أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته















المزيد.....

محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 12:22
المحور: القضية الفلسطينية
    


شهادة وفاء لرجلٍ وقف مع صديقه، وعاش فلسطين قصيدةً لا تنتهي.

لا أعلم على وجه اليقين في أيِّ تاريخٍ التقينا للمرة الأولى، لكنني أعرف أن زواريب مخيم شاتيلا هي التي جمعتنا. هناك، في الأزقة الضيقة التي كانت تتسع للفقراء أكثر مما تتسع لهم الدنيا، بدأت حكاية صداقة لم تصنعها المصالح، بل صنعتها الهموم المشتركة والإيمان بفلسطين.

جمعتنا ليالي المخيم ونهاراته، وجمعتنا هموم الناس البسطاء الذين كانوا يحملون أثقال الحياة بكرامة، رغم أن الحياة لم تمنحهم إلا القليل.

هناك عرفت محمود الباشا.

شابّاً فلسطينيّاً من يافا، لاجئاً في لبنان، يحمل وطناً كاملاً في قلبه، ويخفي خلف ابتسامته ما يكفي من الأحزان لكتابة عمرٍ كامل.

منحه الله صوتاً جميلاً، ووهبه موهبة الشعر. لم يكن أسيرَ علم العَروض، ولم يكن يبحث عن اعترافٍ من أحد؛ لأن الشعر عنده لم يكن قواعد وأوزاناً فقط، بل كان إحساساً صادقاً يخرج من القلب. كان ينظم الشعر بالفطرة، ويلقيه بصوتٍ مميز يجعل الكلمات أقرب إلى الذاكرة والحنين.

كان، وما زال، شاعرَ المخيم بلا منازع؛ لأن قصيدته لم تكن بعيدة عن الناس، بل كانت تحمل وجعهم وأحلامهم وحنينهم إلى الوطن.

أما فلسطين، فلم تكن مجرد موضوع يكتب عنه، بل كانت عشقه الوحيد. حملها في صوته، وفي قصائده، وفي كل تفاصيل حياته. كانت وطناً يسكنه قبل أن يسكن هو في المنافي.

ولعل أجمل ما يجسد علاقة محمود الباشا بفلسطين هذه الأبيات التي خرجت من قلبه شاعراً:

أُحِبُّكِ، أُحِبُّكِ كما الأثرياءُ يُحِبُّونَ التَّرَفَ،
أُحِبُّكِ كما يَأكُلُ الفقيرُ الخُبزَ بِشَغَف.
أُحِبُّكِ كنحّاتٍ يُبدِعُ في نَحتِ التُّحَف،
أُحِبُّكِ كالموسيقارِ يُداعِبُ الأوتارَ بالعَزف.

لم تكن فلسطين عند محمود الباشا ذكرى بعيدة، بل كانت حياةً كاملةً تسكن روحه، يراها في كل ما حوله، ويمنحها حضوره في كل قصيدة.

ويقول:

أُحِبُّكِ كالصّاعقِ إنْ على الأرضِ قَصَف،
أُحِبُّكِ كالقمرِ لوِ اكْتَمَلَ، ولو خُسِف.
أُحِبُّكِ كالتِّينِ يَطرَحُ الثِّمارَ ولو عَجِف.

وهكذا بدت فلسطين في شعره؛ أمّاً وحبيبةً وذاكرةً لا تغيب، حتى اختصر كل هذا العشق بقوله:

أُحِبُّكِ... أُحِبُّكِ جدّاً يا فلسطين،
أُحِبُّكِ، وكلَّ يومٍ أعترف.

هذه الكلمات تختصر حكاية محمود الباشا؛ رجلٌ لم يكتب عن فلسطين فقط، بل عشقها حتى أصبحت جزءاً من روحه.

أعترف اليوم أن صداقتي كلّفته ما لم يكن مضطرّاً إلى تحمّله. فقد كان قربه مني سبباً في تعرضه لمتاعب وضغوط كبيرة. كلما رفعت صوتي في مواجهة المنظومة الفاسدة داخل مخيم شاتيلا، كانت الضغوط تزداد عليه؛ لأنه اختار أن يقف إلى جانبي، وألّا يتخلى عن صداقة يؤمن بها.

كان يعرف أن موقفه قد يعرّضه للخطر، وأن وقوفه إلى جانبي قد يكلّفه الكثير، لكنه لم يتراجع. كان يستطيع أن يبتعد، وأن يقول: لا علاقة لي، وأن يحمي نفسه بالصمت، لكنه اختار طريقاً آخر.

اختار الوفاء.

اختار أن يقف مع الإنسان قبل الحسابات، ومع الحق قبل الخوف.

واجه كل ما تعرض له بحكمة وصمت، ولم يبحث عن بطولة أو مدح. كان يرى أن الوقوف إلى جانب صديقه موقف طبيعي، وأن الكرامة لا تتجزأ.

وهنا تظهر معادن الرجال؛ فهناك من يكون شجاعاً عندما لا يدفع ثمناً، وهناك من يثبت شجاعته عندما يصبح الثمن غالياً.

ومحمود الباشا كان من النوع الثاني.

وكلما التقينا كان يضحك طويلاً. كانت ضحكته تخفي تعب السنين، لكنها كانت أيضاً إعلاناً عن انتصار الإنسان على القهر.

ما زلت أذكر، وسأبقى أذكر ما حييت، تلك الأيام التي كنا نجلس فيها أمام محلِّ عيسى الحاج (أبو صلاح)، على قارعة الطريق في مخيم شاتيلا.

كان محمود يبدأ الحديث عن فلسطين في مناسبة ومن دون مناسبة. لم يكن يحتاج إلى مقدمة، ولم يكن يبحث عن جمهور؛ لأن فلسطين كانت دائماً حاضرة في كلامه، تسكن صوته وتسبق كلماته.

كان يتحدث عنها بحبِّ العاشق، وحنينِ اللاجئ، ووفاءِ ابن يافا الذي لم تغادره مدينته يوماً.

وكان الجميع يستمعون إليه.

لم يكن الناس يستمعون إلى شاعر فحسب، بل إلى ذاكرةٍ تمشي على قدمين، تحمل وجع الوطن وحلمه في آنٍ واحد. كان محمود، في تلك اللحظات البسيطة أمام محلِّ عيسى الحاج (أبو صلاح)، يحوّل قارعة الطريق إلى منبرٍ لفلسطين، ويحوّل جلسة المخيم العادية إلى مساحة من الحنين والانتماء.

تلك الصور الصغيرة هي التي تبقى في الذاكرة؛ لأن الرجال الحقيقيين لا تُخلّدهم المنابر الكبيرة، بل تُخلّدهم الأماكن البسيطة التي تركوا فيها أثراً لا يُنسى.

محمود الباشا ليس من أولئك الذين تتصدر صورهم الصحف، ولا ممن تتسابق الفضائيات إلى ذكر أسمائهم. أبناء المخيمات والفقراء لا يملكون منابر تحفظ سيرتهم، رغم أنهم يحملون من النبل والشهامة والكرامة ما لا تحمله كتب كثيرة.

فمن يحمل عبء الذاكرة؟
ومن يكتب سيرة الذين لم تُكتب أسماؤهم في بطون الكتب؟

أولئك الذين وزعوا أعمارهم على الناس، ومنحوا الآخرين من أرواحهم، وتركوا آثاراً عميقة تدل على حضورهم، حتى لو لم تحمل الكتب أسماءهم.

أكتب عن محمود الباشا اليوم، لا لأنه رحل، بل لأنني أخشى أن يأتي يومٌ أكتشف فيه أنني تأخرت كثيراً في قول ما يستحق أن يُقال في حقه.

فالرجال الحقيقيون لا يحتاجون إلى جنازات عظيمة، بل يحتاجون إلى كلمة وفاء وهم ما زالوا يسمعونها.

لهذا أكتب عنه اليوم، وهو ما زال بيننا؛ لأن بعض الرجال لا نعرف قيمتهم إلا بعد أن تسرقهم الأيام منا.

لم يكن محمود الباشا شاعر المخيم فحسب، بل كان شاهداً على زمنٍ كان فيه الوفاء موقفاً، والصداقة مسؤولية، والكلمة الحرة ثمنها غالٍ.

وحين تُكتب يوماً ذاكرة مخيم شاتيلا الحقيقية، لن تكون فقط ذاكرة الألم واللجوء، بل ذاكرة الرجال الذين وقفوا في وجه الخوف.

وسيكون اسم محمود الباشا واحداً من تلك الأسماء التي بقيت واقفةً حين كان الوقوف مكلفاً.

فبعض الرجال لا يتركون وراءهم مناصب ولا ألقاباً، بل يتركون أثراً في القلوب، والأثر الصادق... لا يموت.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود


المزيد.....




- ساحة في روما أُنفقت عليها ملايين الدولارات للتبريد..شاهد كيف ...
- بكلمات نابية.. شاهد كيف خاطب سيناتور الدكتور فاوتشي بجلسة اس ...
- من عالم الأزياء إلى تنسيق الزهور.. رحلة بناء علامة فاخرة
- رامي عياش يستعيد أجواء موضة السبعينيات في فيديو كليب جديد
- الكويت تعلن مقتل عامل في هجوم إيراني استهدف مبنى لشركة صينية ...
- بعد حريق السفينتين.. هيئة ميناء دمياط تعلّق على حركة السفن و ...
- هل بدأت ذخائر ترامب تنفد فعلاً؟
- خطة أمريكية لـ-حملة جوية عقابية- ضد إيران قد تستغرق أسبوعين ...
- هل اقترب حل العقدة الأكبر؟ تقرير يكشف الصيغة الجديدة للتعامل ...
- مصادر: -حماس- توافق مبدئيا على خطة ترامب لإدارة غزة وإعادة ا ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته