أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - سكان برزخ التبلد: مأزق غير المقروء















المزيد.....

سكان برزخ التبلد: مأزق غير المقروء


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 11:49
المحور: الادب والفن
    


نص مسرحي ذو أبعاد فلسفية عبثية!
شُخُوصُ المَسْرَحِيَّةِ:
عبد الله مطلق القحطاني: باحث في "لاهوت الكسل البشري". يرتدي ثوباً قطنياً سعودياً قديماً، يحمل حقيبة جلدية مهترئة تتكدس فيها معاملات حكومية صفراء، ومحاط بأجهزة لوحية تومض بلون أزرق خافت.
ديوجين الكلبي: الفيلسوف الإغريقي المشاكس (القرن الرابع قبل الميلاد). حافي القدمين، رث الثياب، يحمل بيده "مصباحاً زيتياً" يضيئه في وضح النهار، وعيناه تعكسان حيرة الشك الكبرى وبحثه عن اليقين وسط ركام الأوراق.
خبير "السوشيال ميديا" (الإنفلونسر): شاب عشريني، يرتدي نظارة شمسية داخل الغرفة المعتمة، يمسك "رينغ لايت" (Ring Light) محمولاً، ويتحدث بلغة هجينة بين الإنجليزية السريعة والـ "كويتية الفاشينيستية".
سادنُ السِّيسْتِم (الموظف الأزلي): كائن برزخي يرتدي "دشداشة" بيضاء ناصعة جداً بلا أي بقعة، يجلس خلف زجاج مضاد للرصاص، ويمسك كوب شاي لا ينقص أبداً، وعيناه مسمرتان على شاشة هاتف يعرض مقاطع "تيك توك" صامتة.
الفَصْلُ الأَوَّلُ: مَحْوُ النَّصِّ وَغُرْبَةُ الكَاتِبِ
(يُفتح الستار على فضاء رمادي عريض. في الخلفية، تتدلى حبال ليفية ضخمة مشدودة إلى سقف المسرح، تتدلى منها "أرقام انتظار إلكترونية" ممزقة. في يمين المسرح طاولة عتيقة يجلس عليها عبد الله مطلق القحطاني يقرأ من ورقة صفراء).
عبد الله مطلق القحطاني: (يصرخ بنبرة طقوسية جنائزية) لقد دخلتُ المنصة الإلكترونية عند السحر! أرسلتُ لهم دراستي المفصلة: "الفصل الحاسم بين ماء السبيل وحفر البلديات"! ستمائة صفحة أثبتُّ فيها بالأدلة القطعية أن الحفرة التي أمام منزلي في "خيطان" ليست ظاهرة جيولوجية بل هي محض كسل إداري! والنتيجة؟ (يقف ويهز هاتفه بحدة) السيستم وضع علامتيّ "صح" باللون الرمادي.. رمادي كأرواحهم! لم يقرؤوها! لم يرفضوها! لقد مارسوا ضدي "العدمية الرقمية"!
(يدخل فجأة من عمق المسرح "ديوجين الكلبي" حاملاً مصباحه الزيتي، يوجه المصباح نحو وجه عبد الله بقوة).
ديوجين: أطفئ هذا النور البارد الذي يخرج من صندوقك الصغير يا عبد الله! أنا أبحث بمصباحي هذا عن "مسؤول" يملك ذرة من الاكتراث منذ ألفين وأربعمائة عام.. ولم أجد! فماذا تبحث أنت في صندوقك؟ تباً للمنصات وتفاهة السيرفرات! لقد خرجتُ من "أثينا" تائهاً أبحث عن اليقين، فدخلتُ إلى شبكتكم العنكبوتية هذه. وضعتُ فلسفتي الكلبيّة في خانة "المرفقات PDF" لوزارة الأوقاف، فجاءني رد آلي يقول: حجم الملف يتجاوز الـ 5 ميغابايت، يرجى ضغط الفكرة! (يضرب بمصباحه الطاولة) كيف أضغط فكر الوجود في 5 ميغابايت؟! كيف أختصر الشك المطلق في ملف مضغوط؟!
عبد الله مطلق القحطاني: (يركع على ركبتيه ويسند رأسه إلى حقيبته) يا فيلسوفي.. الضغط هنا ليس للفكرة، بل لرقبة المواطن! السادن خلف الزجاج لا يقرأ.. السادن يمارس "التطنيش المستدام". إنهم لا ينكرون وجودنا، بل يتركوننا معلقين في برزخ الـ "Delivery" دون "Read"!
(يدخل "الإنفلونسر" بخطوات راقصة وعنيفة، يلتفت يميناً ويساراً وهو يلتقط سيلفي مع حبل الإنترنت المتدلي، ويتحدث بسرعة).
الإنفلونسر: (بصوت سريع وهادر) هاي شباب! اليوم معنا بالبرزخ كاتب دراما وواحد شاحذ من أثينا. اسمع يا عبود.. دراساتك أم ستمائة صفحة هذي "نوت إن" (Not in) يبا! الحين التريند هو "التطنيش المستدام". تدري لو تسوي فيديو مدته 5 ثواني وأنت تاكل "رقي" (بطيخ) وتطنش أسئلة المتابعين، راح تجيب مليون مشاهدة والبراندات تركض وراك؟ لماذا تنتظرون الرد؟ الرد يعني اعترافاً بوجودكم، والأنظمة لا تريد مواطنين موجودين، تريد كائنات "افتراضية" تدفع الرسوم وتختفي في غبار الـ "Cloud"! إن العرب لم يبتكروا الصمت، بل حوّلوه إلى "جهاز أمن دولي"!
الفَصْلُ الثَّانِي: حِوَارٌ مَعَ الأُذُنِ الصَّمَّاءِ
(يتحول المشهد. الإضاءة تصبح زرقاء فاقعة، تشبه إضاءة الهواتف الذكية. يرتفع من الأرض مكتب زجاجي ضخم يجلس خلفه "سادن السيستم". يتحرك الثلاثة: القحطاني، ديوجين، والإنفلونسر نحو الزجاج).
عبد الله مطلق القحطاني: (يطرق الزجاج) يا حضرة السادن! المعاملة رقم (99876) مضى عليها ثلاثة كسوفات شمسية! الشارع انهار، والسيارات هبطت إلى باطن الأرض، ونحن ننتظر التوقيع!
سادن السيستم: (دون أن يرفع عينه عن هاتف تيك توك، وبنبرة كويتية باردة جداً) السيستم عطلان يبا.. تعال باكر.
ديوجين: (يقترب بمصباحه مستنكراً) باكر؟ وما باكر في حساب الوجود؟ إن الزمن عرضٌ لا يدوم زمانين! كيف تؤجل معاملة أمة بناءً على فرضية وجود "باكر" قد لا يأتي؟ اعطنا رداً بيقين: إما نعم وإما لا! كنت أظن أن العيش داخل برميل هو أقصى درجات العبث.. لكن العيش في زمن يقاس فيه وعي الإنسان بـ "عدد النقرات" هو الجحيم الذي لم يتنبأ به هوميروس!
سادن السيستم: (يأخذ رشفة بطيئة من الشاي ويمضغ حبة لقيمات) أقول لك.. السيستم عطلان. وبعدين أنت شنو إثباتك؟ وين البطاقة المدنية الأصلية؟ جيب برنت من التأمينات إنك مو متوفى أول شي!
الإنفلونسر: (يعدل نظارته ويضحك بمرارة وهو يوجه كاميرا هاتفه للسادن) أرأيت يا ديوجين؟ يطالبونك ببرنت يثبت أنك حي! إنهم لا يصدقون العقل ولا يصدقون الجسد، يصدقون فقط "الورقة المختومة"! (يصرخ في وجه السادن وهو يسجل لايف) برو (Bro).. الحفرة هذي سوّي عندها "تحدي القفز" ونزلها بتيك توك.. بتصير "فايرال" (Viral). لا تصلحها.. الاستفادة من المشكلة أهم من حلها! أيها الكائن البيروقراطي المحشو بالتبلد! أنت لست موظفاً، أنت تجسيد لخطيئة الكسل الكوني!
سادن السيستم: (يلتفت ببرود ويهز كتفه) أخوي.. إذا مو عاجبك الشغل قدم كتاب حق "خدمة المواطن".. هناك بالدور الثالث.. بس ترا الموظف الحين طالع استئذان وماراح يرد إلا عقب العيد.
الفَصْلُ الثَّالِثُ: السُّقُوطُ فِي الجُورَةِ الكَوْنِيَّةِ
(يُسمع صوت دوي هائل "بوم". تسقط الإضاءة فجأة عن مكتب السادن، وتتركز في منتصف المسرح حيث تفتح فجوة دائرية تشع ضوءاً برتقالياً—إنها حفرة الشارع الموعودة).
عبد الله مطلق القحطاني: (ينظر إلى الحفرة بفزع وفلسفة) ها هي! "الجورة" الكونية! الثقب الأسود البيروقراطي الذي حذرتُ منه في مقالاتي بالحوار المتمدن! لقد ابتلعت سيارة البلدية نفسها!
ديوجين: (يتأمل الحفرة بمصباحه) هذا هو "الخلاء الوجودي". إنها ليست حفرة في الإسفلت، إنها حفرة في الوعي العربي. كلما عجزوا عن الإجابة على سؤال، حفروا له حفرة وتركوا الأيام تردمها بالنسيان! لا تراجع! السقوط في هذه الحفرة أرحم بكثير من الانتظار على عتبات موظف يقرأ رسائلك ويمضغ العلكة!
الإنفلونسر: (يتقدم بخطوات ثابتة نحو حافة الحفرة ممسكاً بالرينغ لايت) عفيية عليكم شباب! قعوا في الحفر.. تحولوا إلى ضفادع.. اصنعوا عالمكم الخاص في الأسفل، لأن الأعلى قد استُهلك بالكامل في غسيل المعاملات وتطنيش الكلمات! يلا خل نطلع لايف من داخل الجورة ونطنش الكومنتات! (يلتفت للجمهور) أيها الواقفون في طوابير الانتظار! تابعوا الحساب عشان تشوفون السقوط لايف!
(يتحرك سادن السيستم من خلف مكتبه ببطء، يحمل يافطة خشبية صغيرة، يضعها بجانب الحفرة بكل برود. اليافطة مكتوب عليها: "مشروع تطوير السياحة الفضائية - يرجى عدم الردم").
سادن السيستم: (ينظر للحفرة ثم للثلاثة) شفتوا؟ المحمية جاهزة. الحين تقدرون تنزلون وتسوون قروب واتساب هناك.. بس هاه، لا تدزون مسجات عقب الساعة ثنتين الظهر.. لأني حاط التليفون "Silent"!
(يقفز الإنفلونسر أولاً في الحفرة ملوحاً بهاتفه، يتبعه ديوجين وهو يلقي بمصباحه الزيتي في العمق، ثم عبد الله مطلق القحطاني الذي يحتضن لابتوبه ويقفز وهو يصرخ: "لقد تحولت المعاملة إلى أثر تاريخي!").
(تبقى الساحة فارغة تماماً، باستثناء سادن السيستم الذي يعود لمكتبه، يأخذ رشفة أخير من الشاي، ويمسك هاتفه ليرسل مسجاً لزوجته: "سوي غدا مجبوس، أنا طالع طبيات".. وتخفت الإضاءة تدريجياً حتى يسدل الستار على صوت رنين "واتساب" مكرر وبارد).



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحية من فصل واحد: هَذَيَانُ العَلامَةِ الزَّرْقَاءِ.. وَمَ ...
- مسرحية: موسم الهجرة إلى التيك توك.. أو انتحار متحدث فصيح في ...
- غسيل تاريخي في مقهى حداثي: الطبري يتأبط ميكروفوناً وابن كثير ...
- سيناريو مسرحي كامل: -ترمي بشرر.. في سوق عكاظ الرقمي-
- من حظيرة الرعية إلى فضاء المواطنة: دليلك الساخر لتفكيك العبو ...
- الحاكمية واللابتوب: حوار فوق صفيح تراثي ساخن!
- وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي
- طرقات على باب الغزالي: محاكمة العقل السائل
- تفكيك الأبوية التاريخية: سجال صارخ بين سيف الطاغية ووعي التن ...
- مسرحية: حفريات الشك ومحاكمة النص
- حانة الوعي المر: حوارية فلسفية وجودية بين نجيب الريحاني وعبد ...
- مسرحية: فلسفة الصعلوك وصدمة المفكر
- عنوان العرض: -برزخ الأفكار القلقة-
- حواف الحبر.. وظلال النص
- برزخ المطارق: حوار فوق الغمام
- خريف النص: رحلة في وادي الشك.
- مسرحية ذهنية: برزخ السطور المتمردة
- تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والف ...
- البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكي ...
- سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند


المزيد.....




- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - سكان برزخ التبلد: مأزق غير المقروء