طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 12:27
المحور:
الادب والفن
شخصيات المسرحية:
عبد الله القصيمي: مفكر وجودي متمرد، حاد الملامح، يرتدي عباءة داكنة، صوته رصين، ونظرته تخترق الأشياء.
شارلي شابلن: الممثل الهزلي الشهير، ببدلته الواسعة، قبعته المستديرة، وعصاه. يتنقل بين الصمت المعبر والحديث الدافئ.
الفصل الأول: هيبة الصمت وصخب الجسد
(المشهد: فضاء رمادي يمثل "اللامكان واللازمان". طاولة خشبية بسيطة عليها فنجان قهوة أسود وكتاب ضخم مغلق. يجلس القصيمي متأملاً بنظرات حادة. يدخل شابلن بمشيته المتأرجحة المعهودة، يدور حول الطاولة، ينظر إلى القصيمي الذي لا يحرك ساكناً. يحاول شابلن لفت انتباهه بحركات إيمائية: يتظاهر بأن القبعة تطير، ثم يمسكها، ثم يحييه بمبالغة بهلوانية. يرفع القصيمي رأسه ببطء دون أن يبتسم).
القصيمي: (بنبرة جافة وصوت عميق)
تتحرك كثيراً يا شارل.. كأنك تحاول الهروب من سكون هذا الوجود البائس. تضحكهم بحركات جسدك، لكن خلف كل ابتسامة تنتزعها، هناك حقيقة مرة يتجاهلها هؤلاء الضاحكون. أنت تبيعهم وهماً جميلاً ينسيهم بؤسهم للحظات.
شابلن: (يتوقف عن الحركة، يستند على عصاه، ويتحدث بنبرة جادة ودافئة)
أنا لا أبيعهم وهماً يا صديقي، أنا أمنحهم مرآة. الحركة هي الحياة. عندما يضحك الناس على "الصعلوك" وهو يتعثر، هم لا يضحكون عليه هو، بل يضحكون على أنفسهم، على ضعفهم أمام قسوة الحياة. أليس الضحك في النهاية هو الصرخة الوحيدة التي لا يعاقب عليها الطغاة؟
القصيمي: (يهز رأسه بأسى)
بل هو المخدر الذي يمنحونه للعبيد لكي ينسوا أغلالهم! الضحك يغسل الألم مؤقتاً، لكنه لا يقتلع جذوره. المشكلة في هذا الإنسان أنه يفضل السير في قطيع مبرمج، يقدس أوهامه، ويخاف من الحرية. لقد كتبتُ كثيراً لأوقظ هذا العقل من سباته، لأقول له إن الكون لا يدور حول رغباته، وإن عليه أن يواجه الحقيقة العارية دون مساحيق.
(يظلم المسرح تدريجياً، باستثناء إضاءة مسلطة على كتاب القصيمي وقبعة شابلن).
الفصل الثاني: تروس الآلة واستلاب الوجود
(المشهد: الإضاءة تتغير لتصبح حادة ومائلة للزرقة، تشبه إضاءة المصانع الحديثة. في الخلفية، يُسمع صوت إيقاعي منتظم ومزعج يشبه حركة التروس الضخمة "تيك، تاك، تيك، تاك". يجلس شابلن على الكرسي المقابل للقصيمي، ممسكاً بمفتاح ربط حديدي ضخم كان يخبئه خلف ظهره، ينظر إليه بآلية ثم يعود لطبيعته).
شابلن: (ينظر إلى مفتاح الربط بأسى)
أتعلم يا عبد الله؟ عندما صنعتُ فيلم "الأزمنة الحديثة"، لم أكن أحاول إضحاك الناس على ذلك الصعلوك الذي ابتلعته التروس الضخمة. كنت أصرخ نيابة عن إنسان هذا العصر. لقد تحول البشر إلى قطع غيار في ماكينات عملاقة يملكها جشع لا يشبع. الإنسان لم يعد سيد الآلة، بل أصبح خادمها الذليل!
القصيمي: (يتكئ إلى الخلف، وتلمع عيناه ببريق حاد)
هذا هو المأزق الوجودي الأكبر يا شارل. الآلة لم تستلب عرق الإنسان وفقط، بل استلبت عقله ووعيه. في الماضي، كان الإنسان يصنع الصنم بيده ثم يسجد له. اليوم، يصنع الآلة لتقوم بجلده، فيقدسها! "الحضارة الحديثة" التي يتغنون بها هي مستشفى مجانين كبير، حيث يُقاس شرف الإنسان بمدى طاعته للحديد والصلب.
شابلن: (يقف فجأة، ويبدأ بتقليد حركته الشهيرة في الفيلم: يدّعي أن يديه تشنجتا وأانهما لا تستطيعان التوقف عن حركات ربط البراغي في الهواء، يتحرك يميناً ويساراً كآلة مبرمجة، ثم يتوقف ولهث)
نعم! لقد جسّدتُ ذلك حرفياً. الصعلوك في الفيلم استمر في ربط الأزرار والبراغي حتى على أنوف البشر! الآلة تفرض إيقاعها المجنون على الجسد البشري حتى ينسى كيف يسترخي، وكيف يحب. لقد حولوا المجتمع إلى خط إنتاج كبير، من يعجز عن مواكبة سرعته، يُلقى به في سلة المهملات كنفايات بشرية.
القصيمي: (يضرب الطاولة بكفه، وينطق بقوة)
لأن العقل البشري عقل قطيعي بطبعه، يخاف من مواجهة نفسه! لقد هرب الإنسان من عبادة الغيب ليقع في عبادة "الإنتاج". أصبح يظن أنه إذا توقف عن العمل اللحظي سيفقد مبرر وجوده. الإنسان الحديث يملك أدوات جبارة، لكنه يملك روحاً قزمة ونفساً مستعبَدة. إنه يطير إلى الفضاء بوعي رجل الكهف!
شابلن: (يجلس ويسند ذقنه على عصاه، ويبتسم بمرارة)
أتذكر مشهد "آلة الإطعام الأوتوماتيكية" التي جربوها على الصعلوك لكي لا يضيع وقت الغداء في المصنع! كانت الآلة تصفعه على وجهه بالشوربة الساخنة وتجبره على البلع. هذا هو جوهر التكنولوجيا الحديثة حين تُنزع منها الإنسانية: إطعام قسري، وتدجين البشري، كل ذلك تحت شعار "الكفاءة والتطور".
القصيمي: (ينظر إلى شابلن بنظرة إعجاب فلسفي)
لقد اختصرت بفيلمك الصامت مجلدات من الفلسفة. الآلة تعد بالرفاهية لكنها تقدم العبودية في غلاف أنيق. الأخطر ليس أن الآلة تفكر كالإنسان، بل الأخطر أن الإنسان أصبح يفكر كالآلة: يبحث عن المنفعة المادية السريعة، ويتخلص من المشاعر والأفكار الحرّة لأنها "غير منتجة" في سوق العصر.
شابلن: (يهز رأسه، ويلتفت نحو الجمهور كأنه يخاطب المستقبل)
ولهذا السبب تحديداً، سينجو "الصعلوك". في نهاية الفيلم، يمسك بيد الفتاة المشردة، ويسيران معاً في طريق ترابي مهجور، بعيداً عن المصانع. لا يملكان فلساً واحداً، لكنهما يملكان الأمل والابتسامة. الابتسامة هي العطل الفني الوحيد الذي لا تستطيع الآلة إصلاحه أو برمجة وجه الإنسان عليه!
القصيمي: (ينزل رأسه قليلاً، ويحل مكانه شجن عميق)
الابتسامة هي احتجاجك الصامت على هذا الجنون. لكن الطريق ترابي طويل، وحوش الحديد والصلب تتمدد وتبتلع الأرض والمستقبل. ومع ذلك.. يبقى تمرد الصعلوك بابتسامته، وتمرد المفكر بكلمته، هما الدليل الوحيد على أننا لسنا مجرد تروس صماء.
الفصل الثالث: كسر هيبة الطغاة
(المشهد: تتغير الإضاءة إلى اللون الأحمر الخافت، وتسمع في الخلفية أصوات طبول حرب بعيدة وأصوات هتافات جماهيرية غاضبة).
القصيمي: (تنفرج أساريره قليلاً)
هنا أقترب منك يا شارل. كسر الهيبة هو طريقي وملاذي. أنا حاولت كسر هيبة الأساطير والمقدسات الزائفة بالمنطق والكلمة المتمردة التي تزلزل العقول، وأنت كسرت هيبة السياسة والسلطة بسخريتك.
شابلن: (يمشي ببطء وكأنه يلقي خطبته الشهيرة في فيلم الديكتاتور العظيم)
نعم، عندما قدمتُ "الديكتاتور العظيم"، وجعلته يلعب بالكرة الأرضية كبالون ينفجر في وجهه، لم أكن أهرج. كنت أجرّد الطاغية من كبريائه الزائف. عندما يضحك الملايين على شخص كان يظن نفسه إلهاً، يسقط القناع وتنكشف عورته. الكلمة والسخرية هما وجهان لعملة واحدة اسمها "الحرية".
القصيمي: (يتنهد ويبتسم بسخرية مريرة)
ولكن، هل يتغير هذا الكائن حقاً؟ يسقط طاغية ليرفعوا طاغية آخر. يكسرون وثناً ليصنعوا من بقاياه وثناً جديداً. إنه محكوم بالدوران في حلقة مفرغة من العبودية الاختيارية، لأن الجماهير تعشق الجلاد الذي يجلدها وتصلب المخلص الذي يريد تحريرها.
الفصل الرابع: الستار الأخير والخاتمة الموسعة
(المشهد: الموسيقى في الخلفية تصبح هادئة وانسيابية، مزيج من لحن شابلن الشهير "Smile" مع نغمات شرقية حزينة للعود. الغيوم الخفيفة تبدأ بالتحرك بكثافة في زوايا المسرح، وتضيق الإضاءة لتنحصر في بقعتين دائريتين فوق البطلين فقط).
شابلن: (يأخذ قبعته من على الطاولة، ينفض عنها غباراً وهمياً ببطء شديد، ثم يرتديها ويمسك عصاه بوقار)
ربما لا يتغير العالم كاملاً يا عبد الله، وربما لن يتوقف البشر عن صناعة الأصنام. لكن يكفي أننا أحدثنا في هذا الجدار السميك خدشاً. أنت تبني العقول بقلمك الحاد الذي يقطع كالسكين، وأنا أحمي القلوب بدموعي وضاحكاتي. بدون عقل لضللنا الطريق، وبدون قلب لتحولنا إلى آلات صماء. ألا تظن أننا نكمّل بعضنا؟
القصيمي: (ينظر إلى كتابه المغلق، ثم يضع يده عليه كأنه يودعه)
نكمل بعضنا؟ (يصمت لبرهة، تلوح على وجهه أقصى درجات الشجن) ربما.. لكن الفارق بيني وبينك يا شارل، هو أنك عندما تغادر هذا المسرح، سيندفع الناس خلفك يصفقون، يبكون ويضحكون، لأنك داويت جراحهم بالبلسم. أما أنا، فعندما أمشي في طريقي، سيرجمونني بالحجارة واللعنات، لأنني لم أداوِ الجرح، بل سكبتُ عليه الملح لكي يستيقظوا! الناس يغفرون لمن يسليهم، لكنهم لا يغفرون أبداً لمن يواجههم بحقيقتهم.
شابلن: (يخطو خطوة نحو القصيمي، وينظر في عينيه مباشرة بنبرة ملؤها التعاطف العميق)
ولكنهم في النهاية سيقرأونك يا عبد الله. قد يشتمونك في العلن، لكنهم سيهربون بكتابك إلى غرفهم المظلمة ليقرأوه في الخفاء. التمرد عدوى، والكلمة الصادقة لا تموت، تماماً كالضحكة الصادقة. لقد صدمتَ كبرياءهم، والصدمة هي أولى مراحل الشفاء.
القصيمي: (يقف للمرة الأولى، يلف عباءته حول جسده، ويبتسم ابتسامة خفيفة غامضة)
ربما تكون هذه الحياة في النهاية مجرد مسرحية هزلية كبرى، برعنا نحن الاثنان في أداء أدوارنا فيها. أنا صرخت فيهم حتى بحّ صوتي، وأنت صمتَّ حتى نطقت حركاتك. أخذنا هذا العالم بجدية أكثر مما يستحق، بينما هو مجرد غبار يسبح في الفراغ.
شابلن: (يقوم بحركة انحناء أخيرة للقصيمي، يغمز بعينه، ثم يستدير ويمشي مشيته الشهيرة متوجهاً نحو عمق المسرح الرمادي المليء بالغيوم، يلوح بعصاه في الهواء دون أن ينظر للخلف)
إذاً.. فلنغادر المسرح برأس مرفوعة وعينين مفتوحتين يا صديقي، قبل أن يسدل الستار رغماً عنا.. وقبل أن يملّ الجمهور من وعظنا وسخريتنا.
القصيمي: (ينظر إلى طيف شابلن وهو يختفي وسط الغيوم، ثم يلتفت نحو الجمهور، يقف ثابتاً كالتمثال، ويردد جملته الأخيرة بصوت هامس وصاعق)
اذهب يا صعلوك إلى خلودك الجميل.. واتركوني هنا مع حقيقتي العارية.. لعل أحداً يستيقظ!
(يبقى القصيمي واقفاً بنظراته الحادة المصوبة نحو الجمهور مباشرة، بينما تنطفئ الأنوار ببطء شديد وتصعد الموسيقى إلى ذروتها الدرامية الشجية حتى يختفي كل شيء في الظلام).
إسدال الستار النهائي.
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟