أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - مأساة السنتيمتر المقدس.. والمجاعة الرقمية في حارة المظلوم!















المزيد.....

مأساة السنتيمتر المقدس.. والمجاعة الرقمية في حارة المظلوم!


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 12:49
المحور: الادب والفن
    


مسرحية فكرية ساخرة من ثلاثة فصول

الشخصيات حسب الظهور:
أبو مطلق (عبدالله القحطاني): باحث، ومؤرخ، ومفكر سعودي. مقعد على كرسيه المتحرك بسبب إعاقته وجسده المثقل بالآلام، لكنه مسلح بقلم حاد وعقل يفكك أعتى الأيديولوجيات والبيروقراطيات.
الدكتور مأمون: خبير الامتثال الميتافيزيقي واليوغا التنظيمية في الأمانة. يرتدي وشاحاً أخضر ومقتنع بأن بسطات الخردوات تفسد الطاقة الحيوية للرصيف.
الأستاذة حصة: كبيرة مفتشي النوايا والجمال السلوكي. تفحص الضمائر وتقيس درجة لمعان الخشب بمكبرات ضوئية.
المهندس نبيل (شخصية جديدة): مستشار هندسة الفراغ المستدام. مهووس بنظريات "اللا-شيء" ويطالب بتحويل البسطة إلى مساحة افتراضية.
المفتش مطلق: مفتش ميداني تقليدي، يحمل متراً حديدياً ويرى في السنتيمتر الواحد خطراً على أمن التنمية الحضارية.
الروبوت (بلدي-X2 المحدث): جهاز آلي يتحدث بنبرة معدنية حادة، ويطالب بالبصمات الرقمية والرسوم العشوائية.
[الفصل الأول: صدمة "كود الامتثال الفضائي"]
(المشهد: باحة أمانة المنطقة الفخمة. شاشات عملاقة تعرض رسوماً بيانية لمدن مستدامة على المريخ. يدخل أبو مطلق يدفع كرسيه المتحرك بصعوبة، يتنفس بعمق ويضع حقيبة كتبه الضخمة فوق مكتب الدكتور مأمون الذي كان يمارس تمارين التنفس واليوغا).
الدكتور مأمون: (يفتح عيناً واحدة بامتعاض) أوه.. مواطن ينبعث منه عبق الأوراق والمخطوطات القديمة! يا أخي، طاقتك السلوكية التقليدية تعطل خوارزميات الاستقبال في المنصة. ماذا تريد؟
أبو مطلق: (يسخر بمرارة ويهز رأسه) طاقة سلوكية؟ يا دكتور مأمون، أنا المواطن والباحث عبدالله. دفعتُ رسوم منصتكم الرقمية التي جعلت حياتي صعبة، وتجاوزتُ معضلة اللون الرمادي والتموضع الإستراتيجي. أريد فقط رمز الاستجابة السريع لأعلقه على صندوق الخشب وأبيع المسطرة والمقص والخيط لأبناء الحارة لأكسب قوت يومي بشرف!
الدكتور مأمون: (يتأمل الشاشة بنظرة باردة) ممم.. طلبك مرفوض مؤقتاً من قِبل إدارة مكافحة التلوث الصوتي للخردوات. صندوقك الخشبي عند فتحه وإغلاقه يصدر صوتاً بتردد يبلغ خمسة وأربعين ديسيبل، والكود الجديد يشترط صمتاً لاهوتياً مطبقاً للصناديق المعتمدة!
أبو مطلق: (يضرب الطاولة بيده بصلابة) صمت لاهوتي لصندوق خردوات؟! يا مأمون، أنا نبشت مقابر التاريخ الكنسي، وعاصرتُ زلزال باسي ليدس والإنجيل الذي هز عروش اللاهوت في الإسكندرية بالقرن الثاني، ولم أسمع بلاهوت يحكم غطاء صندوق خشبي! هل تريد من صندوق المسامير والمقاصات أن يسبح بحمد منصتكم الرقمية قبل أن يفتح؟!
الدكتور مأمون: (ببرود إنجليزي) نحن لا نناقش الأنظمة، نحن نمتثل لها لتدفق الطاقة الإيجابية في المشهد الحضري للرصيف. اذهب إلى الأستاذة حصة في الدور الرابع.. إذا وافقت على نسبة لمعان الخشب، قد ننظر في أمرك.
[الفصل الثاني: محاكمة لمعان الخشب ونهاية عصر الوصاية]
(المشهد: مكتب الأستاذة حصة. الجدران والمكاتب بيضاء ناصعة ومؤثثة بشكل معقم يبعث على الجنون البيروقراطي. أبو مطلق يقف بكرسيه أمامها، وهي تفحص الصندوق الخشبي بمكبر ضوئي).
الأستاذة حصة: (تتحسس الخشب بقرف) ما هذا يا أبا مطلق؟ خشب طبيعي؟! هذا يذكرني بعصر الكتاتيب والفقيهات في نجد! الرؤية تطالب بخامات نانو-تكنولوجية عاكسة للضوء لضمان التوافق البصري. هذا الخشب يمتص طموحات الحي!
أبو مطلق: (يطلق ضحكة تهكمية مجلجلة تهز أركان المكتب) يمتص طموحات الحي؟! يا حصة، إن المواطنة ليست صكاً تمنحه البيروقراطية أو تسلبه أنظمة اللمعان البائسة! عشت ثلاثة عقود بلا سفر ولا هوية، وجسدي مثقل بالآلام والإعاقة، وكنت أظن أن عصر الوصاية والكهنوت قد انتهى بنهاية عصر حراس الموروث الذين حظروا عقل المرأة لقرون. فإذا بي اليوم أجد كهنوتاً تقنياً جديداً يمارس الوصاية على درجة لمعان صندوق خردوات لمقعد يبحث عن كسب شريف!
الأستاذة حصة: (تكتب على جهازها اللوحي بسرعة) المواطن يظهر ممانعة فكرية حادة لإصلاحات البنية الجمالية. يا أستاذ عبدالله، اذهب واشترِ صندوقاً من مادة الفايبر جلاس المصنعة في المصانع العالمية، ثم ارفع طلباً جديداً يحتاج تسعين يوم عمل للتحقق من منشأ الألياف!
أبو مطلق: (يستدير بكرسيه بقوة ويتحرك للخارج) تباً للفايبر جلاس وتباً للجانكم! سأبيع على الرصيف بخردواتي الخشبية، وليأتِ ذكاؤكم الاصطناعي ليعتقل مساطري ومقاصاتي!
[مشهد إضافي ساخر: سريالية هندسة الفراغ]
(في الممر، يقطعه المهندس نبيل مستشار هندسة الفراغ المستدام).
المهندس نبيل: استرح يا أستاذ عبدالله! الحل عندي. نحن نمر بمرحلة تقليل الأصول الثابتة. لماذا تصر على صندوق خشبي مادي؟ لماذا لا تحول البسطة إلى تطبيق افتراضي يشتري منه الأطفال المسطرة عبر الـبلوكشين؟
أبو مطلق: (ينظر إليه بذهول تهكمي) بلوكشين لـطفل يريد مسطرة بريال ليرسم بها خطاً في كراسته؟! يا نبيل، هل تريد من طفل جائع في الحارة أن يأكل كوداً رقمياً؟ أنتم لا تبنون تنمية، أنتم تصنعون مجاعة رقمية وتغطونها بعبارات براقة! الأطفال يريدون مسطرة حديد يلمسونها بأيديهم، لا وهماً افتراضياً في برمجياتكم المعطلة!
[الفصل الثالث: معركة الرصيف الأخير.. الروبوت ينفجر فكرياً]
(المشهد: الرصيف في حارة المظلوم وقت الغروب. ناطحات السحاب تظهر في الأفق البعيد تعكس أشعة الشمس الدافئة. البسطة الخشبية متوهجة تحت الضوء. يجلس أبو مطلق شامخاً كالمؤرخين الكبار. يدخل الروبوت بلدي-X2 وتصدر منه أصوات إنذار مرعبة، وبجانبه المفتش مطلق).
الروبوت بلدي-X2: (تومض عيونه الحمراء) طرطرق.. إنذار نهائي للمواطن عبدالله مطلق القحطاني. البسطة تفتقر إلى مستشعر الدفع الذكي عبر حركة الرموش وبصمة العين. مخالفة البند السبعمائة وسبعة: ممارسة التجارة باستخدام عملات ورقية ملوثة بيئياً. العقوبة: مصادرة البضاعة فوراً!
المفتش مطلق: (يمسك بمتر القياس الحديدي ويتفحص الأرض) وأيضاً يا أبا مطلق، قسنا المسافة مجدداً الآن، وبسبب تمدد الخشب الطبيعي من حرارة الشمس، نقصت المسافة بين كرسيك وبين الجدار بمقدار نصف سنتيمتر! هذا انحراف إستراتيجي يعطل انسيابية الحركة الحضارية!
أبو مطلق: (يخرج قلمه وصحيفته ويقف بكرسيه بصلابة نادرة ويوجه كلامه للجمهور) نصف سنتيمتر؟! وتمدد حراري؟! يا حراس المنصات والأنظمة العمياء.. إن المشهد النظامي والبلدي اليوم يقف أمام مرآة الحقيقة العارية! غيرتم المكاتب والأدوات وبقيت الذهنية الإقصائية والتعطيلية تقتات على المزاج القبلي المتخفي خلف مسوح التكنولوجيا والأتمتة! بالأمس منعتم المرأة من الجلوس على منصة القضاء وتكافؤ الفرص تحت مبررات واهية، واليوم تمنعون المفكر المقعد والعاجز من بيع خيط ومسطرة لأن الشمس مددت خشب بسطته نصف سنتيمتر!
الروبوت بلدي-X2: (يدور حول نفسه بعطل ميكانيكي مضحك) طرررطق.. معالجة البيانات الفكرية.. كلمات غير مبرمجة في النظام: لاهوت، وصاية، إقصاء، مواطنة، باسي ليدس.. الخوارزمية لا تستطيع معالجة الفلسفة التاريخية الساخرة.. خطر.. النظام ينهار!
أبو مطلق: (يتقدم بكرسيه نحو الروبوت ويرفع مسطرة خشبية في وجهه بكل شموخ) نعم! انفجر واهترئ يا بلدي-X2! لأن العقل والعدل والكرامة الإنسانية لا يمكن أتمتتها في قوالبكم الجامدة الميتة! المواطنة الحقيقية هي انتماء لتراب هذا الوطن، وليست تذكرة دعم رقمية معطلة في خوادمكم ينام خلفها الموظفون! سأظل هنا، متمسكاً برصيفي، وقلمي، وفكري، وبسطتي الخشبية، ومستعداً لكسر أغلالكم البيروقراطية الرقمية كما كسرتُ أغلال الوصاية الفقهية لقرون!
(تتصاعد الأدخنة والشرارات الكثيفة من الروبوت ويسقط أرضاً معلناً التوقف الكامل عن العمل وسط بهجة أطفال الحارة الذين يتزاحمون لشراء المساطر من أبو مطلق. ترتفع أصوات التنبيهات من الهواتف في الخلفية معلنة عطلاً شاملاً في النظام أمام صلابة وفكر أبو مطلق).
[ستار سخرية سوداء صلبة متمردة على البيروقراطية والتعطيل]



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بورصة العصبية الافتراضية
- خارج النص الصارم: قراءة في مرثية وهابية لكاهن مسيحي!
- سكان برزخ التبلد: مأزق غير المقروء
- مسرحية من فصل واحد: هَذَيَانُ العَلامَةِ الزَّرْقَاءِ.. وَمَ ...
- مسرحية: موسم الهجرة إلى التيك توك.. أو انتحار متحدث فصيح في ...
- غسيل تاريخي في مقهى حداثي: الطبري يتأبط ميكروفوناً وابن كثير ...
- سيناريو مسرحي كامل: -ترمي بشرر.. في سوق عكاظ الرقمي-
- من حظيرة الرعية إلى فضاء المواطنة: دليلك الساخر لتفكيك العبو ...
- الحاكمية واللابتوب: حوار فوق صفيح تراثي ساخن!
- وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي
- طرقات على باب الغزالي: محاكمة العقل السائل
- تفكيك الأبوية التاريخية: سجال صارخ بين سيف الطاغية ووعي التن ...
- مسرحية: حفريات الشك ومحاكمة النص
- حانة الوعي المر: حوارية فلسفية وجودية بين نجيب الريحاني وعبد ...
- مسرحية: فلسفة الصعلوك وصدمة المفكر
- عنوان العرض: -برزخ الأفكار القلقة-
- حواف الحبر.. وظلال النص
- برزخ المطارق: حوار فوق الغمام
- خريف النص: رحلة في وادي الشك.
- مسرحية ذهنية: برزخ السطور المتمردة


المزيد.....




- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...
- مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد ...
- -بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال كبده - مأساة السنتيمتر المقدس.. والمجاعة الرقمية في حارة المظلوم!