينَ (بفتح الراء) وافقوا على السعر.. لا تخلّي أحد يضحكُ عليك!
سيبويه (يقف فجأة من صدمته، يمسك أطراف عمامته): يا للهول! وا مصيبتاه! لقد رفع المجرور، وجرّ المنصوب، ولحن لحناً يندى له جبين مضر! ألا يوجد في هذا المصر محتسب يخرجه من مجلس الأحرار؟
عبد الله (يمسكه من رداءه ويجلسه برفق): اهدأ يا أبا بشر، اهدأ واجلس. انظر حولك أولاً.
(يتلفت سيبويه في المقهى، فيرى جميع الزبائن، بما فيهم المحاسب، يهزون رؤوسهم بإعجاب وتملق لصاحب المرسيدس، ويهمس بعضهم: "يا لذكائه الاستثماري! رجل عصامي خطير!")
عبد الله: هل رأيت؟ لم يرمه أحد بالحصى، ولم يقم أحد بتقويم لسانه. في زماننا هذا يا إمامي، النجمة الثلاثية المستقرة على مقدمة تلك السيارة تملك قوة إعرابية خارقة؛ إنها تطهر اللسان من الجهل، وتجعل اللحن حكمة يُصفق لها الحضور!
سيبويه (يفتح مخطوطه بذهول، يقلب الأوراق بيد ترتجف): أين باب الابتداء والخبر؟ كيف يستقيم منطق الوجود إذا سقط منطق الكلام؟
عبد الله: الابتداء اليوم يبدأ من حجم رصيدك البنكي، والخبر هو نوع مركبتك وممتلكاتك. نصيحة من كاتب يعيش هذا العبث يومياً: خذ سِجادتك يا سيبويه، واجمع حروفك، واجلس متأدباً في الصفوف الخلفية خلف صاحب المرسيدس. لا تحاول إعراب جمله، ولا تشرح له الفارق بين "مُذ" و"منذ"، فالمال هنا صك غفران لغوي وفكري شامل.
المشهد الثالث: الوعي المجرور بالفقر
سيبويه (وعيناه تملؤهما الحيرة والألم الإنساني): أيُرفع الجهل بالذهب، ويُجرّ الوعي بالفقر؟ أين ذهب أهل العلم وحملة الفكر في هذا الزمان؟
عبد الله (يشير بسبيله نحو ركن قصي معتم في المقهى): انظر هناك.. في تلك الزاوية الضيقة بجانب سلة المهملات.
(يسلط الضوء على "البروفيسور" الذي يجلس مطأطأ الرأس، أمامه كوب ماء صغير، ويصحح أكواماً من الأوراق الجامعية مستخدماً قلماً أحمر، ويبدو عليه الإعياء)
عبد الله: هذا بروفيسور في اللسانيات المقارنة، يفني عمره بين الكتب والمخطوطات، يملك عقولاً في رأسه، ولكنه جاء إلى هنا ليتلقى "إنترنت" مجانياً لأنه عجز هذا الشهر عن سداد فاتورة منزله! المجتمع يمر من أمامه دون أن يلقي عليه السلام، بينما يتسابقون لالتقاط الصور مع صاحب المرسيدس الذي لا يحفظ بيتاً واحداً من الشعر. العلم بلا مال في سوقنا يا أبا بشر بضاعة كاسدة، يتربّط الناس على كتف صاحبها قائلين "ما شاء الله، عبقري"، ثم يتركونه يبحث عن كفيل لسد رمقه.
سيبويه (ينظر إلى البروفيسور الطاعن في السن، ثم ينظر إلى مخطوطه الضخم "الكتاب" ويضمه إلى صدره بقوة كأنه يحميه من الضياع): يرحم الله أهل العلم.. لقد استُبدلت القواعد وقُلِبت الموازين بالكامل. لم يعد هذا موطناً للحرف، بل مقبرة للوعي.
المشهد الرابع: اعتزال العبث
(يقف سيبويه بحسم، يلم كافه ومخطوطه، ويستعد للرحيل وهو ينظر إلى عبد الله بنظرة وداع حزينة)
عبد الله: إلى أين يا أبا بشر؟ لم تكمل قهوتك، ولم تشهد بعد كيف يكتب الذكاء الاصطناعي مقالات النحو دون صك عقل!
سيبويه (يتراجع نحو الباب الزجاجي بخطى مسرعة وهو يتمتم بصوت متهدج): سأعود إلى برزخي يا عبد الله.. سأعود إلى شيراز حيث الحروف تستقر في مكانها الصحيح وحيث الفاعل فاعلٌ باختياره لا بماله. إعرابكم المعاصر هذا عبثٌ مطلق لا طاقة لي به، ولا أداة شرط عندي تفسر هذا التناقض!
(يندفع سيبويه خارجاً من الباب الزجاجي الذي يفتح تلقائياً ثم يغلق خلفه، ليختفي وسط زحام الشارع الصاخب)
(يبقى "عبد الله" وحيداً على طاولته. ينظر إلى المقعد الفارغ الذي كان يجلس عليه سيبويه، يأخذ رشفة أخيرة من كوب قهوته الساخنة، يبتسم بسخرية سوداء، ثم يعود ليضرب بقوة على أزرار حاسوبه المحمول مستكملاً كتابة مقال جديد)
[إظلام تدريجي]
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟