طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 14:10
المحور:
الادب والفن
الشخصيات:
أبو عثمان الجاحظ: (70 عاماً) يرتدي جبّة واسعة مليئة بالجيوب الداخلية والخارجية المحشوة بالأوراق والمحابر. عيناه جاحظتان بشكل بارز، يتحدث بنبرة هادئة لكنها مشحونة بتهكم حاد، ويدقق في كل مفرَدة لغوية كأنه يشرح جثة.
أبو الطيب المتنبي: (35 عاماً) في قمة وسامته ونرجسيته. يرتدي عباءة فاخرة جداً مطرزة بخيوط ذهبية، يجلس بظهر مستقيم متصلب كأنه يجلس على عرش، يده لا تفارق مقبض سيفه، ونظراته حادة تخترق من أمامه.
مودي فاشن: (22 عاماً) إنفلونسر وبلوغر معاصر. يرتدي سروال جينز ممزقاً بشكل مبالغ فيه، وقميصاً واسعاً "أوفر سايز" بألوان صارخة، يضع نظارة شمسية داخل المقهى، ويحمل "رينغ لايت" متنقلاً على حامل ثلاثي وهاتفين موصلين ببطارية خارجية.
الديكور والسينوغرافيا:
زاوية متداخلة زمنياً في مقهى "الشابندر" ببغداد أو "الفيشاوي" بالقاهرة. من جهة اليمين: رفوف خشبية عتيقة مكدسة بكتب صفراء ومحابر ريش وطاولات خشبية قديمة. من جهة اليسار: إضاءات نيون متقطعة، جدار إسمنتي عليه شعار "TikTok" و"Instagram"، وحامل شواحن هواتف. في الوسط، طاولة مشتركة تجمع العصرين.
بداية العرض
(يفتح الستار على الجاحظ وهو يجلس منحنياً على أوراقه، يغمّس الريشة في الحبر ويكتب ببطء شديد، ثم يتوقف ليتأمل جرة قلم. في المقابل، يجلس المتنبي واضعاً رجلاً فوق رجل، يمسك بمرآة جيب صغيرة، يعدل شاربه وكبرياؤه يملأ المكان).
الجاحظ:
(يدون بصوت مسموع) "... وأما اللحنُ في لسان أهل العصر، فهو ليس مجرد عيبٍ في النطق، بل هو فسادٌ في القريحة، وهبوطٌ في النَّفْسِ من مراتب الإنسانية إلى رتبة البهيمية..." (يرفع رأسه وينظر للمتنبي) أبا الطيب، أراك منذ الفجر تتأمل وجهك في تلك المرآة الصغيرة، كأنك تخشى أن يسرق الزمان من حسنك شيئاً!
المتنبي:
(يغلق المرآة بحدة تصدر رنيناً، دون أن ينظر للجاحظ)
يا أبا عثمان، أنا لا أتأمل حسناً زائلاً، بل أطمئن على وجهٍ إذا رآه الملوك طأطأوا رؤوسهم، وإذا نظرت إليه الرعايا حسبتني نبياً! لستُ كمن يحشو جيوبه بالأوراق الميتة ليثبت للناس أنه حي. أنا قصيدتي تمشي بين الناس بروحها، وخيلي تصهل في قلوب الخائفين.
الجاحظ:
(يبتسم ساخراً ويعدل جلسلته)
أعلم، أعلم.. "الخيل والليل والبيداء تعرفك".. لقد صممت آذاننا بهذا البيت! لكنك نسيت أن "القرطاس والقلم" يعرفانني أنا، وبدونهما لضاع خيلك في مجاهل النسيان، ولما عرف الناس أكنت شاعراً أم مجرد قاطع طريق مدّاح!
(فجأة، يُسمع صوت صاخب من خلف الكواليس.. إيقاع موسيقى "تيك توك" سريعة ومزعجة، يليه صوت تمطيط في الكلام).
صوت مودي (خلف الكواليس):
أوه ماي غاد! قايز، الـ "لوكيشن" (Location) دمار! الفايبز هنا "أولد موني" (Old Money) حقيقي.. كلاسيك يموت!
(يدخل مودي فاشن وهو يدور بحامل الإضاءة الدائرية "الرينغ لايت"، يوجه الكاميرا لوجهه، ويمشي بطريقة عارضي الأزياء. المتنبي يضع يده فوراً على مقبض سيفه ويقف نصف وقفة، بينما الجاحظ يتسع جحوظ عينيه بدهشة علمية).
مودي:
(يصرخ بوجه الهاتف) هلا والله بالرّبع! لايف مفاجئ من فندق خمس نجوم عباسي! شوفوا الأجواء تجنن. (يلمح المتنبي) واو! شوفوا هذا الأخ.. كاشخ كشخة مو طبيعية! العباءة "أوفر سايز" (Oversized) واللحية محددة ليزر "شارب" (Sharp) تجنن!
المتنبي:
(يهدر بصوت جهوري يهز أركان المقهى)
مَن هذا المَسخُ الأثيم الذي يقتحم خلوة أحمد بن الحسين؟ ومَن "الأخ" يا ثقيل الدم ويا ركيك اللفظ؟ أتقول عن بُردتي هذه "أوفر سايز"؟ إنها من نسيج دمشق، خُيطت بماء الذهب، لا يرتديها إلا من تشرف بمدحه الملوك، أو من "طگله إصبع" عظماء الدهر!
الجاحظ:
(يشير بيده للمتنبي ليهدأ، ثم يتفحص مودي من الأعلى إلى الأسفل)
رويدك يا أبا الطيب، لا "تُروّج" لنفسك بالصياح. دعني أدرس معالم هذا الكائن. (يلتفت لمودي) أخبرني يا بني.. أرى سروالك خَرِقاً، متمزقاً من عند الركبتين والفخذين، كأنك تعرضت لهجوم كاسح من كلاب الكرخ السائبة! أأنت من بقايا جند خسروا معركتهم فمُزقت ثيابهم، أم أنك كنت "تصلّح" سيارتك العاطلة في الصّناعية وجئت إلينا دون غسيل؟
مودي:
(يضحك بضحكة مائعة، ويعدل نظارته الشمسية بإصبعه)
ويع! صناعية شو حجي؟ صدمتني وربي! هذا "ديستريسد جينز" (Distressed Jeans) من براند عالمي! البنطلون هذا سعره "دفترين" بأسواق بغداد ودبي! أنت شكلك حدّك "سوق الباليه" ومو متابع "الفاشن ويك" (Fashion Week). بس تدري؟ عيونك فيها جحوظ مرعب.. تصلح تسوي فيها مقاطع "رعب" على التيك توك وتجيب ملايين الفيو!
الجاحظ:
(يفتح دفتره بسرعة، يغمّس الريشة بالحبر ويبدأ بالكتابة بحماس)
"دفترين".. "تيك توك".. "سوق الباليه".. "فاشن ويك".. "الفيو"! يالك من بئر لا تنضب من اللحن والعجمة! اسمع يا فتى، عيناي جاحظتان لفرط تطلعي في بطون الكتب والبيان وشوارد اللغة، فما بال عينيك أنت مختبئتين خلف زجاجتين سوداوين ونحن في جوف الليل وظلمة المقهى؟ أأنت مطلوب لشرطة الوالي وهارب من القصاص، أم "مضروب بوري" من الحبيبة وتبكي خلف الزجاج كي لا يرى الناس انكسارك؟
مودي:
(يتجاهل الجاحظ، ويزحف بالهاتف نحو وجه المتنبي)
سيبك من العجوز دكتور.. أنت! الكاريزما عندك "إليغانت" (Elegant). الاستايل حقك ينفع نعمل عليه "تاغ" (Tag) لبراند عطور عربي عشان نضرب السوق. شو رأيك نعمل "فوتوسيشن" (Photoshoot)؟ سوي لي حركة هيبة.. ضع يدك على ذقنك وانظر للكاميرا نظرة "دادي" (Daddy) الغاضب!
المتنبي:
(يستل سيفه بالكامل ويضعه على الطاولة برنين مرعب، تشتعل عيناه غضباً)
أنا؟! أنا أحمد بن الحسين، الذي قيل فيه: "مالئ الدنيا وشاغل الناس".. أقف لألتقط صوراً لبرانداتك الدنيئة وثيابك الخرقاء؟!
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أدَبِي .. وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
الملوك والشركات وسيف الدولة هم الذين يسعون خلف غباري الخيل، وليس أنا من يضع "تاغاً" لنعل أو قماش!
مودي:
(يصفق بحماس شديد، ويوجه هاتف البث المباشر نحو السيف)
أوه ماي غاد! الكلمات دمار! "الناس صممت من جمال كلماتي".. هذا ينفع "كابشن" (Caption) يجنن للإنستغرام! قايز، كبسوا باللايكات، الشيخ يلقي شعر "راپ" (Rap) حزين وطالع "دادي فخم"، بس محتاج يسوي "هوليوود سمايل" وتبييض أسنان ليزر!
المتنبي:
(يقترب بالسيف من عنق مودي)
"دادي"؟! "وسمايل"؟! ويلك.. أتسخر من لغتي أم من حسبي؟ لولا أن قتلي لك لا يزيد في شرفي، لأسقيت الأرض من دمك اللغوي الفاسد! لو لم تبعد هذه "الحديدة" اللامعة عن وجهي، لجعلت سيفي هذا يسوي لك "تحديد" لرقبتك لا ينفع معه لا فوتوشوب ولا فلتر!
مودي:
(يتراجع للخلف برعب، يرتجف، لكن يظل ممسكاً بالهاتف ويصور)
يمّه! "إكستريم دراما"! قايز، شيروا البث سريع! صرنا المركز الثاني بالتريند.. الفزعة! الشيخ زعل وطلع السيف.. راح أنذبح لايف! (يلتفت للجاحظ مستنجداً) عمو.. فدوة قنع صاحبك، وربي راح أصعدكم "تريند أول" بالشرق الأوسط ونقاسمكم أرباح "التيك توك" وهدايا البث!
الجاحظ:
(يضع يده على يد المتنبي ليخفض السيف، ينظر لهاتف مودي بحزن ومرارة)
اغمد سيفك يا أبا الطيب، فلا يجوز قتل من لا يملك من العقل ما يحاسب عليه. (يتنهد) أموال من وراء هذا الهذر والهذيان؟ وا أسفاه على زمنٍ صار فيه "المحتوى الهابط" يرفع الوضيع بجهله، ويترك الأديب بلا عشاء! لقد ألفتُ كتاب "البخلاء" لأفضح قتار النفوس وشحّهم، وجئت أنت لتعلم الناس كيف يصبحون "مفلسين عقلياً" ويبيعون كرامتهم من أجل الشهرة!
مودي:
(ينظر للشاشة فجأة وتتسع عيناه بفرحة هستيرية)
أوه! جاSub (داعم) كبير بالبث أرسل لي "أسد" و"برج إيفل"! (يصرخ) الأسددد! كفووو! عمو الجاحظ.. الداعم يقول بالكومنتات: "الجاحظ كلامه عميق وچاي سنگين، خليه يفتح بودكاست ويسميه (سالفة جاحظية)". ساعة كلام واحدة تطلعون منها بمليون دينار رعاية وإعلانات (Sponsors)!
الجاحظ:
(يتوقف فجأة عن الكتابة، ينظر إلى ريشته الجافة، ثم ينظر لابن الحسين متردداً، ويهمس له)
أبا الطيب.. ما رأيك؟ مليون دينار؟ وساعة كلام واحدة مع "چاي سنگين"؟ إنها تعادل صرّة الدنانير التي كان يمنّ بها عليك سيف الدولة بعد عناء السفر والقصائد التعجيزية! ربما نجلس مع هذا الفتى ونعطيه "حلقة أولى" لعلنا نشتري وراداً جديداً وكتباً ومحابر؟
المتنبي:
(ينظر للجاحظ بذهول وعتاب شديد، يتراجع خطوة للخلف)
أحتى أنت يا أبا عثمان؟ فيلسوف الأدباء وبحر اللسان، تبيع البيان من أجل "أسد رقمي" و"سبونسر"؟ من أجل دراهم تأتي من أناس خلف الشاشات لا يفرقون بين الضاد والظاء؟!
إِذا رَأيتَ نُيوبَ اللَيثِ بارِزَةً .. فَلا تَظُنَنَّ أَنَّ اللَيثَ يَبتَسِمُ
والله لا أقيم في فضاءٍ أو أرضٍ يُقاس فيها مجد الرجال بعدد "اللايكات والكبسات"! سأرحل إلى شعب بوان أو مصر، فالبقاء هنا مع جيل "الرينغ لايت" هو عين الموت! (يمسك عباءته بسخط ويخرج بكبرياء عاصف).
مودي:
(يركض خلف المتنبي بالكاميرا حتى باب المقهى)
دادي استنى! سوّيت لك "تاغ"! الشيخ غادر الحفل يا جماعة.. شيلوا البث بالإكسبلور! (يعود للمقهى ويلهث، يوجه الكاميرا للجاحظ).
الجاحظ:
(يغلق كتبه ببطء، يتنهد بمرارة، ثم ينظر للهاتف بفضول علمي دقيق، يقترب من الكاميرا حتى تظهر عيناه جاحظتين بالكامل في الشاشة)
يا بني.. قبل أن يبرد الشاي وتضيع الرعاية.. أخبرني، هل هذا الـ "بودكاست" يحتاج إلى أن أغير جبّتي ومظهري، أم أكتفي بـ "اللوك" الحالي؟ وهل "الأسد" الذي طار في شاشتك يؤكل أم يُباع؟
(إظلام تدريجي للأنوار بينما مودي يشرح للجاحظ كيفية عمل الفلاتر، والجاحظ يدون الملاحظات بجدية كاملة).
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟