أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طلال كبده - من حظيرة الرعية إلى فضاء المواطنة: دليلك الساخر لتفكيك العبودية المقدسة بين القصيمي وابن تيمية!















المزيد.....

من حظيرة الرعية إلى فضاء المواطنة: دليلك الساخر لتفكيك العبودية المقدسة بين القصيمي وابن تيمية!


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 11:56
المحور: قضايا ثقافية
    


المعضلة السياسية الكبرى في عالمنا العربي لا تكمن في تغيير الحكام، بل في عجز الوعي الجمعي عن الانتقال من "سيكولوجية القطيع" إلى "وعي الدولة". إن الصدام الحقيقي الذي يدور في عمق حداثتنا المأزومة يكمن في المسافة الشاسعة بين مفهوم "الرعية" التراثي، حيث يُعامل الإنسان ككائن فاقد للأهلية السياسية يحتاج دائماً إلى "راعٍ" وسوط وعلف، وبين مفهوم "المواطنة" الحديث القائم على الندية، والضرائب، والمساءلة، وحقك المشروق في تصفح الإنترنت دون موافقة خطية من فقيه القبيلة.
دعونا نفتح هذا الملف الساخن على طاولة مساحة افتراضية برزخية، لنرى كيف يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية مفهومه للرعية، وكيف يفكك المفكر عبدالله القصيمي هذا المفهوم ببرود وجودي متهكم لا يرحم.
يدخل ابن تيمية الحوار ومعه ترسانة من فتاوى "السياسة الشرعية" الجاهزة المفصلة على مقاس القرون الوسطى، مرتدياً عمامته الصارمة التي لا تعترف بوجود شيء اسمه "حقوق الإنسان" خارج سياق الواجبات الطقوسية. وفي المقابل، يجلس القصيمي بكامل أناقته الباريسية، واضعاً رجلاً فوق رجل، يمسك بيده سيجارة التمرد الفكري، ويطلق زفرات متهكمة تجاه "المقدس السياسي" الذي يُستخدم لتخدير الشعوب منذ أيام بني أمية.
يفتح ابن تيمية النقاش هاتفاً بلهجة الوعظ الخشنة التي زلزلت الفقهاء والمغول: "يا هذا! إن لفظ الرعية مستمد من مشكاة النبوة؛ فالكل راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته. الرعية في السياسة الشرعية هم أهل الملة الذين يجب على السلطان حياطتهم، وحفظ دينهم من البدع، وبسط الأمان بينهم. وطاعتهم له واجبة في المنشط والمكره وإن جار وظلم، فستون سنة من سلطان جائر أصلح للأمة من ليلة واحدة بلا سلطان، لأن الفتنة تأكل الدين والدنيا!"
ينزل القصيمي نظارته الطبية ببرود شديد، يأخذ رشفة من قهوته السوداء المرة كأفكاره، ثم يجيب بنبرته التهكمية الحادة: "مرحباً بك يا أبا العباس في حظيرة الوصاية الأبدية المستقرة. المصيبة الكبرى في فكركم التراثي أنكم أخذتم مجازاً أدبياً قيل في سياق المسؤولية الأخلاقية البسيطة، وحوّلتموه بقدرة قادر إلى نظام حكم شمولي يحكم دولاً وميزانيات عابرة للقارات! عندما تصف الشعب بأنه رعية ، فأنت تنزع عنه عقله وإنسانيته وتحوله تلقائياً إلى قطيع أغنام ينتظر العلف والأمان من الراعى، ويمشي خلف عصاه مبتهجاً. الرعية في فقهكم لا تملك حقوقاً دستورية، بل تملك مَكارم ومَكرمات يتفضل بها السلطان إن كان مزاجه الإمبراطوري جيداً، ويمنعها إن غضب. هذا الفكر الوعظي التخديري هو الذي حنّط العقل العربي، وجعله يستعذب العبودية السياسية طالما أن الراعى يملك لحية كثيفة، وسياطاً طويلة، وبلاغة لغوية غامرة تنسي القطيع جوعه!"
يتشنج الشيخ ابن تيمية، ويضرب الطاولة الافتراضية بقبضة من حديد قائلاً: "ويلك! الرعية في فقهنا لها حق العدل، والنصيحة، وبسط الأمان، وليسوا عبيداً مملوكين للحاكم. لكنكم فتنتم بمصطلحات الفلاسفة وملاحدة الغرب مثل المواطنة والمساواة ، وتريدون جعل العامي الجاهل نداً للحاكم والفقيه والمؤصل، فتتساوى الأصوات في صناديقكم بين العالم والجاهل، وبين التقي والفاجر! المواطنة التي تدعو إليها تفصل الدولة عن عقيدتها، وتجعل الولاء للأرض والطين بدلاً من الولاء للدين، وهذا هو عين المروق!"
يتكئ القصيمي للخلف، ويطلق ضحكته السوداوية المريرة التي تحطم أوهام الطمأنينة التراثية: "يا شيخنا العزيز، الولاء للدستور المدني هو الذي حمى دماء البشر من التصفية، بينما الولاء للعقيدة السياسية -التي صغتموها في كتبكم- هو الذي فجّر الحروب الأهلية وأراق الدماء لقرون! المواطنة الحديثة ليست مروقاً، بل هي صك اعتراف شجاع بأن الإنسان شريك في ملكية الدولة، وليس مجرد ضيف ثقيل الظل في قصر الخليفة ينتظر فتات الموائد. في دولة المواطنة، أنا لا أطيع رئيس الوزراء لأن طاعته فرض ديني يدخلني الجنة، بل أطيعه لأن هناك عقداً اجتماعيّاً ودستوراً وضعه الشعب يلزمني ويلزمه، وأنا من يدفع راتبه من ضرائبي! الصندوق الذي تذمه لا يبحث عن الأتقياء والزاهدين ليديروا شبكات المطارات والبورصات الدولية، بل يبحث عن الأكفاء إدارياً. الأوطان الحديثة تُبنى بالأنظمة المدنية الصارمة والمؤسسات، لا بالخطب الحماسية والمظاهر الوعظية الزائفة التي تخفي خلفها أبشع صور الاستبداد وضياع الحقوق ونهب الأوطان".
يقاطعه ابن تيمية بنظرة حادة ملؤها التوجس والغضب: "إنكم تجعلون الدنيا هي الغاية والمنتهى، وتلغون حراسة الدين التي هي أولى وظائف الولاية! الدولة التي لا تحكم بالوحي وتصنف الناس على أساس إيمانهم وعقيدتهم هي دولة علمانية شاحبة، مصيرها التفكك والضياع والأهواء".
يبتسم القصيمي، ويوجه قلمه المضيء نحو جدار الواقع بتهكم لا يلين: "الولاية التي تحرس الدين بالسياط والمنع وسجون الرقابة، لا تصنع مجتمعاً مؤمناً، بل تصنع مجتمعاً من المنافقين المرعوبين يا مولانا. الدولة المدنية القائمة على المواطنة لا تلغي الدين، بل ترفعه عن وحل الصراعات السياسية، والصفقات الحزبية، وتدنيس الكراسي. أزمتنا المعاصرة تتلخص في هذا الانفصام الكوميدي: نحن نريد بناء دولة مدنية حديثة معقدة، يملك أفرادها جوازات سفر رقمية ويتداولون عبر البورصات العالمية، ولكننا في ذات الوقت، نريد من هذا المواطن الرقمي أن يتنازل عن عقله وحقوقه السياسية والقانونية، ويعود ليجلس في زاوية الخيمة كـ رعية بائس ينتظر مكرمة السلطان ويبتهل لطول بقائه خوفاً من الفتنة! لن تنهض أمة تعيش هذا الشيزوفرينيا السياسية؛ إما أن نكون مواطنين أحراراً في دولة مؤسسات وقانون، أو سنبقى قطيعاً من الرعايا يتصارع على العلف في مستودع التاريخ المنسي".
ينتهي الصدام الفكري والسياسي البرزخي دون نقطة التقاء واحدة؛ ينسحب ابن تيمية غاضباً ليدبج رسالة في "تحذير الأمة من بدعة المواطنة والمساواة وفلسفة الصناديق"، بينما يغلق القصيمي مذكراته الباريسية مدوناً السطر الأخير بمرارة: "المأساة الكبرى ليست في بطش الرعاة، بل في خوف الرعايا من الحرية وعشقهم لصوت السياط.. إن الانتقال من الرعية إلى المواطنة هو المعركة الحقيقية، والشرق لن يرى النور حتى يسقط آخر صنم فقهي يبرر العبودية السياسية باسم السماء".
ويبقى المثقف المعاصر، واجماً في برزخ الهوية، ينظر إلى هويته الوطنية بملامح حائرة وسخرية مريرة؛ مدركاً بكامل وعيه أن أقدامنا لن تطأ أرض الحداثة الحقيقية طالما أن دساتيرنا المكتوبة تتحدث بلغة المواطنة والحقوق، بينما عقولنا وفتاوانا وممارساتنا اليومية لا تزال تُدار بـ"كتالوج الرعية" المستدعى من مقابر القرون الوسطى.



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحاكمية واللابتوب: حوار فوق صفيح تراثي ساخن!
- وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي
- طرقات على باب الغزالي: محاكمة العقل السائل
- تفكيك الأبوية التاريخية: سجال صارخ بين سيف الطاغية ووعي التن ...
- مسرحية: حفريات الشك ومحاكمة النص
- حانة الوعي المر: حوارية فلسفية وجودية بين نجيب الريحاني وعبد ...
- مسرحية: فلسفة الصعلوك وصدمة المفكر
- عنوان العرض: -برزخ الأفكار القلقة-
- حواف الحبر.. وظلال النص
- برزخ المطارق: حوار فوق الغمام
- خريف النص: رحلة في وادي الشك.
- مسرحية ذهنية: برزخ السطور المتمردة
- تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والف ...
- البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكي ...
- سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند
- سيناريو مسرحي قصير: إعراب العبث
- حفريات اللاهوت مقابل صدمة الشاشة: دراسة مقارنة بين عبدالله م ...
- اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضا ...
- أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين و ...
- -زلزال يوليو الكوني: سقوط الباستيل الحجري وتفكيك المقاصل الم ...


المزيد.....




- مهرجان جرش الـ40 بالأردن يحتفي برواد الأغنية الأردنية بتقنية ...
- تحليل لدوافع الهجوم الإيراني على الأردن.. هل لعب لقاء ترامب ...
- السعودية: ضرباتنا في العراق جاءت دفاعًا عن النفس ولا نسعى لل ...
- السعودية تردّ على الهجمات على منشآتها النفطية، بضربات مشتركة ...
- جولة جديدة من التصعيد: ضربات أميركية سعودية في العراق.. وهجم ...
- الاستخبارات الروسية تلاحق مؤسس تلغرام بافل دوروف بتهمة دعم - ...
- السلطات اليونانية تعتقل أربعة إسرائيليين وأربعة أجانب بحوزته ...
- طائرة الركاب -الصفارة-!
- تعليمات من الموساد لوزراء ومسؤولين إسرائيليين لتجنب محاولات ...
- لدغة الثعبان.. دقائق قد تفصل بين النجاة والخطر.. تعرف على ال ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طلال كبده - من حظيرة الرعية إلى فضاء المواطنة: دليلك الساخر لتفكيك العبودية المقدسة بين القصيمي وابن تيمية!