أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - من يربي الضمير؟














المزيد.....

من يربي الضمير؟


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 06:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(حين تصبح النزاهة قيمة مهددة، ويغدو الفساد امتحانًا يوميًا للمجتمع)

ليس الفساد مجرد مخالفة قانونية، ولا الجريمة المخلة بالشرف مجرد حادثة عابرة تطوى في سجل القضاء، بل ما يحدث في بلادنا أعمق من ذلك بكثير: إنه انهيار بطيء في صناعة الإنسان نفسه، وتراجع في المعاني التي تجعل المجتمع قادراً على التمييز بين الشرف والانحراف، وبين الأمانة والاستغلال، وبين المنصب بوصفه مسؤولية والمنصب بوصفه غنيمة. وحين يضعف الضمير، لا تسقط مؤسسة واحدة فقط، بل تبدأ سلسلة طويلة من التشوهات التي تمتد من البيت إلى الدولة.

الضمير لا يولد كاملاً
لا توجد مؤسسة واحدة تستطيع أن تصنع إنساناً نزيهاً، كما لا توجد جهة واحدة تتحمل وحدها مسؤولية انهيار الضمير. فالإنسان لا يولد بضمير مكتمل، بل يتشكل ضميره عبر رحلة طويلة تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، ودور العبادة، والقانون، والمجتمع، والإعلام، والثقافة العامة. وكل حلقة من هذه الحلقات إما أن تدعم الأخرى، أو تضعفها، أو تناقضها حتى يصبح الإنسان حائراً بين ما يسمعه وما يراه.

البيت هو المكان الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى الصدق والأمانة واحترام حقوق الآخرين. والمدرسة تعلّمه أن الأخلاق ليست درساً نظرياً، بل سلوك يومي. ودور العبادة تغرس في النفس مراقبة الله والشعور بالمسؤولية حتى في غياب الرقيب. أما القانون، فيرسم الحدود ويؤكد أن العدالة ليست خياراً أخلاقياً، بل واجباً عاماً. ثم يأتي دورالمجتمع ليكافئ السلوك الشريف أو يطبع الفساد بحسب القيم السائدة فيه.

حين تتناقض الرسائل
لكن الأزمة تبدأ حين تفشل هذه المؤسسات، أو تتناقض رسائلها. فكم من طفل سمع في بيته حديثاً عن النزاهة، ثم رأى في الواقع أن الواسطة تختصر الطريق، وأن الرشوة تفتح الأبواب، وأن الخداع الإداري يُمرَّر بصمت! وكم من شاب حفظ الخطب عن الأمانة، لكنه شاهد أن الفساد هو الطريق الأسرع إلى النفوذ والوجاهة!

هنا لا يعود الفساد مجرد سلوك فردي، بل يصير ثقافة موازية تعلّم الناس أن الأخلاق جميلة في الكلام، لكنها غير نافعة في الحياة. وعند هذه النقطة يصبح المنصب فرصة لاختبار الأخلاق، لا لصناعتها. فالسلطة لا تزرع الفساد في النفوس، بل تكشف ما كان مختبئاً فيها.

الجريمة المخلة بالشرف
وتتخذ الأزمة بعداً أشدّ حين نصل إلى الجريمة المخلة بالشرف. فهذه الجريمة ليست مجرد مخالفة قانونية، بل فعل يضرب في عمق الثقة الاجتماعية والاعتبار الأخلاقي للشخص. وهي تمس جوهر الصورة التي يبنيها المجتمع عن الإنسان، لأنها ترتبط بالنزاهة ونظافة اليد والقدرة على حماية الأمانة.

والأخطر أن أثرها لا يتوقف عند العقوبة. فهي تترك في الشخص نفسه جرحاً قيمياً، لأن الفساد حين يتكرر لا يسرق المال أو المنفعة فقط، بل يسرق الحس الأخلاقي من الداخل. عندها يفقد الإنسان قدرته على رؤية السقوط بوصفه سقوطاً، ويبدأ في تبرير ما كان يستحي منه من قبل.

وليس هذا الأثر قانونيا أو نفسيا فقط، بل كان له في الوعي الاجتماعي قبل عقود وزن بالغ. إذ كان الناس لا يتزوجون ولا يزوجون من ثبتت عليه جريمة من هذا النوع، بوصف ذلك موقفا اجتماعيا صارماً يهدف إلى إعلاء قيمة النزاهة ونظافة اليد. لم يكن ذلك التصرف الجمعي تشدداً فارغاً، بل تعبيراً عن تقدير عالٍ للموظف المؤتمن على المال العام، وعن قناعة بأن من خان الشرف في موضع، قد يخلّ به في مواضع أخرى. فحين ينكشف فساد أحد أفراد الاسرة، لا تقف الصدمة عند حدود الشخص نفسه، بل تمتد إلى الاسم العائلي، والعلاقات، والصورة أمام الناس. وقد لا تكون الأسرة مسؤولة عن الفعل، لكنها تتحمل تبعاته المعنوية، لأن المجتمع لا يفصل دائمًا بين الفرد وسيرته وبين محيطه الأقرب. لذلك كان الامتناع عن المصاهرة رسالة واضحة من المجتمع بأن الشرف ليس شأناً خاصاً، بل قيمة عامة تمس السمعة والاعتبار والثقة.

اذن الخطورة الكبرى تكمن في دور المجتمع . فالمجتمع إما أن يردع الفساد بقيمه، أو يطبع الانحراف حتى يصبح مألوفاً. وحين يتحول الفساد إلى أمر "مفهوم" أو "شائع"، فإن الجريمة المخلة بالشرف تفقد صدمتها الأخلاقية تدريجيا، وتتحول إلى واقع يتم التعامل معه ببرود. وعندها لا يعود المجتمع يحاكم الفعل، بل يتكيف معه، وهذا هو الانحدار الحقيقي.

إصلاح الدولة يبدأ قبل المنصب
لهذا لا يبدأ إصلاح الدولة من تبديل الأشخاص فقط، بل من إعادة بناء الإنسان من الداخل. يبدأ حين نربي الانسان الذي يرى في الرشوة انحراف مرفوض،لا سلوك مرتبط بالمراقبة أو خوف من انكشاف الأمر. هذا الانسان المواطن والموظف سيؤدي عمله بإخلاص حتى لو غاب الرقيب، ويشعر أن خيانة الأمانة خسارة لنفسه قبل أن تكون جريمة بحق الآخرين. فبناء الضمير ليس مهمة العائلة وحدها، ولا المدرسة وحدها، ولا رجل الدين وحده، ولا القاضي وحده. إنه مشروع وطني متكامل، تتقاطع فيه كل المؤسسات، فإذا نجح تغيّرت الدولة، وإذا فشل ظللنا نبدل الوجوه ونبقى في المكان نفسه.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يتكرر كل بضع سنوات: لماذا لا يتغير وضع البلد؟ ليس سؤالاً سياسياً فقط، بل سؤالاً أخلاقياً في جوهره. لأننا كثيراً ما حاولنا إصلاح السلطة، ولم نبدأ بإصلاح الإنسان الذي يحملها.

إن أخطر ما يهدد أي مجتمع ليس ضعف القوانين وحدها، بل ضعف الضمير الذي يمنح القانون معناه. فالقانون يردع، لكن الضمير يمنع. والمؤسسات تراقب، لكن التربية تصنع السلوك حين تغيب المراقبة. وبين البيت والمدرسة ودور العبادة والقانون والمجتمع، تتشكل صورة الإنسان الذي سيصبح يوما ما مسؤولاً نزيهاً أو فاسداً، أميناً أو خائناً، ركيزةً في البناء أو سبباً في الانهيار.

لذلك يبقى السؤال الأول هو الأهم: من يربي الضمير؟
والجواب، في النهاية، ليس مؤسسة واحدة... بل الجميع، أو لا أحد.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تسليع كل شيء: كيف تحولت الأفكار والمشاعر والذات إلى سلع في ع ...
- هل أصبح الواي فاي عينا ترانا في الظلام
- حين تُقاس المحبة بميزان مختلف: حقيقة العلاقات الاجتماعية في ...
- أنت تحمل أشخاصاً لم تلتقِ بهم بعد
- عدم اليقين كأداة حكم: قراءة في الواقع العراقي
- دراسة تحليلية وتطبيقية في تفسير النوستالجيا الجماعية في ظل ا ...
- المعنى: البوصلة الداخلية للوعي البشري
- حين تصبح المسايرة وسيلة للبقاء
- اضطراب تشوّه صورة الجسد وعمليات التجميل: حين يتحوّل السعي إل ...
- التدبير الاحتيالي: حين تصبح الحقيقة أداةً لا غايةً
- دراسة في الهوية الإنسانية عبر بوابة الغذاء
- بابُ الذاكرة — لا تأليهٌ ولا نسيان
- الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى
- حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته
- حين يتحول الرئيس إلى رواية حية
- حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المس ...
- الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح
- المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج ...
- الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية ...
- الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية


المزيد.....




- روما تستضيف محادثات فنية بين لبنان وإسرائيل 4–6 أغسطس
- هل يهدد الثقب الأسود الأرض؟.. عالم روسي يحسم الجدل
- ترامب ونتنياهو وقعا في فخّ إيران
- الصواريخ الروسية شاركت في معرض الدرونات الأوكرانية
- الاتحاد الأوروبي يقترح خيارًا جديدًا لدمج أوكرانيا مع أوروبا ...
- تبون: بلد واحد يشوش على علاقات الجزائر مع الاتحاد الأوروبي
- نتانياهو يلتقي ترامب في البيت الأبيض الثلاثاء وإيران ولبنان ...
- ترامب يراهن على الدبلوماسية مع إيران ويبقي الخيار العسكري مط ...
- روما تستضيف جولة مفاوضات جديدة بين إسرائيل ولبنان
- الأهداف تنفد والوسطاء يتحركون.. لماذا أوقف ترمب قصف إيران؟


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - من يربي الضمير؟