أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طلال كبده - غسيل تاريخي في مقهى حداثي: الطبري يتأبط ميكروفوناً وابن كثير يفتش عن أصحاب ال (Blue Check)!














المزيد.....

غسيل تاريخي في مقهى حداثي: الطبري يتأبط ميكروفوناً وابن كثير يفتش عن أصحاب ال (Blue Check)!


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 12:46
المحور: قضايا ثقافية
    


دخلتُ المقهى الثقافي في الرياض، هرباً من صخب "التريندات" الجوفاء، فوجدتُ مشهداً يرتعد له فرائص الوعي الرقمي. على طاولةٍ دائرية تفوح منها رائحة القهوة المختصة، جلس المفكر والباحث الحداثي السعودي الأستاذ عبدالله مطلق القحطاني، واضعاً جهاز الـ "iPad" أمامه بكبرياء معرفي. وبجواره مباشرة، جلس الإمام أبو جعفر الطبري محاطاً بأحبارٍ ومخطوطات صفراء يتصاعد منها غبار القرون، بينما استقر الإمام ابن كثير في مواجهتهما، ينظر بريبةٍ وتوجس إلى شاشة "الرقمية" التي تومض بإشعارات منصة (X).
كان الثلاثة يخوضون معركة فكرية طاحنة حول قضية مصيرية: "كيف نكتب ونفهم تاريخ البشرية في عصر الـ (TikTok) وصنّاع المحتوى السطحي؟"
تنحنح الإمام الطبري، ومسح على لحيته الكثيفة بوقار، وقال: "يا أبا محمد (ابن كثير)، ويا أستاذ عبدالله.. لقد أمضيتُ عمري أقول في تاريخي حدّثنا فلان عن فلان ، وشرطي الذي صرّحتُ به هو النقل الكلي بأمانة، والعهدة في النهاية على الراوي لا على الناقد! فما بال أقوامٍ في عصركم ينشرون مقاطع مدتها خمس عشرة ثانية، يصرخون فيها: معلومة صادمة لم تخبركم بها كتب التاريخ ، دون سندٍ ولا متن، بل على أنغام معازفٍ صاخبة وحركات بهلوانية؟"
ابتسم عبدالله مطلق القحطاني بهدوء وثقة، وعدّل نظارته، ثم نقر على شاشة جهازه بحسٍ نقدي حداثي قائلاً: "يا إمامنا العظيم، أنت قامة معرفية لا جِدال فيها، لكن منهجك القائم على أمانة النقل الكلي دُون تمحيص البنية سَاهم في أزمة وعينا المعاصر. أنت جمعت الغث والسمين وعلّقت المشنقة على رقبة الراوي. نحن اليوم في عصر الحداثة وما بعد الحداثة، لا يهمنا السند بقدر ما يهمنا تفكيك الخطاب. نحن نتساءل: ما هي البنية السياسية والاجتماعية، وسلطة العصر التي جعلت ذلك الراوي يختلق تلك القصة بالذات؟ نحن لا نهدم مجهودك، بل نقرأ المسكوت عنه وراء أسطر مخطوطاتك!"
هنا، ضرب الإمام ابن كثير بيده على الطاولة بحزم، حتى كاد كوب الـ "فلات وايت" الخاص بالقحطاني أن ينكفئ، وقال بحدة العلماء: "أصبتَ في الغربلة يا أبا مطلق، وأخطأتَ في التفكيك الذي يميّع الثوابت! أنا في البداية والنهاية لم أقبل كل ما نقله إمامنا الطبري. التاريخ عندي ليس مستودعاً للأخبار المهجورة، بل هو ميزانٌ شرعي وعقلي، والمرويات الواهية والإسرائيليات يجب أن تُنحى جانباً ليتضح الوعي. لكنني أراك بعينك الحداثية هذه، تريد أن تجعل التاريخ كله وجهات نظر نسبية وخاضعاً لأهوائنا المعاصرة، حتى يضيع الحق بين ركام التحليلات النفيسة منها والرديئة!"
عند هذه النقطة، تدخلتُ أنا (الكاتب الساخر) مرتدياً عباءة المثقف المشاكس، ووجهتُ حديثي للثلاثة: "يا أساتذتي الأجلاء، أنتم تتنافسون في مناهج التوثيق، والتفكيك، والنقد المعرفي.. بينما الوعي الجمعي في الشارع اليوم يقوده (مؤثر) مراهق في وسائل التواصل، يرتدي قبعة غريبة، ويبدأ مقطعه بعبارة تخيل أن.. ، ثم يسرد تاريخاً موازياً لم يذكره إنسٌ ولا جان، ويحصد ملايين الإعجابات والريتويت! إمامنا الطبري يحتاج اليوم إلى (توثيق الحساب بالعلّامة الزرقاء) ليُصدقه جيل الـ (iPad)، وإمامنا ابن كثير سيُتهم بـ (الهجوم والترصد في التعليقات) إذا ضعّف رواية (مشهور يعلن عن مطعم برجر)، وأنت يا أستاذ عبدالله سيُقال عنك في الردود: كلامه معقد وفلسفي، اختصر لنا الفكرة في سطرين يا بروفيسور! ".
نظر الطبري إلى ابن كثير بحيرة تامة وقال: "ما التوثيق الأزرق هذا يا أبا محمد؟ أهو إسنادٌ جديد من رجال الجرح والتعديل؟"
فرد القحطاني متهكماً بسخرية لاذعة: "لا يا إمامنا، هذا ليس إسناداً من رجال الحديث، بل إسنادٌ من رجال المال وبطاقات الائتمان.. تدفع شهرياً، لتصبح مؤرخاً ثقة!"
تنهد ابن كثير تنهيدةً هزت أركان المقعد، ونظر إلى شاشة الـ "iPad" ثم قال: "إذاً، عزاؤنا أننا كتبنا لأمةٍ تقرأ المتون وتزن الرجال، وتركناكم لأمةٍ تقرأ العناوين الجاذبة (Clickbaits) وتزن الوعي بعدد المشاهدات. إن كان تاريخنا في الماضي يحتاج إلى غربلة، فإن وعي عصركم الحداثي هذا يحتاج إلى إعادة إعمار بالكامل!"



#طلال_كبده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيناريو مسرحي كامل: -ترمي بشرر.. في سوق عكاظ الرقمي-
- من حظيرة الرعية إلى فضاء المواطنة: دليلك الساخر لتفكيك العبو ...
- الحاكمية واللابتوب: حوار فوق صفيح تراثي ساخن!
- وادي الشك.. وضجيج المذبح الافتراضي
- طرقات على باب الغزالي: محاكمة العقل السائل
- تفكيك الأبوية التاريخية: سجال صارخ بين سيف الطاغية ووعي التن ...
- مسرحية: حفريات الشك ومحاكمة النص
- حانة الوعي المر: حوارية فلسفية وجودية بين نجيب الريحاني وعبد ...
- مسرحية: فلسفة الصعلوك وصدمة المفكر
- عنوان العرض: -برزخ الأفكار القلقة-
- حواف الحبر.. وظلال النص
- برزخ المطارق: حوار فوق الغمام
- خريف النص: رحلة في وادي الشك.
- مسرحية ذهنية: برزخ السطور المتمردة
- تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والف ...
- البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكي ...
- سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند
- سيناريو مسرحي قصير: إعراب العبث
- حفريات اللاهوت مقابل صدمة الشاشة: دراسة مقارنة بين عبدالله م ...
- اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضا ...


المزيد.....




- نيكول كيدمان تخطف الأنظار بإطلالة فضية في نيويورك
- -جرذان وكلاب ضالة وأمراض-.. صحفي إسرائيلي في -هآرتس- يرصد ال ...
- ماذا دار بين ترامب ونتنياهو؟ 3 خيارات للتعامل مع إيران يكشفه ...
- السلاح أولاً أم الانسحاب أولاً؟ ما الخيارات المتبقية أمام حز ...
- بقوتها الناعمة.. الصين تتجاوز أمريكا في مستوى القبول العالمي ...
- الأمن اللبناني يحبط محاولتين لتهريب الكبتاغون إلى السعودية و ...
- قطر تنفي استضافة وفد إيراني في سفارتها بدمشق
- الأحزاب المصرية تخاطب السيسي والجيش بعد استهداف سفينة بطائرة ...
- -الأخبار-: بري غير متفائل باتفاق واشنطن قبل جولة روما
- الصحة البريطانية: الحر قتل 2877 شخصا خلال شهرين


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - طلال كبده - غسيل تاريخي في مقهى حداثي: الطبري يتأبط ميكروفوناً وابن كثير يفتش عن أصحاب ال (Blue Check)!