أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً















المزيد.....

صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 20:05
المحور: الادب والفن
    


بعد أن يغادر كثير من الأكاديميين قاعات الدرس، تنتهي آثارهم بانتهاء المحاضرة، وتبقى أسماؤهم في سجلات الجامعات. غير أن بعضهم يترك أثره في الكتب والطلاب والمؤسسات الثقافية والجوائز الأدبية والذاكرة النقدية. ومن هذا الصنف يبرز الدكتور صالح هويدي ناصر، الذي جمع بين الأستاذ الجامعي والناقد والباحث والموجه الثقافي، فامتدت تجربته من العراق إلى الإمارات، ومن قاعات البحث العلمي إلى ورش الكتابة الإبداعية، ومن دراسة النصوص إلى صناعة بيئة ثقافية أسهمت في ظهور أجيال جديدة من الكتّاب. وليس من الإنصاف أن يُنظر إلى منجزه بوصفه حصيلة كتب منشورة فحسب، لأن الرجل اشتغل في أكثر من حقل، وتحرك في أكثر من دائرة، وترك بصمته في التعليم والنقد والتحكيم والإدارة الثقافية والعمل المؤسسي. وهكذا تحولت تجربته إلى نموذج للمثقف الذي لا يكتفي بالقراءة والتأليف، بل يشارك في بناء الحقل الثقافي نفسه.
بين الجامعة والنقد الأدبي
نال الدكتور صالح هويدي ناصر درجة الماجستير في البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن من جامعة القاهرة عام 1980، ثم حصل على الدكتوراه في الأدب الحديث ونقده من جامعة بغداد عام 1986. وكان هذا التكوين العلمي المتين أساساً لمسيرة طويلة امتدت عبر عدد من الجامعات العربية. درّس في جامعة الكوفة، والجامعة المستنصرية، وجامعة السابع من أبريل، وجامعة الجزيرة، وعمل محاضراً في الجامعة الأمريكية بالشارقة. وخلال هذه المسيرة لم يتعامل مع الجامعة بوصفها مكاناً لتلقين المعرفة، بل بوصفها فضاءً لإنتاجها. يا رعاك الله، إن الأستاذ الحقيقي لا يقاس بعدد المحاضرات التي يلقيها، بل بعدد العقول التي يوقظها. وهذا ما تؤكده سيرة الرجل الذي ظل حاضراً في الندوات والمؤتمرات وورش العمل، حاملاً هم المعرفة إلى ما هو أبعد من أسوار الجامعة. وقد شغل منصب رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب بمدينة زوارة، وأسهم في إعداد أجيال من الباحثين والدارسين، مستنداً إلى خبرة علمية ونقدية واسعة.
الناقد الذي جعل السرد حقلاً للمعرفة
إذا كان لكل ناقد منطقة اشتغال خاصة، فإن منطقة الدكتور صالح هويدي تتمثل في السرد العربي عموماً، والسرد الإماراتي خصوصاً. فقد تابع التحولات التي شهدتها القصة والرواية في الإمارات منذ بداياتها الحديثة، وقدم قراءات نقدية أسهمت في توثيق التجربة وتحليلها. ويظهر ذلك بوضوح في كتابه "جبل السرد العائم"، الذي تناول فيه القصة الإماراتية القصيرة بمقاربات تطبيقية دقيقة، حتى استحق جائزة أفضل كتاب إماراتي عام 2012. ولم يكن اهتمامه بالسرد اهتمام قارئ يتابع النصوص من الخارج، بل اهتمام ناقد ينفذ إلى بنياتها الداخلية، ويتتبع أنساقها الجمالية والثقافية. لذلك جاءت كتبه مثل "فتنة السرد" و"السرد الوامض" و"لعبة النص" لتشكل حلقات متصلة في مشروع نقدي متماسك. يا صاح، إن النقد لا يزدهر بكثرة الأحكام، وإنما يزدهر بحسن الفهم. ومن يقرأ أعمال صالح هويدي يلمس حرصه على تفسير الظواهر السردية قبل إصدار الأحكام عليها، وعلى قراءة النص في سياقه الثقافي والمعرفي، لا بوصفه بنية لغوية معزولة.
صانع بيئة ثقافية لا مراقب لها
كثير من النقاد يقفون خارج المشهد يراقبون حركته، أما صالح هويدي فقد شارك في صناعته. فقد تولى إدارة البرنامج الثقافي للنادي الثقافي العربي بالشارقة، وأسهم في تنشيط الفعاليات الأدبية، وربط الكتّاب والباحثين بالمؤسسات الثقافية. كما شارك في تفعيل نادي القصة في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وأسهم مع زملائه في اكتشاف عدد من المواهب السردية التي تحولت لاحقاً إلى أسماء معروفة في المشهد الثقافي الإماراتي. ويواصل هذا الدور عبر إشرافه على ورش الكتابة الإبداعية التي تستهدف الشباب، ومنها المشروع الذي يستلهم أجواء ألف ليلة وليلة بمنظور سردي معاصر. يا أحسن الله إليك، إن الثقافة لا تنمو بالمصادفة، بل تحتاج إلى من يزرع البذور ويرعاها ويصبر على نموها. ولهذا تبدو مساهمة الرجل في صناعة البيئة الثقافية مساهمة لا تقل أهمية عن كتبه ودراساته.
في لجان التحكيم وصناعة المعايير
يكتسب الناقد مكانته الحقيقية عندما تثق المؤسسات الثقافية بحكمه ومعرفته. وقد شغل الدكتور صالح هويدي عضوية عدد كبير من لجان التحكيم في الجوائز الأدبية العربية. شارك في تحكيم جائزة غانم غباش للقصة القصيرة، وجائزة دبي الثقافية، وجائزة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، وجائزة معرض الشارقة للكتاب، وجائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم، وجائزة الشيخة لطيفة بنت محمد لإبداعات الطفولة، وغيرها من الجوائز. ولا تكمن أهمية هذه المشاركات في عددها، بل في دلالتها. فالتحكيم الأدبي مسؤولية معرفية وأخلاقية تتطلب خبرة واسعة وعدالة في التقدير وقدرة على التمييز بين اللمعان المؤقت والقيمة الحقيقية. وقد أدرك الجاحظ منذ قرون أن حسن التمييز أصل كل معرفة، وأن فساد الحكم يفسد ما بعده من نتائج. ومن يتأمل سيرة صالح هويدي يجد أنه جعل من المعرفة النقدية معياراً للحكم، لا من العلاقات أو الأهواء أو الشهرة.
الكتابة بين التراث والحداثة
يتميز مشروعه النقدي بقدرته على الجمع بين التراث النقدي العربي والمناهج الحديثة. فهو ابن البلاغة العربية من جهة، وابن الدراسات النقدية المعاصرة من جهة أخرى. ولهذا جاءت أعماله متوازنة في رؤيتها، بعيدة عن الانبهار المطلق بالمناهج الوافدة، وبعيدة كذلك عن الانغلاق داخل الأطر التقليدية. وقد تناول في كتبه موضوعات متعددة، من الرمز في القصة العراقية، إلى توظيف الطبيعة في أدب نجيب محفوظ، إلى الخطاب الشعري الإماراتي، إلى بنية السرد العربي الحديث. يا سدد الله خطاك، إن الناقد الذي يفقد صلته بالتراث يقطع نصف الطريق إلى الفهم، والذي يغلق بابه أمام الجديد يفقد النصف الآخر. أما صالح هويدي فقد سعى إلى الجمع بين الطرفين، فحافظ على التوازن الذي يحتاجه كل مشروع نقدي رصين. ولهذا ظلت كتاباته قريبة من القارئ المتخصص، ومفيدة للباحث، ومؤثرة في الحركة الثقافية التي تابعها لعقود طويلة.
الإدارة الثقافية بوصفها معرفة تطبيقية
لم تقتصر مساهماته على التأليف والتدريس، بل امتدت إلى الإدارة الثقافية والعمل المؤسسي. فقد تولى إدارة تحرير عدد من المجلات العلمية والثقافية المحكمة، منها مجلة "دراسات"، ومجلة "الموروث"، وأسهم في هيئة تحرير مجلات أخرى داخل العراق والإمارات. كما شارك في الموسوعة الوطنية لوزارة الثقافة والشباب الإماراتية، وأسهم في مشروع القاموس الذي أنجزته الجامعة الأمريكية بالقاهرة للتعريف بالأدباء الإماراتيين والعراقيين. وتكشف هذه الأعمال عن جانب آخر من شخصيته، يتمثل في الإيمان بأهمية المؤسسة الثقافية. فالمعرفة الفردية مهمة، لكنها تحتاج إلى مؤسسات تحفظها وتنظمها وتنقلها إلى الأجيال الجديدة. يا وفقك الله، إن الكتاب قد يغيّر قارئاً، أما المؤسسة الثقافية الرصينة فتسهم في تغيير أجيال كاملة. ولذلك كان حضور صالح هويدي في المؤسسات الثقافية امتداداً طبيعياً لحضوره الأكاديمي والنقدي.
سيرة ناقد يتجاوز حدود الجغرافيا
عندما نتأمل تجربة الدكتور صالح هويدي ناصر نجد أننا أمام سيرة ثقافية امتدت لأكثر من أربعة عقود، تنقلت بين العراق والإمارات وعدد من البلدان العربية، وحافظت على حضورها العلمي والنقدي دون انقطاع. حصل على جوائز مهمة، ونال عشرات التكريمات، وأصدر كتباً أصبحت مراجع في الدراسات السردية والنقدية، وأسهم في بناء مؤسسات ثقافية، وشارك في صناعة أجيال من الكتّاب والباحثين. يا أيدك الله، إن قيمة المثقف لا تقاس بما يكتبه وحده، بل بما يضيفه إلى حياة الآخرين من معرفة وخبرة وأثر. ومن هذه الزاوية تبدو تجربة صالح هويدي ناصر تجربة مثقف عربي جمع بين العلم والعمل، وبين النقد والبناء، وبين التأليف والتأثير. ولهذا فإن الحديث عنه لا يقتصر على تعداد المناصب والكتب والجوائز، لأن هذه كلها شواهد على حقيقة أعمق، هي أن الثقافة العربية ما زالت تنجب رجالاً جعلوا من المعرفة رسالة، ومن النقد مسؤولية، ومن العمل الثقافي طريقاً لخدمة المجتمع والإنسان.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا
- الدولة بوصفها شركة التعاقد الجائر مع الدولة لا يمكن أن تكون ...
- الناي الذي بكى على العراق شوقي كريم حسن وثقافة لا تُباع في س ...
- حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي
- حين يغيب حرّاس الذاكرة مناشدة إلى عماد مجيد المولى الذي ترك ...
- إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص
- نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الرو ...
- الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفة ...
- في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور ...
- المؤرخ خالد السعدون يرثي وطنًا ضاق بالعقل واتسع للطائفة
- حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى
- في سيرة الأستاذ الدكتور طالب محيبس الوائلي وأثره في صناعة ال ...
- في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ ...
- بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مم ...
- المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أن ...
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً