طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 18:28
المحور:
قضايا ثقافية
بطاقة العرض والسينوغرافيا:
المكان: مقهى برزخي يقع على حافة الزمن، معزول عن صخب المدن؛ الجدران رمادية تشبه الإسمنت البارد، تتخللها رفوف ممتدة مليئة بكتب التراث والمخطوطات العتيقة وأشرطة السينما القديمة. الإضاءة مسلطة بشكل بؤري (Spotlight) خافت على الطاولات.
الشخصيات:
نجيب الريحاني: بملامح يكسوها تعب السنين، يرتدي بدلة "كشكش بيه" الشهيرة المقلمة لكنها تبدو باهتة، في جيبه ساعة قديمة معلقة بسلسلة نحاسية، ويمسك بسيجار لا ينطفئ دخانه رمادياً تصاعدياً.
عبدالله القصيمي: بقامة ممشوقة وعينين حادتين كالنصل، يرتدي عباءة داكنة تجسد هيبة الصحراء، يجلس وراء طاولة تراكمت عليها أوراق بيضاء وقلم حبر ريشي كأنه يخط به معركة معرفية مستمرة.
الفصل الأول: صدام الأقنعة ومرآة السخرية
(يبدأ العرض بصوت ريح تعصف أوراق الصحف الملقاة على الأرض. الريحاني يجلس متكئاً على عصاه النحاسية، يتأمل القصيمي الذي يكتب بحدة وعصبية تامة)
نجيب الريحاني: (ينفث الدخان، ويتحدث بلهجته السينمائية المتهكمة الممزوجة بالأسى)
يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. أهلاً يا فلاسفة الزمان! أراك تغرس ريشتك في الورق كأنك تطعن غريماً في معركة ثأرية. رفقاً بهذه الصفحات البيضاء يا أستاذ عبدالله، فالورق كائن مسالم لا ذنب له في خيبات بني البشر ونفاقهم.
عبدالله القصيمي: (يرفع رأسه ببطء شديد، تشع من عينيه صرامة فكرية واضحة)
أهلاً بك يا نجيب. أنا لا أطعن الورق، بل أهتك الأقنعة التي تحجب الرؤية عن عيون هذه الأمة. الكلمات عندي ليست أدوات للترفيه أو التسلية، بل هي معاول حادة لهدم الأوهام الكبرى التي ينام في ظلها الإنسان مستسلماً للجهل والتبعية، ظاناً أن ركوده هو منتهى الفضيلة.
نجيب الريحاني: (يبتسم ابتسامة متهكمة ويمشي بخطوات مسرحية بطيئة)
هدم الأوهام؟ يا حبيبي! ومن قال لك إن البشر يطيقون العيش بدون أوهام؟ لقد أمضيت عمري كله فوق خشبة المسرح أنزع عن الناس أقنعة المثالية الزائفة؛ فضحكت من البخيل، وهزأت من المنافق، وعرّيت الجبان. أتعرف ماذا كانت النتيجة؟ كانوا يضحكون بملء أشداقهم! يضحكون على عيوبهم المشخصة أمامهم، لأن الحقيقة بالنسبة للإنسان عارية كالموت، ثقيلة كالذنب، ولا يمكنه احتمالها إلا إذا تحولت إلى ملهاة تُنسيه بؤسه.
عبدالله القصيمي: (يقف بحدة، ممسكاً بكتاب ثقيل ويشير به)
وهذا هو بؤس الوجود بعينه يا نجيب! إنهم يضحكون معك هرباً من مواجهة كينونتهم الجوفاء وعجزهم المعرفي. الإنسان كائن يعشق القيود والأغلال التي ألفها، ويخاف من الحرية والمسؤولية كما يخاف الطفل من العتمة. يريدون طمأنينة كاذبة مخدرة، وأنا جئت لأقض مضاجعهم، لأقول لهم إن هذا الكون صلب، وقاسٍ، ومحكوم بقوانين صارمة لا تعترف بالضعفاء والمتواكلين الذين ينتظرون أن تمطر السماء لهم حلولاً!
الفصل الثاني: جدلية العقل والغيب وسيكولوجية الجماهير
نجيب الريحاني: (يهز رأسه بأسى، ويعدل قبعته)
أنت تقسو عليهم، تأخذ من هذا الإنسان البسيط غطاءه الروحي والغيبي ثم تتركه عارياً تماماً في مهب ريح الوجود الباردة. عندما جئت من أتون الصحراء وكتبت أطروحاتك العاصفة مثل "هذي هي الأغلال" و"الكون يحاكم الإله"، ماذا كنت تنتظر؟ هل تظن أن بائع الخضار الغلبان في حواري القاهرة، أو العامل الذي يرتجف خوفاً من سياط الحاجة وبيروقراطية الوظيفة، يستطيع العيش بدون "أمل غيبي"؟ إنه يحتاج أن يؤمن بأن هناك عدالة إلهية مطلقة في السماء ستنصفه وتأخذ بحقه، لأن الأرض بقوانينها وبشرها خذلته تماماً!
عبدالله القصيمي: (يتحرك في مساحة المسرح، ويلتفت بنبرة خطابية فصحى عاصفة)
الأمل الغيبي التواكلي هو الأفيون الذي أضاع بوصلتنا الحضارية يا نجيب! لقد تحول العقل العربي عبر القرون إلى مستودع للخرافات، ينتظر المعجزات لتغير واقعه المتردي بدلاً من أن يغيره بوعيه وسعيه الحثيث. أنا لا أنزع عنهم الأمان لكي أهلكهم، بل لأدفعهم نحو "صدمة الوعي" التي تصنع النهضة. الإله الحقيقي لا يُمجد بالخمول والاتكال، بل يُدرك من خلال القوانين الكونية الصارمة، من خلال حركة العلم، والإنتاج المعرفي، وكسر الأغلال الفكرية. إن الخوف من مواجهة الواقع هو الذي جعل الجماهير تقبل بالعبودية الفكرية.
نجيب الريحاني: (يجلس مجدداً وينفث دخاناً كثيفاً)
كلامك فخم يا أستاذ، ويصلح لمنصات الجامعات والمجلدات الضخمة، لكنه بارد لا يدفئ قلباً مكسوراً. الإنسان ليس معادلة رياضية تفكر بالمنطق الأرسطي طوال أربع وعشرين ساعة. الإنسان كتلة من المشاعر، يخاف من الموت، ويرتعب من الفقد والعدم. في مسرحيتي "حسن ومرقص وكوهين"، أظهرت للجميع كيف أن الفطرة الإنسانية البسيطة تلتقي على الخير والتعايش، وأن النفاق والمشكلات لا تأتي من جوهر القيم الروحية، بل من "تجار المواقف" الذين يرتدون ثوب الورع والقداسة المزيّفة ليكسبوا بعض القروش على حساب الغلابة والمساكين. الأزمة ليست في السماء يا أستاذ عبدالله.. الأزمة في أولئك الذين عينوا أنفسهم وكلاء حصريين للسماء على الأرض!
الفصل الثالث: أزمة النخبة والمرأة وحرية الوجدان
عبدالله القصيمي: (يهدأ صوته قليلاً، وتلوح في عينيه نظرة تحليلية ثاقبة)
وهنا نلتقي في منتصف الطريق يا نجيب. أولئك الأوصياء هم الذين حولوا التراث من طاقة دافعة إلى متحف بارد، وسجن كبلوا فيه حتى عواطف الإنسان وحريته الوجدانية. انظر مثلاً إلى موقف مجتمعاتنا من المرأة؛ لقرون طويلة حاصروها بالخوف، ومنعوها من الإسهام في الحياة المعرفية والعملية، ظانين أن عزلها صيانة للمجتمع، بينما عزل نصف المجتمع هو شلل كامل لجسد الحضارة!
نجيب الريحاني: (تلمع عيناه ببريق عاطفي دافئ، ويسند يده على الطاولة)
آه.. المرأة! المرأة هي اللحن الجميل في هذه المسرحية العبثية الكبرى التي نسميها الحياة. أنا أدرك تماماً ما تقول؛ ففي مسارحي كنت دائماً أنتصر للمرأة المظلومة، للمرأة التي تقاوم قسوة المجتمع العصامي بكرامتها. لكن دعني أسألك: أنت في كتاباتك وتمرك الفلسفي، هل تركت مكاناً للحب؟ للوجدان؟ أم أن عقلك الجاف طحن حتى المشاعر الإنسانية الرقيقة؟
عبدالله القصيمي: (ينظر إلى أوراقه بنبرة شجية مغلفة بالفلسفة)
الحب يا نجيب هو أرقى أشكال التمرد؛ إنه إعلان الحرية الفردية في وجه القطيع البشري. لكنني أنقد "الحب العاجز" الذي يتحول إلى قيد إضافي. أنا أريد لوعي المرأة ولعاطفة الرجل أن يتحررا معاً من وطأة التقاليد البالية؛ أريد لهما أن يلتقيا ككيانين حرين يصنعان الحياة والمعرفة، لا كجسدين يتبادلان سياط التملك والتبعية. أزمتنا الفكرية تبدأ من كبت الوجدان وتنتهي بموت العقل. انظر إلى نخبنا المعاصرة؛ تائهون تماماً بين تقليد أعمى للغرب دون فهم خصوصيتنا، وبين انكفاء أعمى على كتب صفراء قديمة تجاوزها الزمن وتجاوزتها أسئلة العصر الرقمي والمعرفي.
الفصل الرابع: فلسفة الكفاح العصامي واسترداد الشهود الحضاري
نجيب الريحاني: (يضحك ضحكة قصيرة منبثقة من أعماقه)
المثقفون والنخب؟ (يهز يده مستهزئاً) يا حبيبي أولئك يعيشون في "أبراج عاجية" عالية وجافة، يكتبون بكلمات معقدة لا يفهمها حتى هم أنفسهم! يريدون قيادة الجماهير ورسم خرائط المستقبل وهم لا يعرفون سعر رغيف الخبز في السوق، ولم يجلسوا يوماً على قهوة شعبية ليستمعوا لآلام الناس. أنزل معي إلى أرض الواقع، إلى زقاق دير الملاك أو أسواق المدن القديمة؛ انظر إلى وجه بائع الخردوات العصامي وهو يمسح عرق جبينه ليؤمن قوتاً شريفاً لأولاده. هذا الرجل، وبصبره، وشهامته، وعزة نفسه، يمارس الفلسفة الحقيقية المعاشة دون أن يقرأ سطراً واحداً لك أو لغيرك. عندما يلتقي الفكر بنبض الشارع وكرامة العمل، تنتهي التنظيرات الباردة وتبدأ حكاية الإنسان الحقيقية!
عبدالله القصيمي: (تتحول نبرته إلى تقدير عميق، ويومئ برأسه إعجاباً)
هذا الكفاح العصامي اليومي وعرق الجبين هو "جينات الحضارة الحية" التي حمت الأمة ومجتمعاتنا من التحلل والاندثار في أحلك الظروف السياسية والاقتصادية عبر التاريخ المعاصر. أنا لا أقلل من شأن هذا الكفاح يا نجيب، بل أقدسه وأراه ركيزة الهوية الصلبة. ولكن، ما أنقده وأحاربه هو أن نكتفي بـ "الصبر السلبي" والاستسلام لظروف البيروقراطية والتعطيل الإداري. إنني أريد لهذا البائع العصامي، ولهذا الإنسان المستضعف، ولكل ذوي الاحتياجات الخاصة المكافحين، أن يمتلكوا أدوات العصر المعرفية، والتقنية، والتشريعية الشجاعة؛ لكي يتحولوا من موقع الضحية أو المتفرج في هذا الكون، إلى شركاء حقيقيين وقادة وصنّاع للمشهد الحضاري العالمي! ال نهضة لا تقوم على أكتاف الخاملين، بل على سواعد تؤمن بأن كرامتها تبدأ من نتاج يدها وعقلها الحُر.
الفصل الخامس: الموت، والخلود، والستار الأخير
نجيب الريحاني: (يقف ببطء شديد، وتبدو عليه علامات التعب الجسدي الواضح، ينظر إلى ساعته الجيبية القديمة ثم يغلقها بصوت مسموع)
يبدو أن وقت "الفصل الأخير" قد أزف يا أستاذ عبدالله.. الموت يتربص بنا جميعاً خلف كواليس هذا المسرح الوجودي الكبير، ولن يستثني أحداً، لا صاحب الضحكة ولا صاحب الفكرة. أنا سأرحل عن هذا العالم وسيتذكرني الناس بابتسامات دافئة وضحكات رسمتها على وجوههم البائسة لتخفف عنهم وعثاء الحياة، وأنت سيرحل جسدك وستترك خلفك عاصفة هوجاء من الجدل الفكري المعقد في عقول الأجيال. أخبرني بصوت صادق: ما هو الخلود الحقيقي في قاموسك الفلسفي؟
عبدالله القصيمي: (ينظر إلى المخطوطات والأوراق المبعثرة بثبات وسكينة مطلقة)
الخلود يا نجيب لا يكون ببقاء الطين والجسد، بل ببقاء الأثر، وبالجرأة على إيقاظ العقول الخاملة من سباتها. الخلود هو أن تزرع في عقل الأمة "علامة استفهام ضخمة" لا تموت بموتك، تجبر الأجيال القادمة على التفكير والنقد واستئناف العبور الحضاري. قد يلعنني العاجزون، وقد يفهمني الأحرار، لكنني عشت صادقاً مع عقل الكائن البشري، ومزقت الأغلال التي أرادوا لي أن أرسف فيها طوال حياتي. الكلمة الأخيرة دائماً هي للعمل، والإنتاج، والحرية المعرفية.
نجيب الريحاني: (يرفع قبعته بوقار وتأثر شديد، ويمشي ببطء نحو عمق المسرح حيث يتصاعد الضباب الرمادي)
إذن، رغمت أنوف الخلافات.. نحن متفقان في المبتدأ والمنتهى يا فيلسوفنا المعاند! أنت تطرق الأبواب المغلقة بمطرقتك الفلسفية الصارمة لتوقظ النائمين، وأنا أفتحها بضحكتي وسخريتي وبسطة حكاياتي؛ والهدف الأسمى لنا كلينا هو: صيانة كرامة هذا الإنسان، وحريته، وبناء هويته الحية. يبدو أن الفن الصادق والفلسفة الشجاعة هما وجهان لعملة واحدة.. اسلم لي يا أستاذ عبدالله، ودعني ألحق بكواليس الفضاء الوجودي.. (يلتفت ويبتسم ابتسامته الشهيرة) ولا تنسَ نصيحتي.. اضحك قليلاً وسخر من أوهام العالم، فالكون أحياناً وبكل تحولاته.. لا يستحق منا كل هذا التجهم البارد!
عبدالله القصيمي: (يعود إلى مقعده الخشبي بوقار، ويمسك بقلمه الريشي مجدداً، وعيناه تملؤهما السكينة واليقين المعرفي)
وداعاً يا نجيب.. اذهب بضحكتك الحزينة البليغة، فالمسرح الإنساني لا تنتهي فصوله، والكتابة النقدية لا تنام ريشتها، وسيظل العقل العربي يبحث عن بوصلة وجوده المستدام، باصماً ومصالحاً بين أصالة جذوره التاريخية ومعاصرة أيامه الرقمية الواعدة.
(تخفت الإضاءة البؤرية تدريجياً وببطء شديد حتى يخيم الظلام التام على خشبة المسرح، مع بقاء صوت صرير حبر قلم القصيمي على الورق، وصدى ضحكة الريحاني الحزينة المألوفة يتردد في عمق الفراغ).
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟