أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أمين أحمد ثابت - شذرة (3) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية














المزيد.....

شذرة (3) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية


أمين أحمد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 14:03
المحور: قضايا ثقافية
    


من استحالة امتلاك الكل إلى استحالة احتكار الدولة


خلصنا سابقا من تحليلنا إلى أن المناعة الوجودية ليست خاصية دفاعية، وإنما قانون داخلي يعيد إنتاج انتظام الدولة عبر الزمن، وأن هذه المناعة تتجلى في مستويات مرجعية وبنيوية ومجتمعية وزمنية ومعرفية وحضارية. غير أن اكتمال هذه الصورة لا يزال يواجه سؤالًا بالغ الصعوبة، وهو السؤال الذي ظل حاضرا في التجربة السياسية للإنسان منذ ظهور الدولة الحديثة: كيف يمكن لكيان بلغ درجة عالية من التنظيم أن يصبح، مع ذلك، أسيرا لإرادة جزء من أجزائه؟
إن هذا السؤال لا يبحث في وسائل الاستيلاء على السلطة، لأن الاستيلاء على السلطة حادثة سياسية، أما اختطاف الدولة فهو تحول وجودي. والخلط بينهما هو أحد الأسباب التي جعلت الفكر السياسي يفسر كثيرًا من الظواهر تفسيرًا ناقصًا؛ إذ افترض أن من يسيطر على السلطة يسيطر بالضرورة على الدولة، بينما تكشف الخبرة التاريخية أن السلطة قد تُستولى عليها دون أن تُختطف الدولة، كما قد تبقى مؤسسات الدولة قائمة في ظاهرها بينما تكون قد فقدت استقلالها الوجودي في باطنها.
ولهذا فإن أول ما ينبغي البرهنة عليه هو أن الدولة ليست موضوعا صالحا للامتلاك أصلا.
وهذه العبارة قد تبدو، لأول وهلة، أقرب إلى الحكم الأخلاقي منها إلى البرهنة الفلسفية، لكنها في الحقيقة نتيجة لازمة لما انتهت إليه النظرية منذ الفصل الأول.
لقد بينت النظرية أن الدولة ليست مجموع الأفراد، ولا مجموع المؤسسات، ولا مجموع السلطات، بل هي خاصية وجودية ناشئة عن انتظام العلاقات بين هذه العناصر. وإذا صح هذا الأصل، فإن النتيجة المنطقية التي تترتب عليه هي أن الخاصية الناشئة لا يمكن أن يمتلكها أحد عناصرها، لأن الجزء لا يستطيع أن يستوعب الكل الذي نشأ من انتظام جميع الأجزاء.
وهنا تكمن أولى البرهنات.
فالأسرة لا يمتلكها أحد أفرادها مهما كانت منزلته، لأن الأسرة ليست فردًا زائدًا على أفرادها، وإنما هي العلاقة التي تجعل أولئك الأفراد أسرة. وكذلك اللغة لا يمتلكها متكلم واحد، مهما بلغ تأثيره، لأن اللغة ليست مفردات يضيفها إلى ملكه، بل نظام من العلاقات المشتركة. والسوق لا يمتلكه تاجر واحد مهما عظم رأس ماله، لأن السوق ليس متجرًا كبيرًا، بل هو المجال الذي تنتظم داخله جميع المبادلات. إن هذه الأمثلة ليست قياسًا على الدولة، وإنما توضح مبدأً عامًا في الأنظمة الاجتماعية: كل خاصية ناشئة تفقد معناها إذا تحولت إلى ملكية لأحد مكوناتها.
ومن هنا فإن الدولة، بوصفها خاصية ناشئة، لا تدخل في دائرة التملك، لأن تملكها يعني اختزال الكل في الجزء، واختزال العلاقة في أحد أطرافها، وهو ما يؤدي إلى نفي الأساس الذي قامت عليه الدولة ابتداءً.
الاختطاف ليس حدثا بل انقلاب في البنية الوجودية
إذا كانت الدولة لا يمكن أن تُمتلك من حيث المبدأ، فكيف يظهر في الواقع ما يبدو وكأنه امتلاك لها؟
إن الجواب يقتضي التمييز بين الامتلاك الحقيقي والاختطاف الوجودي.
فالامتلاك الحقيقي مستحيل، لأن الكل لا يصبح جزءًا من أحد أجزائه. أما الاختطاف فهو أن ينجح جزء من أجزاء الدولة في إعادة تعريف الكل بحيث يغدو نفسه المرجعية النهائية لتفسير الدولة، وإدارة مصالحها، وتحديد حدودها الرمزية والقانونية والأخلاقية. وهنا لا يكون الجزء قد امتلك الدولة، بل يكون قد أقنع بقية الأجزاء ـ أو أجبرها ـ على التعامل معه باعتباره الدولة.
وهذا التمييز ضروري؛ لأنه ينقل النقاش من الأشخاص إلى البنية. فالمشكلة ليست في وجود حاكم قوي، أو مؤسسة نافذة، أو جماعة واسعة التأثير، وإنما في اللحظة التي تنتقل فيها المرجعية من الدولة إلى أحد هذه الأجزاء. فعندئذ لا يعود الخلل سياسيًا فقط، بل يصبح خللًا في القانون الوجودي الذي ينظم الكيان.
ومن ثم فإن الاختطاف لا يبدأ بإلغاء المؤسسات، بل يبدأ بتغيير وظيفة المؤسسات. فقد تبقى المحكمة، والبرلمان، والجيش، والإدارة، والجامعة، والإعلام، على حالها من حيث الشكل، لكنها تتوقف تدريجيًا عن أداء وظائفها بوصفها مؤسسات للدولة، وتبدأ في أداء وظائفها بوصفها أدوات لإعادة إنتاج مرجعية الجزء الذي احتكر تفسير الكل.
وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: قد تبدو الدولة، في لحظة الاختطاف، أكثر انتظامًا من ذي قبل، بينما تكون في الحقيقة أقل مناعة. ذلك أن انتظام الأوامر لا يعني انتظام الدولة. فالآلة قد تعمل بكفاءة عالية وهي تؤدي وظيفة تخالف الغاية التي أنشئت من أجلها. كذلك المؤسسات قد تبلغ أعلى درجات الانضباط الإداري وهي في الوقت نفسه تُسهم في تآكل المركز الوجودي للدولة إذا أصبحت ولاءاتها النهائية متجهة إلى غيرها.
البرهنة المنطقية على استحالة اختزال الكل في الجزء
يمكن صياغة هذه البرهنة على النحو الآتي:
1. الدولة لا توجد بوصفها عنصرًا مستقلًا، بل بوصفها خاصية ناشئة من انتظام العلاقات.
2. الخاصية الناشئة لا تختزل في أي عنصر من عناصرها.
3. كل جزء يدعي تمثيل الكل تمثيلًا مطلقًا، يلغـي بالضرورة استقلال العلاقة التي أنشأت الكل.
4. فإذا ألغيت العلاقة، زالت الخاصية الناشئة التي نسميها الدولة.
5. ومن ثم فإن كل محاولة لاحتكار الدولة تنتهي، من حيث لا تقصد، إلى إضعاف الدولة التي تدّعي امتلاكها.
وهذه ليست مفارقة لفظية، بل نتيجة منطقية لازمة. فالجزء الذي يظن أنه يقوي الدولة عبر احتكارها، يكون قد بدأ بالفعل في تقويض الشرط الذي يجعلها دولة.



#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شذرة (1) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية الوجودية
- المعادلة الوجودية للدولة - مقدمة كتاب لي 2015 حول مطلوب نوعي ...
- المقدمة لمؤلفي ( 2013-2014) كتاب الانسان وجود لحياة عدمية / ...
- تسريب غياب في الذكرة
- تسريب عما لا يفكرون - الترنيمة 5
- اليمن من هامش الصراع إلى مركز النظام البحري العالمي
- جيو بوليتكا اليمن في متغيرات صراع التوازن العالمي بين ثلاثي ...
- رسالة لا تقرأ
- أنا لن أعود - مفكرة 2015
- حصاد في الذاكرة / من مفكرة 2023م - المسار أول
- بعض نداء
- من قصيدة : غبـــار يملأ العروق
- رغبة ارتحال الى البقعة النائية من الروح
- اخلع . . لا سبيل لك - 9ابريل2026
- الكل مضى . . وتبقى وحدك والفراغ / - آخر نص لمن تبقى من رفاق ...
- وجع . . زنسدل الستار
- العيد وانت تراقب في وحدتك القاهرة ٢---٠---٠ ...
- كن كما تشتهيك السماء
- في آخر الليل يسكنني الظلام عنوة
- تصدع


المزيد.....




- إيران: قاليباف يروي تفاصيل ما حدث بعد التأكد من مقتل علي خام ...
- هل تبدأ عملية نزع سلاح حماس خلال أسبوعين؟ تقرير إسرائيلي يكش ...
- الخارجية الروسية: المسيرات الأوكرانية استهدفت الحافلات المدن ...
- غزيون: أين الاتفاق؟ اغتيالات نهارا وإخلاءات وغارات ليلا
- يسيطر على 91% منها.. الاحتلال يصادر مزيدا من أراضي قرية جبع ...
- الثامنة من نوعها.. تحطم مقاتلة -إف-35- قرب قاعدة ميرامار في ...
- بعد أن قيل له إنه لن يمشي مجددًا.. قرر السفر حول العالم مع أ ...
- الرئيس الأوكراني: دفاعاتنا الجوية عاجزة أمام الصواريخ الروسي ...
- بعد 20 عامًا من الروائح الكريهة.. مدينة كندية تتخلص أخيرًا م ...
- السعودية.. الأمن يعلن القبض على 4 إثيوبيين في الرياض ويكشف م ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أمين أحمد ثابت - شذرة (3) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية