إسماعيل نوري الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 15:07
المحور:
الادب والفن
في لحظة تأملية نادرة، يجد الإنسان نفسه واقفاً على حافة سؤال وجودي يهز كيانه: من أنا؟ وما الذي أبحث عنه حقاً؟ في رواية "جمرة الله" للروائي العراقي كريم شعلان، نعيش هذه اللحظة الوجودية بكل ثقلها وروعتها. فالرواية ليست مجرد حكاية عن رجل يترك عائلته بحثاً عن الله في كهف مهجور، بل هي رحلة استكشافية عميقة في متاهات الذات البشرية، حيث تتقاطع الأسئلة الدينية مع الشكوك الفلسفية، وتتلاشى الحدود بين الواقع والخيال في لعبة مرآوية ساحرة. ما يثير الانتباه في هذه الرواية هو قدرتها على تحويل النص الأدبي إلى مساحة للتأمل النقدي في البنى الثقافية والدينية التي تشكل وعينا. إنها، بطريقة ما، تجسيد عملي لأطروحات النظريات النقدية المعاصرة التي تؤكد أن القراءة ليست عملية سلبية، بل هي حوار نشط بين القارئ والنص، تتشكل خلاله المعاني في سياقات متعددة ومتداخلة. وكما تقترح لويس تايسون في كتابها القيم "النظريات النقدية المعاصرة"، فإن كل نظرية نقدية تشبه "نظارة" تركز على جوانب معينة من النص وتُهمش أخرى، وهذا التعدد المنهجي هو ما يثري تجربتنا الجمالية ويكشف عن أبعاد جديدة للنصوص.
تفكيك المركزية الدينية: في نقد السلطة الرمزية
تُقدّم رواية "جمرة الله" نقداً لاذعاً للسلطة الدينية بوصفها خطاباً مهيمناً يشكل وعي الأفراد وعلاقاتهم بالذات والعالم. فشخصية الشيخ عبد الرحمن، إمام المسجد في مدينة برادفورد الكندية الصغيرة، تجسد هذه السلطة بكل تناقضاتها. فهو رجل الدين الذي يمارس طقوسه الدينية بحماس، لكنه في الوقت نفسه رجل عنيف يخطف ويقتل ويُخضع الآخرين لسلطته المطلقة. هذا التناقض الصارخ يذكرنا بما تطرحه النظريات النقدية - وخاصة الماركسية وتفكيكية السلطة عند ميشيل فوكو - عن العلاقة المعقدة بين الدين والسلطة، وكيف يمكن للمؤسسات الدينية أن تصبح أدوات للسيطرة الأيديولوجية بدلاً من أن تكون منارات للروحانية والتحرر. في مشهد انتخابي مثير، نقرأ عن انتصار الشيخ على مجموعة "اليايك" (راكبي الدراجات النارية) باستخدام سيف ملتهب، ليصبح بطلاً شعبياً في المدينة. هذا المشهد يحمل دلالات رمزية عميقة، فهو يصور الدين كسلاح فعّال في الصراع الاجتماعي، لكنه يسخر في الوقت نفسه من هذا البطولة المزيفة التي تُبنى على العنف والتخويف لا على القيم الروحية الأصيلة. وهنا تبرز مفارقة أساسية: الشخص الذي يبحث عن الله يتحول، تحت تأثير الشيخ، إلى شريك في جرائم القتل والاختطاف، وكأن الطريق إلى القداسة يمر عبر جحيم الدم والعنف. لكن الأكثر إثارة للدهشة هو لحظة انهيار أيقونة الشيخ في مشهد الكشف عن "جمرة الله" التي لم تكن سوى لفافة حشيش في فم عبد الرحمن محمد الأفريقي، الرجل الذي أدمن المخدرات وتحول إلى متشرد. هذا المشهد يذكرنا بما تسميه تايسون "تفكيك المركزيات" أو ما يعرف بالنقد التفكيكي الذي يستهدف الكشف عن التناقضات الداخلية في الخطابات التي تدعي الثبات والشمولية. فالجمرة التي كانت رمزاً للوجود الإلهي تتحول إلى رمز للانحطاط البشري، مما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة البحث الروحي ومدى إمكانية التمييز بين الحقيقة والوهم.
تمظهرات اللاوعي في السرد: مقاربة تحليلية نفسية
تزخر رواية "جمرة الله" بعوالم اللاوعي بأشكاله المختلفة: الأحلام، الكوابيس، التهيؤات، والصور المتتالية التي تتدفق في ذهن الراوي. فالكهف ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو فضاء سيكولوجي يعكس رحلة الراوي الداخلية في دهاليز نفسه. هذا التماهي بين المكان الداخلي والخارجي ينسجم مع ما تطرحه نظرية التحليل النفسي، وخاصة أفكار كارل يونغ عن اللاوعي الجماعي والرموز البدئية. فالكهف هنا يشبه الرحم الذي يعيد إنتاج الولادة الرمزية للذات، لكن هذه الولادة لا تأتي بالخلاص، بل بالانغماس في دوامة من العنف والجنون. الأحلام في الرواية ليست مجرد فاصل جمالي، بل هي نافذة على الصراعات النفسية العميقة للراوي. حين يحلم الراوي بعودته إلى مدرسته في بغداد، ورؤيته لأستاذ الرياضيات سلمان، فإن هذا الحلم يكشف عن طبقات الذاكرة المكبوتة وعن الرغبة في العودة إلى زمن الطفولة حيث كانت الأمور تبدو أكثر وضوحاً وبساطة. وهذا يعكس ما تسميه تايسون في قراءتها التحليلية النفسية "الرغبة المفقودة"، ذلك الشعور بالحرمان الذي يدفع الشخصية للبحث عن بدائل رمزية في عالم الكبار. كما يثير الجنون كحالة نفسية في الرواية أسئلة مهمة حول حدود العقلانية واللاعقلانية في التجربة الدينية. فحين يصرخ الراوي في الكهف متوسلاً إلى الله، ثم يجد نفسه في مواجهة مع شرطيين يسخران منه، يتجلى الصراع بين البعد الروحي والواقع المادي الذي قد يكون أكثر جموحاً وقسوة من الخيال. هذا التوتر يذكرنا بنظرية التحليل النفسي في تفسير التجربة الدينية كمحاولة للتعويض عن فقدان العلاقة البدئية (مع الأم مثلاً)، حيث يصبح الله رمزاً للحماية والاحتواء.
لعبة المرايا بين الواقع والخيال
من أبرز السمات البنيوية للرواية هو تداخل المستويات الواقعية والخيالية حتى يصبح من المستحيل التمييز بينهما. فالراوي يصرح منذ البداية: "شخوصهم جميعهم أنا، صنعتهم دفاعاً عن روحي التواقة للبحث والاكتشاف". هذا الإعلان يضعنا أمام لعبة مرايا معقدة تشبه ما تطرحه البنيوية وما بعد البنيوية من أفكار حول العلاقة بين اللغة والواقع. فإذا كانت الشخصيات كلها أنا، فهذا يعني أن الرحلة الخارجية في الكهوف والغابات هي في الحقيقة رحلة داخلية في متاهات الذات، وأن البحث عن الله هو بحث عن الذات العميقة التي تهرب باستمرار من التحديد والتصنيف. هذه اللعبة المرآوية تصل ذروتها في مشهد الراوي وهو يصلي أمام المرآة متبعاً نصيحة العجوز الآسيوية: "إذا أردت أن ترى الرب، انجز صلاتك ووجهك أمام مرآة كبيرة، حدق بوجهك، ضع عينيك في عينيك ولا ترمش". في هذا المشهد، تتحول المرآة إلى فضاء تأملي يكشف عن تعدد الذوات وتشظي الهوية. فالراوي يرى في المرآة ليس وجهه فحسب، بل وجوه عائلته وأصدقائه، وأخيراً وجه الشيخ بلسان مبتور. هذا الكشف المرعب يشير إلى أن الهوية ليست كياناً ثابتاً، بل هي تشكيلة متغيرة من الانعكاسات والتجليات. وهذا النمط السردي يتماشى مع ما تسميه تايسون "القراءة ضد التيار"، حيث يُطلب من القارئ أن يكسر التوقعات ويفكك المعاني السطحية ليصل إلى طبقات أعمق من الدلالة. فالرواية لا تقدم إجابات واضحة، بل تترك القارئ في حالة من الحيرة والشك، محاكية بذلك حالة الراوي نفسه الذي يبحث عن الحقيقة في متاهة من الأوهام والانعكاسات.
الجسد كأرضية للصراع الوجودي
لا تقتصر رحلة البحث في الرواية على البعد الروحي والفكري، بل تمتد لتشمل الجسد بكل احتياجاته وآلامه وشهواته. فالجسد في "جمرة الله" ليس مجرد وعاء للروح، بل هو ميدان للصراع بين الرغبة والنقاء، بين الغريزة والقداسة. عندما يترك الراوي زوجته وأطفاله، فهو يهجر ليس فقط عائلته، بل جسده وحياته الجسدية المعتادة ليواجه جسده في حالة من العري الروحي والجسدي معاً. العري في الرواية يحمل دلالات متعددة: فهو عري من الملابس عند الاغتسال في النهر، وعري من التقاليد الاجتماعية عند العيش في الكهف، وعري من الأخلاقيات المألوفة عند المشاركة في جرائم القتل، وعري جنسي في مشاهد الحفلات واللقاءات مع النساء. هذا التدرج في العري يشير إلى سقوط الأقنعة الاجتماعية والكشف عن الإنسان في حالة من الصراع البدائي بين الرغبة والموت، بين الحياة والانحلال. المشهد الجنسي مع الفتاة في قصر الشيخ "راعي" يبرز هذا الصراع بوضوح. فالراوي يجد نفسه في سرير مع فتاة تصغره بكثير، وهو يشعر بالرغبة الجسدية التي تتصارع مع الذنب والخوف من انتهاك قدسية العلاقة الزوجية. هذا التوتر يعكس الأزمة التي يمر بها الراوي بين التوق إلى الحرية الجنسية والخوف من العواقب الأخلاقية، وهو صراع يشبه ما تصفه تايسون في قراءتها التحليلية النفسية للرغبة المفقودة والتوق إلى المتعة المحرمة. أما مشاهد العنف الجسدي، وخاصة عمليات التعذيب والقتل التي يقوم بها الشيخ، فتكشف عن الجسد في حالة من الفظاظة المطلقة. حين يقطع الشيخ أصابع ضحاياه أو يدفنهم أحياء، يصبح الجسد أرضية للسلطة المطلقة والتعبير عن الغضب الوجودي. هذه المشاهد تطرح تساؤلات مقلقة حول الطبيعة البشرية وقابليتها للوحشية عندما تتجرد من القيود الاجتماعية والأخلاقية.
في انتظار جمرة أخرى
في هذه الرحلة التأملية في رواية "جمرة الله"، نجد أنفسنا أمام سؤال مفتوح: هل يمكن للإنسان أن يصل إلى الحقيقة المطلقة أم أنه محكوم عليه بالعيش في ظل الأوهام والانعكاسات؟ الرواية لا تقدم إجابة قاطعة، بل تتركنا في حالة من الترقب والحيرة، مثل الراوي الذي يعود من رحلته وقد تغير كل شيء ولم يتغير شيء. لعل الجمرة التي تتوسط وجه الشيخ، والتي تتحول من رمز إلهي إلى لفافة حشيش، ثم تعود لتتوهج في الكهف المحترق دون مصدر واضح، هي الرمز الأكثر إيحاءً في الرواية. إنها تذكرنا بأن الحقيقة ليست شيئاً يمكن امتلاكه، بل هي عملية بحث مستمرة، رحلة لا تنتهي في متاهات الذات والعالم. وكما يقول الراوي في لحظة تأمل: "العمر كله لحظة عابرة أمام هذا الكون، تتهاوى الطموحات وتتحول إلى أسئلة تتسلل". تظل "جمرة الله" واحدة من أكثر الروايات العربية جرأة في تناول الأسئلة الوجودية والدينية، لأنها لا تكتفي بطرح الأسئلة، بل تدفع القارئ إلى العيش داخل هذه الأسئلة، إلى تجربة الشك والبحث والضياع معاً. إنها رواية عن سقوط الأيقونات، لكنها في الوقت نفسه عن إمكانية ولادة أيقونات جديدة من رماد القديم، عن جمرة أخرى قد تتوهج في زوايا الوعي حيث يلتقي البحث عن الله بالبحث عن الذات. ففي عالم يموج باليقينيات الجاهزة والخطابات المغلقة، تذكرنا رواية كريم شعلان بأن الشك ليس ضعفاً، بل هو بداية الحكمة. وأن البحث عن الحقيقة هو رحلة لا نهاية لها، حيث كل إجابة تولد سؤالاً جديداً، وكل جمرة تنطفئ لتشعل جمرة أخرى في متاهات الروح الإنسانية التي لا تكل ولا تمل من السؤال.
#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟