أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - المواطنة اولا














المزيد.....

المواطنة اولا


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 17:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الديمقراطية مجرد انتخابات تُجرى كل عدة أعوام، ولا هي مجرد تداول للسلطة عبر صناديق الاقتراع، بل هي منظومة قيم تقوم على احترام إرادة المواطنين، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق والواجبات، وإعلاء المصلحة العامة فوق أي انتماء آخر.

ومن هذا المنطلق يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن ترسيخ الديمقراطية في مجتمع عاش عقوداً طويلة تحت حكم استبدادي؟ وكيف تتحول الديمقراطية من إجراءات دستورية إلى ثقافة مجتمعية وسلوك سياسي يومي؟

لقد دخل العراق بعد عام 2003 تجربة سياسية جديدة، حملت معها آمالاً كبيرة، لكنها واجهت في الوقت نفسه تحديات معقدة. فالديمقراطية لم تنشأ في بيئة مستقرة، بل جاءت وسط إرث ثقيل من الاستبداد والانقسامات والصراعات، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية التي سعت، بدرجات متفاوتة، إلى التأثير في مسار القرار الوطني.

ولعل واحدة من أبرز المشكلات التي رافقت التجربة العراقية كانت صعوبة الفصل بين الإرادة الوطنية والضغوط الخارجية، وهو ما انعكس في أكثر من محطة سياسية، أبرزها الأزمات المتكررة في تشكيل الحكومات. وقد كشفت تلك المحطات أن نجاح الديمقراطية لا يرتبط فقط بنتائج الانتخابات، بل بقدرة القوى السياسية على احترام الاستحقاقات الدستورية وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية أو الخارجية.

وفي الديمقراطيات الراسخة لا يُنظر إلى الحكومة والمعارضة بوصفهما خصمين، بل شريكين في خدمة الوطن، لكل منهما دور دستوري ورقابي، يجمعهما هدف واحد هو حماية الدولة وتحقيق مصالح المواطنين. فوجود معارضة قوية ومسؤولة لا يقل أهمية عن وجود حكومة كفوءة، لأن التوازن بينهما هو الضمان الحقيقي لاستمرار النظام الديمقراطي.

كما أثبتت تجارب الشعوب أن الاستبداد قد يفرض نفسه بالقوة زمناً، لكنه لا يستطيع أن يلغي تطلع الإنسان إلى الحرية والكرامة. وقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً في سبيل الخلاص من الدكتاتورية، وكانت تلك التضحيات جزءاً من مسيرة البحث عن دولة يحكمها القانون لا إرادة الفرد.

غير أن بناء الدولة الديمقراطية لا يكتمل بمجرد إسقاط الاستبداد، بل يحتاج إلى ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه الهوية الجامعة التي تتقدم على جميع الهويات الفرعية. فحين يشعر المواطن بأن حقوقه مصانة بسبب مواطنته، لا بسبب طائفته أو قوميته أو انتمائه السياسي، تبدأ الدولة الحديثة بالتشكل على أسس راسخة.

إن المجتمعات الخارجة من مراحل التحول السياسي غالباً ما تعيش حالة من القلق وعدم اليقين، وهو أمر طبيعي شهدته تجارب عديدة حول العالم. لكن تجاوز هذه المرحلة لا يتحقق بالشعارات أو الخطابات العاطفية، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وتعزيز استقلال القضاء، واحترام الدستور، وترسيخ ثقافة الحوار، وإعلاء سيادة القانون على الجميع.

ولهذا تبقى المواطنة هي الأساس الذي تُقاس به نجاحات أي تجربة ديمقراطية. فكلما كانت المواطنة أقوى، تراجعت الانقسامات، وازدادت قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والتنمية، وتحولت الديمقراطية من مجرد آلية لانتخاب الحكومات إلى مشروع وطني لبناء الإنسان والدولة.

إن مستقبل العراق، كما مستقبل أي دولة تسعى إلى ترسيخ الديمقراطية، يتوقف على مدى نجاحها في جعل المواطنة هي الهوية الأولى والأخيرة، لأنها الضمان الحقيقي لوحدة المجتمع، وقوة الدولة، واستدامة التجربة الديمقراطية.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليوم العالمي الصداقة
- الكتاب العراقي ازمة الصناعة وضعف النشر
- طريق التنمية وأهميته للعراق
- الصين والوساطة بين أمريكا وإيران
- مي زيادة وجبران خليل ..حب عاش في الرسائل اكثر من الواقع
- رقعة الشطرنج العربية
- الفساد ... دولة موازية
- الرئيس والتصفيق
- ساعي البريد الأخير
- الراقصات... قضية عربية مؤجلة
- الدولة الوطنية بين الثورة والدين
- كيف تتشكل ثقافة الاطفال
- العرب وأزمة المياه
- بناء الأمة والدولة
- البرنامج النووي السعودي
- ضحايا الفساد
- فاتورة الصراع الأمريكي الإيراني
- الطريق الى دولة المواطنة
- قمة الناتو وضغوط ترمب
- هل تقترب فرنسا من لحظة التحول ؟


المزيد.....




- كشف آلية اضطراب يسبب تجلطات دموية خطيرة
- تحذير من مكملات انقطاع الطمث الشائعة.. مخاطر صحية قد تصل إلى ...
- علماء يكشفون أسرار أصل 3I/ATLAS.. ثالث جسم معروف من خارج الن ...
- هل يمكن للرياضيات أن تتنبأ بمستقبل الحب؟
- مدرعة روسية لمواجهة الطائرات المسيرة.. للإيجار مقابل 25 مليو ...
- أوكرانيا تجرّ بريطانيا إلى صراع عسكري مباشر مع روسيا
- جي دي فانس وتاكر كارلسون – خلاف سياسي لا يفسد للود قضية
- التعليم تشارك في “أسبوع التعلم الرقمي” بباريس وتستعرض التجرب ...
- التعليم العالي: انتهاء تقليل الاغتراب لطلاب الثانوية العامة ...
- «القاهرة 2026».. الجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني تتوج بذهب ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - المواطنة اولا