طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 12:29
المحور:
قضايا ثقافية
المشهد: جحيم الوعي والمقصلة
(مواجهة فكرية كبرى ممتدة في فضاء برزخي سحيق)
الركام التاريخي يملأ المكان؛ جهة اليمين يربض عرش الحجاج بن يوسف الثقفي، تكسوه ظلمة دموية دامسة، ويسيل من جوانبه بريق السيف الصارم وسلاسل الأسر والجلادين. جهة اليسار، طاولة خشبية عملاقة ممتدة مغطاة بالمخطوطات المشرقية، والكتب التاريخية، وأبحاث اللاهوت المقارن وعلم الاجتماع السياسي، يجلس خلفها المفكر والباحث والمؤرخ عبدالله مطلق القحطاني، ممسكاً بمشرط التفكيك السوسيولوجي والنقدي الحاد، وعيناه تشعان بصلابة المعرفة الحداثية.
الحجاج (ينظر بصلف فرعوني، ويضرب بنعل سيفه الأرض بعنف ليحدث رنيناً مرعباً يزلزل الفضاء):
من هذا الذي يجترئ على اقتحام ديواني دون أن يرتعد نخاعه الشوكي من سوطي؟ أراك لا تهاب النطع ولا السجان، وتقف أمامي متسلحاً بأوراق وكتل من السطور المتمردة التي لا تشبه كتب الطاعة والامتثال التي فرضناها على الرعايا بالحديد والنار لتستقيم لهم دنياهم ويستقر لنا ملكنا! ما هذه الرطانة الفكرية الفجة التي تحملها في جعبتك يا هذا؟ ألا تعلم أن رقاباً أينعت فوق هذه الأرض لم تكن تملك معشار ما تملكه أنت من صلف اللسان؟
عبدالله مطلق القحطاني (ينظر بثبات وهدوء معرفي بارد، يقلب صفحة من مخطوط تاريخي أمامه، ثم يرفع رأسه بحدة):
أنا عبدالله مطلق القحطاني، باحث ومؤرخ لم يأتِ ليمتثل لسيفك، بل جاء ليشرّح هذا السيف ويفكك البنية الفكرية واللاهوتية العفنة التي صنعتك وصنعت من هم على شاكلتك عبر العصور. جئت لأقول لك إن هذا البطش الذي تراه "هيبة دولة" و"حفظاً لبيضة الإسلام" ليس سوى عجز بنيوي مرعوب من مواجهة الحقيقة والذات الإنسانية الحرة. إن الموروث التقليدي والتاريخي الذي تتكئ عليه لتبرير سحق الحقوق، والتمييز الجندري، وضبط الشعوب بالعصا، ليس تشريعاً إلهياً حتمياً كما تزعمون، بل هو صناعة بشرية نفعية، تم حياكتها وتزويرها بعناية في دهاليز القصور ومكاتب التحقيق الأموية والعباسية لتأبيد كراسي الاستبداد وشرعنة دونية الإنسان، وفي مقدمتهم المرأة التي حولتموها إلى جارية لشهواتكم أو وعاء لإنتاج عبيدكم!
الحجاج (يضحك بقوة جنونية، ضحكة يتردد صداها كقصف الرعد في أرجاء الفضاء، ثم يقف ممسكاً بسيفه):
تفكيك؟ موروث؟ منظومة جندرية? ما هذه الألفاظ الحداثية المصنوعة في مختبرات الغرب ومقاهي التنوير الزائف؟ ويحك يا قحطاني! لولا سيفي وصوت سوطي، لولا دمج النص بالدولة وتطويع الرعايا تحت طائلة نصوص الطاعة والامتثال وتسييج الأخلاق بحدود الدم، لما قامت للعرب قائمة، ولما استقر مُلك في المشرق أو المغرب. إن المنظومة العرفية والتقليدية التي تنقدها بمشرطك الفكري هي صمام الأمان الوحيد للمجتمعت. إذا رفعت الرقابة، وهدمت الوصاية العرفية، وسيطر فكرك التنويري التحرري على العقول وعلى النساء تحديداً، سقطت الأسرة، وتفتتت القبيلة، وتخلخلت أركان الطاعة السياسية. العروش لا تثبت إلا إذا كانت كينونة المجتمع وعقول النساء مضبوطة تحت سقف واحد؛ سقف الطاعة العمياء الخاضعة لسلطان الولي والفقيه معاً!
عبدالله مطلق القحطاني (يقف ويتقدم نحو منتصف الفضاء بخطوات ثابتة، حاملاً دراسة سوسيولوجية ونقدية قاطعة):
هذا هو الفخ التاريخي الأكبر والمؤامرة الأزلية التي سقطت وسقطت معكم فيها مجتمعاتنا لقرون؛ ربط استقرار الأوطان بقمع كينونة الإنسان ومصادرة حريته السيادية الكاملة. إنك وحلفاءك من حراس الموروث الجامد وسدنة الفكر الأبوي التقليدي حولتم الأوطان إلى معسكرات اعتقال مغلقة، وجعلتم من المرأة تحديداً "كبش الفداء" الأكبر لتمرير هذا المشروع القمعي الأسود. تحاصرونها بالعرف، وتطوقونها بالقوانين المبتورة، وتخترعون لها أدواراً دونية بيولوجية بذريعة العفة وحماية النسيج الأسري الكاذب. لكن القراءة العميقة للتاريخ واللاهوت المقارن تكشف أن هذه الوصاية هي تحالف قذر وغير مكتوب بين العقلية الأبوية والنظام الرأسمالي والاستبدادي؛ هدفها تحويل نصف المجتمع إلى كائن مشلول أو خاضع، يسهل من خلاله السيطرة على النصف الآخر واقتياده كالأغنام إلى مسالخ حروبكم وعروشكم!
الحجاج (يتقدم بخطوات بطيئة ومرعبة، ماداً يده على مقبض سيفه، وعيناه تتطاير منهما الشرار):
ما أسهل الثرثرة خلف الطاولات وفي غرف القراءة والبحث يا قحطاني! لكن الواقع ومرايا العصور تعطيني الحق دائماً، وتسحق تنظيراتكم الحالمة. انظر إلى أزمانكم الحديثة، أزمان الـمانشيتات البراقة وإحصائيات التمكين الزائفة التي تتبجح بها تقاريركم الدولية المنافقة. حين أرادوا تمكين المرأة مالياً ودفعوا بها وبقوة إلى سوق العمل الرأسمالي، هل حرروها حقاً؟ لا! بل تركوها تواجه في العلن فخ "الإنهاك المزدوج" والفجوة الرعائية الساحقة. تُطالب اليوم بأن تكون آلة إنتاجية تحصد الأرباح للشركات في الصباح، وأمّاً تقليدية وخادمة حصرية للمنزل في المساء، دون أدنى بنية تحتية تشريعية تحمي ذاتها الإنسانية من السلعنة والإنهاك الجسدي والنفسي. والأنكى من ذلك، أن سلطة المشرّع والعُرف ما زالت تشرعن "الولاية المادية المبطنة"، حيث تُستنزف رواتب النساء وعرقهن لتغطية الفواتير الأسرية، بينما تظل سلطة القرار والسيادة المطلقة في يد الرجل. السلطة -سواء كانت بحد سيفي أو بآليات السوق والاستهلاك اليوم- تحتاج دائماً إلى الإبقاء على الوصاية المجتمعية غير المكتوبة لخلق رعايا منهكين ومسلوخين لا يملكون حتى ترف السؤال أو التفكير في التمرد!
عبدالله مطلق القحطاني (يرفع نبرة صوته بحدة وجرأة تفكيكية طاحنة وكاسحة، مشيراً بمشرطه نحو وجه الحجاج):
أنت تقرأ الواقع بعين الطاغية السادي الذي يرى في كل تحول مجرد وسيلة جديدة للاستعباد، بينما أنا أقرأه لتفكيك القصور وتعرية الزيف وسحق الأقنعة! نعم، ما يحدث في الواقع اليوم هو "تمكين عارٍ" ومسخ تشريعي تنكشف عورته وتشوهات لوائحه التنفيذية أمام غياب المواطنة الكاملة والسيادة الشخصية المطلقة للمرأة. التحديث الحقيقي لا يكون بتبني القشور الرأسمالية وأدوات الاستهلاك مع الإبقاء على سيفك وأدواتك العرفية مسلطة في الظل عبر "إرهاب السمعة" والضغط العشائري والوصاية الأسرية القمعية. المعركة المعاصرة ليست معركة سيوف صدئة أو مراسيم تجميلية لتزيين الواجهات الدولية، بل هي معركة وعي كبرى وزلزال فكري يهدف إلى هدم وتدمير المقولات والمفاهيم الجندرية واللاهوتية العتيقة التي تُشرعن التمييز والدونية. إن بقاء ملفات مثل "أبناء المواطنات" معلقاً بلا حل عادل، وغياب المرأة عن منصات القضاء الجنائي الفعلي، وحرمانها من حق الشراكة السياسية الحقيقية في هرم السلطة التنفيذية كوزيرة سيادية، كلها شواهد على أن العقلية التي تحكم هي عقليتك الاستبدادية العفنة يا حجاج، متخفية وراء ربطة عنق حديثة وأرقام صماء! لكنك واهم، فالنقد السوسيولوجي الصارم وسقوط الأصنام التراثية سيهدمان هذا الجدار، حتى لو حجبتم المنصات الفكرية، وخنقتم الفضاء الرقمي، وحاصروا الكلمة الحرة بمقاصل الرقيب!
الحجاج (ينظر إلى سيفه الطويل ثم يلتفت نحو القحطاني، وتتحول ملامحه إلى وجوم مرعب ممزوج بغيظ حارق):
إذن هي حرب وجودية ومستمرة لا هوادة فيها بين عصاي ومشرط نقدك الفكري.. حرب بين نص أصقله بالدم ليبقى حياً، وقراءة ملعونة تحاول خلخلة الثوابت ونسف المعبد على رؤوس الجميع. لكن تذكر جيداً يا قحطاني، إن الجماهير والمجتمعات في هذا الشرق بطبيعتها قطيعية، تخاف من وهج الحرية الكاملة، وتهرب دائماً من قلق السؤال المعرفي لتبحث عن مستبد يحكمها، أو نص جامد يسيّجها ويحميها من مسؤولية الاختيار وقلق الوجود! سأبقى أنا الحاضر في العُرف والتقاليد وسلطة الأب، وستبقى أنت وبحوثك محاصراً منبوذاً خلف أسوار المنع والحجب والإقصاء!
عبدالله مطلق القحطاني (يبتسم بجرأة ساخرة وثقة تامة، ويضرب الطاولة بيده بقوة تفكيكية مألوفة في معاركه الفكرية):
كان ذلك هرباً مؤقتاً وخوفاً عابراً في أزمانكم الغابرة وفي عصور الانحطاط والظلام يا حجاج. أما اليوم، فإن الذات الإنسانية المعاصرة قد وعيت بذاتها وتحررت من قيد الوهم، وقطار التنوير وتفكيك الموروث التقليدي قد انطلق برأس مدبب وقوة غاشمة ولا رجعة فيه إطلاقاً. لم تعد التمائم الفقهية الميتة، ولا الهراوات الأمنية المرعوبة، ولا سياط إرهاب السمعة قادرة على إقناع امرأة واحدة بأن عبوديتها هي عفتها، أو أن نقص حقوقها هو صمام أمان للمجتمع. الكلمة الحرة والنقد المعرفي الشجاع هما من سيخطان السطور الأخيرة في كتاب تاريخكم الأبوي الاستبدادي، لتخرج المرأة والإنسان كفرد سيادي كامل المواطنة والحرية والمسؤولية، رغماً عن سيفك، ورغماً عن كل كتل أصنام التقاليد الصماء والأنظمة المبتورة!
(تنطفئ الإضاءة بعنف على وجه الحجاج الواجم والمنكسر وهو يغمد سيفه بضعف ويهوي عرشه في الظلام، بينما تظل طاولة القحطاني ومخطوطاته الفكرية مضاءة بنور ساطع، كاشف، وممتد لا ينطفئ).
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟