طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 08:56
المحور:
الادب والفن
(مسرحية ذهنية ساخرة في فصل واحد)
عتبة فكرية: الوعي الـمُعلّب في زجاجات الخوارزمية
لم يعد "أفيون الشعوب" يُباع في حانات الأيدولوجيا القديمة، ولا في دهاليز التنظيمات السرية؛ لقد جرى تقطيره وتعبئته في شاشات لمسية لا تتجاوز مساحتها بضع بوصات. في هذا الفضاء السريالي الذي نعيشه، تحولت "الحاكمية" من فضاء التنظير الفقهي والسياسي إلى "سلطة الخوارزمية العظمى"، وغدت "العصبية" التي أفنى ابن خلدون عمره في تفكيكها مجرد قطيع رقمي يُساق بنقرة زر من غرف "التوجيه المعنوي الافتراضي".
إننا لا نعيش عصر المعرفة، بل عصر "تهافت الوعي البشري"؛ حيث يُقاد الوعي الجمعي في عالمنا العربي عبر جيوش من "البوتات" والذباب الإلكتروني، التي تعيد هندسة الجهل وتدويره باسم "الحرية الرقمية". الإنسان المعاصر لم يعد مغترباً عن ناتج عمله كما ظن ماركس، بل بات مغترباً عن إنسانيته وعقله الحر، ليتحول إلى "تابع" مستلب، يقتات على وهم "الريتش" ويبيع سيادته الفكرية مقابل "صك غفران" رقمي يمنحه له خبير تسويق أو ذبابة سلطوية تملك سيرفر مأجور.
هذه اللوحة المسرحية ليست مجرد عبث أدبي، بل هي مشرط تشريح نقدي نحاول من خلاله سبر أغوار هذا العبث الرقمي، وإعادة الاعتبار للعقل البشري أمام طوفان الزيف المصنوع.
الشخصيات:
ابن خلدون: المؤرخ الأندلسي، يحلل المشهد بعين "علم العمران والسياسة".
كارل ماركس: الفيلسوف والاقتصادي، يرى المشهد من زاوية "استغلال الشعوب والوعي المزيف".
خبير التسويق (التريند ميكر): مهندس الجيوش الإلكترونية وصانع الوهم الرقمي لصالح السلطة ورأس المال.
"تابع" (المواطن الرقمي المُغيب): يرتدي ملابس رثة، في يده هاتف ذكي شاشته مكسورة، ممسك ببطارية شحن متنقلة (Power Bank) كأنها مغذّي طبي، وعيناه مسمّرتان في الشاشة بلا وعي.
[بداية المشهد]
المكان: فضاء تجريدي يدمج بين قاعة مؤتمرات اقتصادية حديثة ومكتبة تاريخية عتيقة. في الخلفية، شاشات ضخمة تعرض رسومات بيانية متذبذبة لأسهم "الريتش" والتفاعل، وفوقها لافتة مضيئة مكتوب عليها: "رأس المال الاجتماعي: من يملك التفاعل يملك العوام". تنزل من السقف "شاشة إطار شفافة" تشبه واجهة البث المباشر لتطبيقات التواصل الاجتماعي.
(يُفتح الستار على كارل ماركس وهو يمسك بجهاز "آيفون" ويحاول فهم "لوحة التحكم" في الإعلانات الممولة، بينما ابن خلدون يراقب شاشة البورصة الرقمية خلف الإطار الشفاف، وتظهر فوق رأسيهما تعليقات رقمية وقلوب طائرة عبثية)
ماركس: (يضرب الطاولة بقبضته، متذمراً) يا لها من خدعة رأسمالية دنيئة! قضيتُ عمري أظن أن البروليتاريا تُستغل في المصانع والمناجم لإنتاج "القيمة الزائدة" لصالح أصحاب وسائل الإنتاج.. والآن؟ أرى العمال والفقراء هم من يدفعون ثمن باقات الإنترنت، ويقضون 16 ساعة في اليوم لإنتاج "المحتوى مجاناً" لصالح مارك زوكربرغ وإيلون ماسك! إنهم يستعبدون أنفسهم طوعاً من أجل "اللايك"!
ابن خلدون: (يهز رأسه متعجباً، ويقيد ملاحظة في دفتره) خفّض من روعك يا كارل. الأمر لا يتعلق بوسائل الإنتاج، بل بطبيعة "العمران البشري". لقد كنتُ أظن أن "العصبية" تحتاج إلى نسب، وقرابة، وسيف، وخيل لتأسيس الدولة وسقوطها.. لكنني أرى هنا "عصبية رقمية" عجيبة! يكفي أن يطلق أحدهم وسمًا (هاشتاج) حتى تجتمع خلفه قبائل من "الذباب الإلكتروني" والمغردين، لا يجمعهم رحم ولا أرض، بل تجمعهم "خوارزمية" عمياء!
خبير التسويق: (يدخل مسرعاً، يصفق بيديه بحماس) شباب! أهلاً بكم في الـ "Masterclass" الجديد! أستاذ ماركس، كتابك "رأس المال" قديم جداً و"Outdated". اليوم لا نتحدث عن "صراع الطبقات"، بل عن "صراع الريتش" (Reach)! البروليتاريا اليوم لا تريد الثورة على البرجوازية، البروليتاريا تريد فقط أن تصبح "إنفلونسرز" للحصول على عقود رعاية من الشركات!
ماركس: (يتقدم نحو خبير التسويق، وعيناه تتطاير شرراً) أيها البرجوازي الصغير المهووس بالاستهلاك! كيف تجرؤ؟ لقد حولتم الإنسان إلى سلعة! "الاغتراب" الذي تحدثتُ عنه وصل ذروته هنا. الكائن البشري لم يعد يتأمل ذاته في إنتاجه، بل بات يقيس قيمته الوجودية بعدد المشاهدات والتفاعل! إذا لم يتفاعل معه أحد، يشعر بأنه غير موجود في التاريخ! هذا هو "أفيون الشعوب" الجديد!
ابن خلدون: (يتدخل بوقار القضاة) مهلاً يا كارل، دعنا نحلل الظاهرة بـ "علم العمران". يا فتى، كيف تصعد هذه "الدول الرقمية"؟ أعني الحسابات المليونية؟ وكيف تسقط؟
خبير التسويق: (يضحك بسخرية وهو يري أرشيف الشاشة) يا سيد خلدون، الأمر بسيط جداً. "صعود الدولة الرقمية" يبدأ بـ "تريند فضيحة"، أو رقصة تافهة، أو "تحدي" غبي. هذا يصنع عصبية جارفة تجمع الملايين في ساعات. أما "سقوط الدولة الرقمية" فلا يحتاج غزو تيمورلنك أو التتار؛ يكفي "حملة إلغاء" (Cancel Culture) واحدة، أو بلاغات سبام جماعية، لتهدم حساباً بناه صاحبه في سنوات وتحوله إلى برزخ النسيان!
ابن خلدون: (يكتب بسرعة) مذهل! إذن هو "طور الهرم والخلل" في الدولة الرقمية! يتحول المؤثر من طور "البسالة والخشونة" والبحث عن المتابعين، إلى طور "الترف والنعيم" واستجداء الإعلانات، فيأتي جيل رقمي جديد ممتلئ بالوحشية والجرأة ويسقطه من عرش التريند! التاريخ يعيد نفسه لكن على شكل "فيديو قصير"!
(يدخل "تابع" وهو يتعثر بقدميه، يفتح فمه ليلتقط إشارات الـ Wi-Fi في الهواء كأنها أكسجين، يحدق في هاتفه ويهتف بهستيريا ويلطم خده)
تابع: (يصرخ) وا خوارزميتاه! دشنوا الهاشتاج بسرعة! #كلنا_خلف_معالي_التريند.. لا انتظروا، أجاوزنا المليون تغريدة؟ (يتحرك يميناً ويساراً بجنون) دقيقة! نزل توجيه جديد: #اقصوا_الخائن_ابن_رشد! اضربوا حساباته بالبلاغات! اجلدوه في التعليقات! (يلتفت للخبير برعب وهو يلهث) سيدي الخبير! الأوامر الجديدة ما هي؟ صك غفراني معلق بـ "ريتويت"! مَن نعبد اليوم في الفضاء الأزرق؟ ومن نَجْلِد؟
ماركس: (يمسك رأسه بذهول وأسى) انظر يا ابن خلدون! ها هو "الإنسان المستلب" في أبهى صور بؤسه! لقد تحول من كائن منتج يملك وعيه الحر، إلى مجرد "ترس" صامت في آلة الدعاية السلطوية! يُقاد بأزرار وهمية وهو يظن أنه يمارس حرية التعبير! هذا ليس اغتراباً عن العمل فحسب، هذا اغتراب عن الإنسانية برمتها! عقولهم أصبحت مُؤمّمة ومستأجرة بالساعة!
ابن خلدون: (يتأمل "تابع" بحزن ويدون في مقدمته) لقد صدقتُ في ديباجة علمي حين قلتُ: "إن المغلوب مولعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب". لكن الغالب اليوم ليس جيشاً غازياً يحمل السيف، بل "خوارزمية" عمياء تصنع له قطيعاً افتراضياً. (يوجه كلامه لتابع) يا بني، علامَ تتقاتلون في هذه الشاشة الصغيرة؟ ومَن يقود عصبيّتكم القَبَلية هذه؟
تابع: (دون أن يرفع عينه عن الهاتف، ويتحدث بآلية مضحكة) يقودنا "الذباب الأعظم" يا شيخ! نحن لا نناقش، نحن ننفذ "التريند المطلق". الوعي رفاهية لا نملك ثمن باقتها! إذا قال الخبير "هذا المفكر عميل" شتمنا سلالته إلى الجد السابع، وإذا ضغط الخبير زر "الرضا" جعلناه ملاكاً يمشي على شاشات اللمس! نحن "الرعية الرقمية"، واللايك هو صك غفراننا ووجودنا!
خبير التسويق: (يغمز لـ "تابع" ويقذف له بـ "إيموجي" تشجيعي على الشاشة) برافو يا "تابع"! هكذا أريدك.. جندي مخلص في "جيش ريتش الأمة". (يلتفت إلى ماركس وابن خلدون بتعالٍ ويعدل سترة بدلته) هل رأيتما؟ هذا هو "الوعي المهندس". السياسة اليوم لا تُصنع في أروقة البرلمانات ولا في الساحات والميادين، بل تُهندس في الغرف المغلقة عبر إطلاق خمسة آلاف حساب وهمي (بوت) تقود هذا القطيع حيث نشاء. من يملك تمويل "السيرفرات" ودفع الرواتب للذباب، يملك صياغة الرأي العام والتاريخ!
ماركس: (يتقدم بغضب عارم نحو خبير التسويق) تباً لك ولرأس مالك العفن الموجه! أنتم لا تبيعون السلع، أنتم تبيعون "الأوهام والعداوات المصنوعة" لكي تضمنوا ألا يتحد هؤلاء المظلومون ضد سارقي قوتهم ونهّابي أوطانهم! جعلتم الفقراء يتقاتلون خلف شاشاتهم حول هاشتاجات تافهة من صُنعكم، بينما تُنهب ثرواتهم وأوطانهم في العلن وبمباركتكم!
ابن خلدون: (يهز عصاه بإنذار حاد) إنها أمارات "هرم الدولة وسقوط العمران البشري"! عندما تصبح الرئاسة والوجاهة بالخداع الرقمي, وتضيع المروءة والعدالة خلف بريق الإشاعات الموجهة، فإن هذا المجتمع يتأرجح على حافة خراب حتمي، حيث يأكل بعضهم بعضاً بنقرات الأصابع قبل السيوف.. إنها دولة الفوضى المقننة!
[المشهد الختامي: عاصفة الذباب والتريند الأخير]
(يرتفع صوت طنين حاد ومزعج جداً في المسرح، يشبه صوت طنين ملايين الذباب الضخم. تومض الشاشات الخلفية فجأة بلون أحمر قاني، وتظهر عليها عبارة: "جاري تحديث العقل الجمعي.. الهاشتاج الجديد نشط الآن")
خبير التسويق: (يقفز بحماس جنوني فوق الطاولة، موجهاً إضاءة الـ Ring Light نحو الجمهور كأنه كشاف تحقيق) جاءت الأوامر العليا! انطلقوا! الهاشتاج الجديد نزل: #القطيع_سعيد_بالأغلال! اضربوا المرتدين! امنعوا التفكير!
(يدخل من كواليس المسرح مجموعة من الممثلين يرتدون أقنعة على شكل "ذباب ضخم"، يحملون شاشات مضيئة ويهجمون على خشبة المسرح بحركات عشوائية سريعة، محاصرين ماركس وابن خلدون)
ماركس: (يحاول دفعهم، يمزق صفحة من كتاب "رأس المال" ويصنع منها طائرة ورقية ويقذفها نحو الجمهور) ابتعدوا أيها المستلَبون! الثورة ليست نقرة زر! أنتم تحمون جلاديكم! الفكر لن يموت!
ابن خلدون: (يضع دفتر "المقدمة" فوق رأسه كخوذة تحميه من هجوم الـ "إيموجيز" المتطايرة من الشاشات ويردد بأسى وهو يتراجع) وا ضياع العمران! وا نكبة العقل! تباً لدولة يقودها الذباب!
(يتقدم "تابع" زاحفاً على ركبتيه نحو خبير التسويق، ويمسك بطرف بدلتِه وهو يلهث بضعف ومستسلماً تماماً. في هذه اللحظة يُسمع صوت إلقاء القصيدة الهجائية عبر مكبرات الصوت بأداء جهوري متهكم، بينما يتحرك الذباب الافتراضي في لوحة تعبيرية راقصة):
صوت جهوري من السقف مصحوباً بطنين الذباب الحاد:
بَعَثْتُ العُقُولَ فَأَلْفَيْتُهَا ... تُسَاقُ بِأَزْرَارِ هَذَا الغُلَامْ!
تَعَالَى خَوَارِزْمُهُمْ حَاكِماً ... يَصُوغُ الصَّوَابَ وَيَمْحُو الظَّلَامْ!
شَرَيْتُمْ عُبُودِيَّةً بِـ"اللايْكِ" ... فَتَبّاً لِعَقْلٍ رَضِيَ بِاللِّجَامْ!
تَظُنُّونَ أَنَّكُمُ الأَحْرَارُ؟! ... وَأَنْتُمْ رَعَايَا لِأَمْرِ الغُلَامْ!
(يسقط "تابع" على الأرض بوضعية الجنين يتشبث بالهاتف الميت ويهمس ببؤس: "ريتويت.. ريتويت.."، بينما يثبت خبير التسويق في منتصف المسرح واضعاً رجله فوق ظهر "تابع"، ويلتقط "سيلفي" أخير بابتسامة بلاهة رأسمالية صاخبة)
خبير التسويق: (يصرخ) انتهى البث المباشر يا شعب! لا تنسوا كبسولات الدعم!
(ينطفئ كشاف الـ Ring Light فجأة، ويحل ظلام دامس على المسرح باستثناء شاشات الهواتف المكسورة التي تومض بلون أزرق باهت وسط العتمة)
[سِتَار] .
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟