أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - سيناريو مسرحي كامل: -ترمي بشرر.. في سوق عكاظ الرقمي-















المزيد.....


سيناريو مسرحي كامل: -ترمي بشرر.. في سوق عكاظ الرقمي-


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 10:45
المحور: الادب والفن
    


الشخصيات الرئيسية:
عبده خال: كاتب وروائي سعودي في الستينات من عمره. يرتدي ثوباً أبيض حجازياً واسعاً بياقة مفتوحة، وشماغاً موضوعاً على كتفيه دون عقال. يتحدث بنبرة تهكمية هادئة، يمتلك بروداً وثقة عالية أمام النقد، ويحمل في يده قلم حبر مضيء وجائزة البوكر العالمية.
المقريء الإدريسي: مفكر إسلامي وواعظ مغربي معاصر. يرتدي جلباباً مغربياً صوفياً داكناً مع "البلغة" التقليدية وطاقية بيضاء. يتحدث بلغة عربية فصحى مقعرة وتشنج خطابي، ملامحه جادة وصارمة جداً، ويحمل دائماً بياناً ورقياً طويلاً مطوياً.
أبو جُلْمُود: الرقيب الحكومي المسؤول عن إجازة المطبوعات. رجل خمسيني بائس، يرتدي ثوباً رمادياً قديماً ونظارة طبية سميكة مكسورة الإطار، محاط بأكوام من المعاملات الحكومية، ممسك بختم أحمر ضخم، ويشرب الشاي في كوب زجاجي صغير (بيالة) باستمرار.
المشهد الأول: صدام في وادي الحبر
[الموقع: خشبة مسرح مقسمة بصرياً إلى نصفين بالإضاءة. النصف الأيمن يمثل "حارة شعبية في جدة القديمة" بجدرانها الطينية المتهالكة وأسلاك الكهرباء المتشابكة، والنصف الأيسر يمثل "قاعة مؤتمرات فخمة" بجدران زجاجية شاحبة تعكس أرقام شاشات البورصة ومنصات التواصل].
[المؤثرات الصوتية: تبدأ المسرحية بصوت دندنة حجازية قديمة "مجرور" ممزوجة بصوت نقر روتيني ومزعج لآلة كاتبة قديمة].
[الإضاءة: ضوء موضعي (Spotlight) أزرق دافئ يسقط على "عبده خال" وهو يجلس على صندوق خجول من الخشب في الحارة الشعبية، يقلب صفحات روايته "ترمي بشرر". فجأة، يقتحم "المقريء الإدريسي" المسرح من جهة القاعة الفخمة، ويسلط عليه ضوء أبيض حاد وعالٍ. يتقدم بخطوات واسعة ويوجه سبابته نحو عبده خال].
المقريء الإدريسي: (بصوت جهوري أجش) قف عندك يا صاحب الشرر! قف حيث أنت ولا تزد خطوة واحدة بحبرك هذا! هل أنت مَن ملأ الآفاق برواية تهدم صروح العفة وتشرعن للميوعة في جسد الأمة؟ كيف سمح لك ضميرك الأدبي بنشر هذه الغواية؟ لقد جئناك بالاحتجاج من أقصى المغرب، وسنظل نحذر من سمومك التي تفتت العقول!
عبده خال: (لا يتحرك من مكانه، يرفع نظارته الطبية ببطء، وينظر إليه ببرود متهكم) يا هلا.. يا مسهلا بمولانا الشيخ المقرئ. خذ نفساً عميقاً يا رجل، واجلس على هذا الصندوق الخشبي ليرتاح جلبابك. نحن هنا في وادي الكلمات، ولسنا في جبهة قتال طاحنة. غريب أمركم معشر الوعاظ.. تتركون القصور الشاهقة التي يُمارس فيها الفساد الفعلي بالمليارات على أرض الواقع، وتأتون بكل هذا الحماس لتمزيق "رواية" من ورق، لمجرد أنها وصفت ذلك الفساد وسلطت عليه الضوء!
المقريء الإدريسي: (يضرب بعصاه الأرض بحدة ويتنحنح خطابياً) الأدب في مفهومنا ليس مجرد مرآة تنقل الأقذار! الأدب رسالة طهر ونقاء، ووظيفته أن يرفع الأمة إلى منازل الفضيلة العالية، لا أن ينزل بها إلى دركات القاع، ويفتش في كواليس الغواية والشهوات المستترة تحت جنح الظلام! روايتك "ترمي بشرر" لم تترك ستراً إلا وهتكتْه باسم الفن!
عبده خال: (ينهض ببطء، ويمشي نحو الفاصل الإضاءي بين الحارة والقاعة) الفضيلة التي تبحث عنها يا شيخنا بنظام "النعام" الذي يدفن رأسه في الطين ليست فضيلة، بل هي نفاق اجتماعي معلب! الرواية ليست كتاب فقه، ولا خطبة جمعة نلقيها لنهز بها رؤوس المصلين. الرواية هي مبضع جراح يفتح الجرح العفن ليخرج الصديد. أنا التقطتُ في روايتي أصوات المهمشين، والفقراء، والذين سُحقت كرامتهم الإنسانية تحت أقدام النفوذ والمال. أخبرني بالله عليك: هل قلقك على "الأخلاق اللفظية" في سطور روايتي، أكبر من قلقك على "الأخلاق الإنسانية" التي انتهكها الطغاة في الواقع؟
المقريء الإدريسي: (يلتفت نحو الجمهور، رافعاً يديه كأنه يخطب في حشد) انظروا كيف يبررون نشر السقوط باسم الصدق الفني والواقعية! التنوير الحقيقي لا يأتي من نبش القاع ومستنقعاته يا عبده! التنوير يأتي بالعودة إلى الأصول الثابتة، وتهذيب النفوس بالوحي، لا بفضح المستور ونشر المخازي بين العوام!
عبده خال: (يضحك بسخرية مريرة، ويشير بقلمه المضيء نحو الشاشات الرقمية) فضح المستور؟ يا مولانا، الفساد في عصرنا هذا لم يعد مستوراً أصلاً! إنه يملك منصات بث تفاعلية، وحسابات بنكية موثقة، ويُعرض بجودة 4K على شاشات الهواتف في جيوب أطفالك، وأنت لا تزال تظن أن الخطر الأكبر على الأمة يكمن في بضعة أسطر كتبها روائي من حارة شعبية بائسة في جدة!
المقريء الإدريسي: (يتشنج، ويخرج بيانه الورقي ويفتحه بغضب) بل الكلمة هي المبتدأ والمنتهى! والمنع والحظر هما السياج الذي يحمي السذج من الانجراف خلف بريق قلمك المسموم!
عبده خال: (يقترب منه حتى تكاد تتلامس كتفاهما) المنع والحظر اللذان تطالب بهما هما أكبر خدمة ودعاية مجانية قدمتموها لروايتي عبر التاريخ! كلما خرج واعظ في التلفزيون يصرخ "امنعوا هذا الكتاب"، كلما ركض آلاف الشباب في نفس الدقيقة لتحميله بصيغة "PDF" عبر الإنترنت. الرقابة ماتت إكلينيكياً وشبعت موتاً في عصر الفضاء المفتوح والذكاء الاصطناعي، ولم يبقَ حياً ومقاوماً إلا النص الحقيقي الذي يهز الوجدان الإنساني ويجبره على التفكير.
المقريء الإدريسي: (ينظر إلى الفراغ بذعر، ويهمس بنبرة منكسرة) أإلى هذا الحد وصلت سطوة هذه الآلات؟ تباً لعصر رقمي أصبح فيه المنع سبباً للشهرة، وأصبح فيه الدعاة والمصلحون غرباء في سوق الأفكار!
عبده خال: (يضع يده على كتف الإدريسي بابتسامة حجازية) لستم غرباء يا شيخنا.. أنتم فقط تحاربون طواحين الهواء بسيوف خشبية من القرون الوسطى. اترك الرواية للقراء، ودع التاريخ والزمن يحكمان من الذي دافع عن الإنسان بحق: الوعظ الذي يغطي العيوب بالبخور والخطب، أم الرواية التي ترمي بشرر حارق لتضيء عتمة الحقيقة؟
المشهد الثاني: في حضرة الختم البيروقراطي
[الموقع: ينفتح عمق المسرح لتظهر غرفة روتينية ضيقة جداً وكئيبة. مكتب حديدي رمادي قديم مغطى بآلاف الأضابير والمعاملات الرسمية. مروحة سقف حديدية تدور ببطء شديد وتصدر صريراً رتيباً ومستفزاً].
[يجلس "أبو جلمود" خلف المكتب، واضعاً نظارته المكسورة على أرنبة أنفه، وبيده ختم أحمر ضخم يرفعه ويهبط به على الأوراق بصوت روتيني مدوٍ: "طاخ.. طاخ". يجلس عبده خال أمامه على كرسي خشب يصر، بينما يقف المقرئ الإدريسي بجانب الرقيب كأنه ظله القانوني والأخلاقي].
أبو جلمود: (ينفخ في فنجان شايه الساخن، ودون أن ينظر إليهما) طيب.. يا جماعة الخير، اسمعوني جيداً. نحن هنا لسنا في صالون ثقافي، ولا في معرض الشارقة أو الرياض. هذا "مكتب الرقابة وإجازة المطبوعات"، مكتب حكومي يخضع للائحة والأنظمة الصارمة. (يمسك برواية ترمي بشرر المليئة بالملصقات الفسفورية الملونة) يا أستاذ عبده خال، تقرير الشيخ المقرئ الإدريسي المرفق بالمعاملة رقم 405 يقول إن الصفحة رقم 45 من روايتك تحتوي على وصف يهز السلم الأخلاقي ويخدش الحياء العام. ما هو دفعك الروتيني قبل أن أهوي بهذا الختم الأحمر؟
عبده خال: (يتكئ بمرفقه على المكتب ببرود تام) يا سيد أبو جلمود، الصفحة 45 لا تخدش الحياء، هي تخدش "النفاق الاجتماعي" فقط وتعريه! أنا وصفتُ حارة شعبية ينام أطفالها جياعاً على الطين، بينما يمر بجانبهم قصر فاره يُهدر فيه ثمن عشاء كلب حراسة واحد لإطعام الحي بأكمله لسنوات. الشيخ المقرئ انزعج بشدة من المفردات الحادة التي استخدمتُها لوصف هذا البؤس، ولكنه لم ينزعج مطلقاً من وجود البؤس الفعلي على أرض الواقع!
المقريء الإدريسي: (يقاطع بحدة، ويضرب بيده على ملف المعاملات) كفى تلاعباً بالألفاظ والمجازات الروائية! أنت تبرر الوقاحة الفنية باسم الواقعية الاجتماعية. المجتمع المسلم فيه الصالح وفيه الطالح، فلماذا تصر عينك وقلمك على التقاط العفن والقمامة فقط؟ لماذا لا تكتب رواية عن مساجد جدة، عن حلق الذكر، عن العلماء الأجلاء الذين ينيرون العتمة؟ إن قلمك يختار المستنقعات والبرك الآسنة عمداً ليفوح ريحها!
عبده خال: (يقف ويمشي ببطء خلف كرسي أبو جلمود، ويشير بقلمه) لأن وظيفة الروائي الحقيقي يا مولانا هي تشريح الوجع البشري، وليس بيع مساحيق التجميل والبودرة لإخفاء التشوهات! المساجد والعلماء وحلق الذكر يملكون منابر مسموعة، وقنوات فضائية، وميزانيات ضخمة. لكن أخبرني: من يملك منبراً لذلك العامل البسيط المجهول الذي سُحقت حقوقه الإنسانية خلف أسوار تلك القصور؟ من يتحدث عن الفتاة التي أصبحت ضحية لنظام أبوي جاف وقاسٍ؟ الرواية هي صوت من لا صوت له في هذا العالم. إذا كنت تريد أدباً يمدح المظهر الخارجي ويخفي العورات، فاذهب واقرأ دواوين شعراء البلاط القدامى، أما أنا فأنتمي لطين الأرض وحقيقة البشر العراة من الشعارات.
أبو جلمود: (يهز رأسه بملل روتيني، ويقلب الصفحات بإصبع مبلل باللعاب) كلامك ممتاز وجميل جداً في المقابلات الثقافية والتلفزيونية يا أستاذ عبده، لكن النظام عندي هنا واضح كالشمس. (ينظر للإدريسي بنظرة عاتبة) وأنت يا شيخنا المقرئ، تطالب في تقريرك بمنع الرواية كلياً وسحبها من كافة الأسواق والمكتبات. هل تعلم ماذا يعني هذا في عالم البيروقراطية؟ هذا المنع سيتسبب لي في أزمة إدارية خانقة! سيتعين عليّ ملء خمسين استمارة رسمية، وشرح أسباب المنع القانونية للوزارة، والوزارة ستحيلها للجنة العليا، واللجنة العليا مشغولة الآن بتنظيم الندوات! لماذا تعقدون عملي؟
المقريء الإدريسي: (بذهول واستنكار شديد) أأجل ورق واستمارات تتكاسل عن حماية عقول الناشئة وحفظ عقيدة الأمة؟ تكتب خمسين استمارة أو مائة لتنقذ جيلاً كاملاً من التحلل والغواية الأدبية! إن الرقابة الحكومية هي حصن الفضيلة الأخير في هذا العالم، وإذا سقط هذا الختم الذي بيدك، سقط المجتمع كله في مستنقع العلمانية والميوعة الفكرية!
عبده خال: (يضحك بصوت عالٍ ويهز كتفيه بسخرية) حصن الفضيلة؟ يا مولانا، الرقيب أبو جلمود يعلم تماماً في قرارة نفسه، وأنا أعلم، وأنت أيضاً تعلم، أن الحصون والأسوار القديمة سقطت وتلاشت منذ أن وُضع أول قمر صناعي في الفضاء الخارجي. الرقابة اليوم في عصرنا هذا أصبحت مجرد وظيفة روتينية باهتة للحصول على راتب نهاية الشهر وتأمين التقاعد. لو ختم أبو جلمود بختم المنع الأحمر الآن، سأقوم بنشر الرواية فوراً على حسابي في منصات التواصل، وسيقوم القراء في بلدك -المغرب- بنسخها وتداولها كفعل متمرد وممتع ومجاني. المنع في العصر الرقمي هو بمثابة "صك جودة عالمي" يضمن للكاتب أن كتابه يستحق القراءة والمخاطرة!
أبو جلمود: (يتنهد بعمق يخرج من أحشائه، وينظر لختمه الأحمر بقلة حيلة وانكسار) والله يا عبده.. كلامك يلمس الحقيقة ويمشي مع الواقع. في الأسبوع الماضي فقط، جاءنا تقرير يطالب بمنع كتاب ضخم في الفلسفة الحديثة، فمنعناه والتزمنا بالنظام. وفي اليوم التالي مباشرة، وجدته يتصدر قائمة المبيعات والأكثر تحميلاً على شبكة الإنترنت، وجاءني ابني الصغير في البيت يحمل هاتفه ويسألني عن محتوى الكتاب المنعزل! الرقابة في هذا الزمن أصبحت مثل رجل بائس يحاول حجب ضوء الشمس بـ "غربال مخروق" ومليء بالثقوب.
المقريء الإدريسي: (يتراجع خطوات إلى الخلف ببطء، ويهز رأسه بأسى وسوداوية) يا ضيعة الدين والأخلاق والقيم.. إذا أصبح الرقيب الحكومي يبرر للمؤلف وقاحته، وأصبح النظام والقانون عاجزين أمام الشاشات الرقمية العابرة للقارات، فماذا بقي لنا لإنقاذه؟ إنها حداثة عمياء تقود البشرية جمعاء نحو هاوية سحيقة لا قاع لها!
عبده خال: (يتقدم نحو المكتب، يسحب روايته "ترمي بشرر" من تحت يد أبو جلمود بثقة، ويضع قلمه المضيء في جيب ثوبه) لم يبقَ لنا يا شيخنا إلا شيء واحد.. الصدق العاري والمواجهة. دعوا المجتمع يقرأ، ويناقش، ويفكر، ويرفض، ويقبل بناءً على عقله وتجربته. الفضيلة الحقيقية والصامدة هي التي تواجه الواقع القاسي وتنتصر عليه في ميدان الحياة، وليست الفضيلة المزيفة والمعلبة التي تعيش مستترة وخائفة خلف جدران الرقابة السميكة ومكاتب الموظفين. (يلتفت لأبو جلمود بابتسامة) شكراً على الشاي الدافئ يا أبا جلمود، ونصيحة محب: خزن ختمك الأحمر هذا في درج الذكريات القديمة بجانب الآلة الكاتبة، فالأفكار البشرية في عصرنا هذا لم تعد تُختم أو تُحبس باللون الأحمر.
[يبدأ عبده خال بالخروج من الغرفة بخطوات واثقة وثابتة وهو يدندن بلحنه الحجازي، بينما يقف أبو جلمود ممسكاً بختمه في الهواء، متردداً ومحتاراً في ضرب الورقة، في حين يرفع المقرئ الإدريسي يديه وعينيه نحو السماء متمتماً بأدعية واستغفارات بصوت منخفض. تبدأ الغرفة بالاختفاء تدريجياً مع تصاعد الغبار الكثيف مع دوران المروحة المزعج وسقوط الأوراق].
[ستار].

المشهد الثالث: "البث المباشر ومقصلة التريند"
الشخصيات الجديدة:

المُذيع (رائد): إعلامي شاب، يرتدي بدلة عصرية ضيقة جداً، حواجب دقيقة ومصففة، يتحدث بنبرة استعراضية سريعة ومصطنعة. يحمل ميكروفوناً ذهبياً ويتحرك بلياقة ممثلي المسرح التجاري.

السينوغرافيا:
ستوديو تلفزيوني ذكي وعصري كأنه قادم من المستقبل. الجدران الخلفية عبارة عن شاشات عملاقة تبث بثاً مباشراً تفاعلياً على منصات (TikTok, YouTube, X). تتدفق التعليقات، ورموز القلوب، والسيوف، والنيران، وعداد المشاهدات باللون الأحمر يتحرك بجنون: (5M .. 8M .. 12M مشاهد). في منتصف الاستوديو، ثلاث منصات مضيئة تشبه حلبة المصارعة.

[تبدأ المؤثرات الصوتية بموسيقى تشويقية صاخبة ترمز لبرامج "التوك شو" الإثارة. تومض الإضاءة باللونين الأحمر والأزرق كأنه هجوم أمني. يدخل المذيع رائد وهو يهرول نحو منتصف المسرح، يبتسم للكاميرا الوهمية أمام الجمهور بابتسامة هوليوودية عريضة].
المذيع: (بصراخ حماسي) أهلاً بكم مشاهدينا في حلقة القرن! البث المباشر الآن يتخطى كل الأرقام القياسية! الليلة.. على الهواء مباشرة، المواجهة الكبرى التي منعتها الرقابة! الروائي الجريء عبده خال، في مواجهة الواعظ الشرس المقرئ الإدريسي! ومن يمسك بزمام التحكيم؟ الرقيب الشهير أبو جلمود! شاركونا تعليقاتكم على الهاشتاق الظاهر أسفل الشاشة: #مقصلة_الشرر.
[تتحرك المنصات المضيئة. يظهر "عبده خال" جالساً ببرود واضعاً رجلاً فوق رجل ويمسد لحيته. وفي المنصة المقابلة، يقف "المقريء الإدريسي" ممسكاً بسبحته الطويلة كأنه يستعد لمعركة. وفي المنصة الثالثة في المنتصف، يجلس "أبو جلمود" وهو يرتعد خوفاً من الأضواء والكاميرات، واضعاً ختمه أمامه كأنه حرز].
المذيع: (يوجه الميكروفون نحو الإدريسي) شيخنا المقرئ.. التعليقات الآن على البث تتهمك بأنك تعيش في جلباب الماضي، وأن هجومك على رواية "ترمي بشرر" هو الذي جعلها "تريند" عالمي الليلة! ما هو ردك الفوري؟
المقريء الإدريسي: (يقترب من الشاشة العملاقة خلفه، ينظر إلى الرموز التعبيرية المتطايرة برعب واشمئزاز) يا للهول! ما هذا الطوفان من الصور الساخرة؟ أحدهم يرسل لي صورة وجه يضحك، والآخر يرسل لي "إيموجي" حذاء! هل هذه هي الحداثة التي بشرتمونا بها؟ جيل كامل لا يحسن صياغة جملة مفيدة، بل يعبر عن فكره بالرسومات الصبيانية! أنا لا أبحث عن "تريند" يا هذا! أنا جئت لأدفع عن عقول هؤلاء الشباب سموم الفجر الأدبي التي يقطر بها قلم هذا الروائي!
عبده خال: (يضحك بهدوء، ويوجه كلامه للمذيع) يا سيد رائد، الشيخ المقرئ مصاب بـ "فوبيا التكنولوجيا". هو يظن أن الجمهور لا يزال يجلس في حلقات الاستماع تحت المسجد وينتظر منه صكوك الغفران. انظر إلى الشاشة يا مولانا.. هؤلاء الشباب الذين تذم رسوماتهم، هم الذين يديرون العالم الآن من خلف شاشات هواتفهم. هم يضحكون من خطاباتك المتشنجة لأنها ببساطة لا تجيب عن أسئلتهم الحقيقية حول البطالة، وحرية التعبير، والمستقبل. روايتي لم تُفسد أحداً، روايتي فقط أخبرتهم أن القبح موجود خلف أسوار العفة المزيفة التي تبيعها لهم في خطبك!
المذيع: (يقفز نحو الرقيب أبو جلمود، ويوجه له الكاميرا فجأة) أستاذ أبو جلمود! بصفتك الرقيب الرسمي.. الشارع يغلي! الملايين في التعليقات يطالبونك بضرب الختم وإغلاق البث، وملايين أخرى تهدد بمقاطعة القناة إن منعت الرواية! أنت الآن في عين العاصفة.. ماذا ستفعل؟
أبو جلمود: (يمسح عرق جبينه بملف حكومي، يتلعثم والصوت يرتجف في حنجرته) أنا.. أنا عبد المأمور! النظام يقول.. أقصد اللائحة تنص.. (ينظر للشاشات المرعبة التي تبث تعليقات المتابعين) يا جماعة الخير، التعليقات سريعة جداً، لا أستطيع قراءتها بنظارتي المكسورة! أحدهم يكتب "كفو عبده"، والآخر يكتب "اطردوا الروائي". كيف أُرضي خمسة عشر مليون مشاهد بختم واحد؟ لو منعتُ الرواية سيقاضونني بتهمة قمع التنوير، ولو أجزتُها سيقاضونني بتهمة هدم الأخلاق! أنا أطالب بإحالة البث المباشر كلياً إلى اللجنة العليا!
المقريء الإدريسي: (يصرخ متشنجاً وهو يشير إلى عداد المشاهدات) اللجنة العليا ماتت يا أبا جلمود! المحكمة الآن يديرها هؤلاء الرعاع خلف الشاشات! انظروا إلى هذا السقوط.. الرواية التي منعتَها في مكتبك، يتم الآن بيعها وتداولها في تعليقات البث المباشر أمام عينيك عبر روابط مقرصنة! السحر انقلب على الساحر، والباطل أصبح يُنشر بنقرة زر!
عبده خال: (ينهض من منصته، ويمشي بثقة نحو الشاشة العملاقة، يلمس التعليقات المتدفقة بيده) ليس باطلاً يا شيخنا.. هذا هو "سوق عكاظ الرقمي". هنا لا توجد سلطة لواعظ، ولا سلطة لرقيب. الكلمة الحقيقية هي التي تفرض نفسها. روايتي "ترمي بشرر" لم تعد ملكي، ولم تعد ملكاً لأبو جلمود ليمنعها؛ أصبحت ملكاً لهؤلاء الملايين الذين يعيدون قراءتها وتشريحها بوعيهم الجديد. عصر الوصاية الفكرية انتهى إلى الأبد، والتريند الذي تخاف منه هو مقصلة النفاق الاجتماعي.
المذيع: (بإثارة بالغة) تنبيه عاجل! خوارزميات المنصة تقوم الآن بعمل "بلوك" لحساب الشيخ المقرئ بسبب تبليغات جماعية من المتابعين تحت بند "خطاب تشنجي معادي للحداثة"!
المقريء الإدريسي: (يسقط على ركبتيه في منصته، مصدوماً وممسكاً ببيانه الممزق) حظروني؟ أخرسوا صوت الحق بتبليغات وهمية؟ يا لغرابة هذا الزمان.. الآلة أصبحت تكفّر الوعاظ!
عبده خال: (ينظر إلى الإدريسي بنظرة شفقة أدبية مريرة) الآلة لا تكفّر أحداً يا مولانا.. الآلة فقط تلفظ من يرفض العيش في زمانها. (يلتفت لأبو جلمود الذي يمسك بختمه بذهول) وأنت يا أبا جلمود.. خذ ختمك واذهب لتقاعدك بسلام، فالأفكار اليوم أصبحت تطير بلا أجنحة، ولا تحتاج لـ "إذن عبور" من موظف.
المذيع: (يصرخ للكاميرا مع تصاعد الموسيقى الصاخبة) انتهى الوقت! طار التريند! وعاشت الحداثة الرقمية! إلى اللقاء في مواجهة أخرى!
[تنفجر الشاشات الخلفية فجأة بإضاءة بيضاء مبهجة ومكثفة تحجب الرؤية كلياً. وسط الضوء، يختفي المقرئ الإدريسي وأبو جلمود تماماً في الظلام، بينما يبقى "عبده خال" واقفاً في منتصف المسرح، يرفع قلمه المضيء نحو الجمهور بابتسامة نصر هادئة وساخرة، والتعليقات الرقمية تلتف حوله كأنها هالة من نور].
[سد الستار] .



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من حظيرة الرعية إلى فضاء المواطنة: دليلك الساخر لتفكيك العبو ...
- الحاكمية واللابتوب: حوار فوق صفيح تراثي ساخن!
- وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي
- طرقات على باب الغزالي: محاكمة العقل السائل
- تفكيك الأبوية التاريخية: سجال صارخ بين سيف الطاغية ووعي التن ...
- مسرحية: حفريات الشك ومحاكمة النص
- حانة الوعي المر: حوارية فلسفية وجودية بين نجيب الريحاني وعبد ...
- مسرحية: فلسفة الصعلوك وصدمة المفكر
- عنوان العرض: -برزخ الأفكار القلقة-
- حواف الحبر.. وظلال النص
- برزخ المطارق: حوار فوق الغمام
- خريف النص: رحلة في وادي الشك.
- مسرحية ذهنية: برزخ السطور المتمردة
- تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والف ...
- البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكي ...
- سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند
- سيناريو مسرحي قصير: إعراب العبث
- حفريات اللاهوت مقابل صدمة الشاشة: دراسة مقارنة بين عبدالله م ...
- اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضا ...
- أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين و ...


المزيد.....




- 32 موقعا روسيا تنتظر إدراجها في قائمة اليونسكو
- لأول مرة.. مواقع من جزر القمر وجنوب السودان على قائمة التراث ...
- بعد 13 عاما من اللجوء.. حفيد -غاندي العرب- يعود إلى الجولان ...
- 13 رواية من 7 دول.. الجائزة العالمية للرواية تعلن قائمتها ال ...
- -أمريكا تحت حكم المسنين-.. كيف احتكر كبار السن السلطة والثرو ...
- كلاكيت: بعد أكثر من نصف قرن مازلنا نعشق فيلم «العراب»
- -سينرجي- تقرر عدم الإفصاح عن إيرادات فيلم -خلي بالك من نفسك- ...
- -من يرمي الحجر الأول-.. مسرحية سورية تستنطق العدالة في قفص - ...
- نمر سعدي: جماليات الدهشة وفتنة المجاز
- -اشتباكات غابة الأرز- لإسماعيل غزالي.. الرواية الإيكولوجية و ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - سيناريو مسرحي كامل: -ترمي بشرر.. في سوق عكاظ الرقمي-