أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى الهود - حين تتقدم الكفاءة... يتراجع الفساد














المزيد.....

حين تتقدم الكفاءة... يتراجع الفساد


مصطفى الهود

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 22:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في بلد كثير التحولات، لا تكاد الأحداث فيه تهدأ حتى تتوالد أخرى، برزت خلال الفترة الأخيرة حملة واضحة لملاحقة الفساد، تمثلت بالقبض على عدد من الفاسدين والمرتشين في مؤسسات الدولة ومفاصلها المهمة. وهذه المشاهد، مهما اختلفت القراءات حولها، تعكس وجود محاولة لتطهير بعض مفاصل الدولة من الأشخاص الذين استغلوا مواقعهم لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب الوطن والمواطن.
إن تتابع عمليات القبض على الفاسدين يكشف حقيقة لا يمكن تجاوزها، وهي أن كثيرًا ممن وصلوا إلى مواقع المسؤولية لم يكونوا مؤهلين لها أصلًا. فلو كانت الكفاءة والنزاهة هما معيار الاختيار، لما وجد هؤلاء طريقهم إلى تلك المناصب، ولما امتدت أيديهم إلى المال العام وحقوق الناس.
ولعل أهم ما ينبغي أن يرافق هذه الخطوات ليس مجرد محاسبة الفاسدين، وإنما استبدالهم بأشخاص يمتلكون الكفاءة والإخلاص والحس الوطني، ويعدّون المنصب مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا. فالإدارة الرشيدة تبدأ من حسن اختيار الإنسان المناسب للمكان المناسب.
وتروي كتب التاريخ أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، حين تولى الخلافة، طلب من الإمام الحسن البصري أن يدله على من يستشيرهم في شؤون الحكم. فقال له: أما أهل الدين فهم مشغولون بعبادتهم، وليسوا في حاجة إلى دنياك، وأما أهل الدنيا فلا ترغب فيهم لأن همهم جمع المال بشتى السبل. فسأله عمر: فمن أستشير إذن؟ فقال: استشر أصحاب البيوتات الكريمة، وأصحاب الأصول الطيبة؛ فإن أصلهم وتربيتهم يمنعانهم من الخيانة والتحايل.
وهذه الرواية، بغض النظر عن تفاصيلها التاريخية، تحمل معنى عميقًا في فلسفة الإدارة والحكم، وهو أن بناء الدولة يبدأ من اختيار الإنسان الذي يمتلك الأخلاق قبل المنصب، والضمير قبل السلطة.
وتحضر في هذا السياق أيضًا قصة نوري السعيد باشا، حين طلب منه أحد الحلاقين أن يتوسط لقبول ابنه في الكلية العسكرية. فأجابه بأن ابنه اعتاد، بحكم عمله، أن يأخذ المال من كل من يجلس أمامه، ولا يريد أن يتوسط لمن قد تتحول هذه العادة لديه إلى استغلال للمنصب إذا أصبح ضابطًا. قد يختلف الناس في تقييم القصة، لكنها تعكس فكرة راسخة مفادها أن السلوك يتشكل مع الإنسان، وأن من لا يُحسن التعامل مع المسؤولية الصغيرة، يصعب الاطمئنان إليه في المسؤوليات الكبيرة.
إن قواعد الحكم الرشيد لا تقوم على الواسطة، ولا على المحسوبية، ولا على الانتماءات الضيقة، وإنما على الكفاءة والنزاهة والاستحقاق. فعندما يُقدَّم غير الكفوء، تكون النتيجة الطبيعية تراجع المؤسسات واتساع دائرة الفساد، وهو ما يدفع الوطن والمواطن ثمنه معًا.
وحين نتخلى عن ثقافة الوساطة والمحاصصة والعلاقات الشخصية، ونحتكم إلى معايير الكفاءة وحدها، سنكون أمام جيل من المسؤولين تُقاس قيمته بما يقدمه من إنجاز، تمامًا كما بقيت أسماء بعض رجالات الدولة العراقية تُذكر مقرونة بالنزاهة والأمانة، وفي مقدمتهم حسقيل ساسون، وزير المالية في العهد الملكي، الذي أصبح مثالًا في المحافظة على المال العام.
فالذي يسرق المال العام لا يسرق الدولة بوصفها مؤسسة مجردة، وإنما يسرق حق كل مواطن، ويعتدي على مستقبل أجيال كاملة. ولهذا فإن الفساد، مهما طال عمره، لا يمكن أن يكون حالة دائمة، لأنه يحمل في داخله أسباب سقوطه.
إننا نأمل أن تكون هذه الإجراءات بداية حقيقية لإصلاح أوسع، يعيد الثقة بمؤسسات الدولة، ويقدم للعراق مسؤولين يستحقون شرف قيادة هذا البلد، ويجعلون النزاهة ممارسة يومية لا شعارًا يرفع في المناسبات.
ذلك هو العراق الذي نتمنى أن نراه، عراقًا تُصان فيه الأمانة، وتُحترم فيه الكفاءة، ويُقدَّم فيه الوطن على كل مصلحة أخرى.



#مصطفى_الهود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكاتب لا يحتاج إلى مسؤول... المسؤول هو الذي يحتاج إلى الكات ...
- فائق بيك قائم مقام بعقوبة نموذج إداري في النزاهة والتحديث ال ...
- سعيد أفندي عودة الكلاسيك العراقي إلى شاشة الحاضر
- تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الحملات الانتخابية في العر ...
- الحسد والغيرة... وباء اجتماعي ينخر جسد النجاح
- الحرية مفهوم اشكالي
- مجتمع الثكنات... هل فقدنا معنى التعايش؟
- السيناريو
- نشأة وتطور التلفزيون
- مفهوم المونتاج
- ملك الوالد
- العين الساهرة
- المونتاج الذهني عنده ايزنشتاين
- هي فوضى
- الايجاز
- سحر الضوء
- الفن التشكيلي
- الاندماج
- اصحمة ابن ابجر(النجاشي)
- الثورة تأكل ابنائها (ابو مسلم الخراساني)


المزيد.....




- -كأننا عدنا لما بعد 11 سبتمبر -.. كير تكشف تصاعد الاعتداءات ...
- هل بدأت نهاية الملاذ الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين؟
- مقترح تركي لإنشاء قوة عربية إسلامية إقليمية لحماية الحدود بي ...
- سوريا.. اتهامات بالابتزاز في قضايا المعتقلين تطال مفتي الجمه ...
- كاتب أمريكي: تحالف الإنجيليين مع ترمب ينفّر الشباب من الكنيس ...
- -إنه المسيح الدجال-..  تطور -دراماتيكي- في قضية قتل حاخام إس ...
- مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا يفتي بعدم جواز بيع أو استبدال ا ...
- حراس الحضور المسيحي في فلسطين: تكامل الأدوار بين الكنيسة وال ...
- 270 عاما على تدشين كنيسة قيامة المسيح.. شاهد على تاريخ القيا ...
- حزب عربي يهودي جديد يستهدف الشباب في انتخابات إسرائيل


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى الهود - حين تتقدم الكفاءة... يتراجع الفساد