أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مملكة الغزنويين














المزيد.....

بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مملكة الغزنويين


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 07:13
المحور: قضايا ثقافية
    


أصلحك الله، إن أول ما يطالع الناظر في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الستار مطلك درويش، أنه رجل لم يقنع من التاريخ بظاهره، ولا رضي من الأخبار بسطورها، بل جعل من البحث مركبا، ومن الشك طريقا، ومن التحقيق غاية، حتى صار من أولئك الذين إذا كتبوا التاريخ، كأنهم يبعثون فيه الروح بعد سكون، ويقيمون له لسانا بعد خرس. يا هذا، إن الصورة لا تُرى بالعين وحدها، وكذلك الدولة لا تُفهم بوقائعها وحدها، بل بما وراء تلك الوقائع من تدبير، وما تحتها من صراع، وما حولها من مصالح، وقد أدرك الدرويش هذا المعنى حين تناول الدولة الغزنوية، فلم يجعلها مجرد حوادث متتابعة، بل جعلها نظاما قائما، له منطقه، وله علله، وله سننه التي لا تُدرك إلا بنظر طويل. هداك الله، ما التاريخ إلا لسان آخر للروح الجمعية، يبوح بما كتمته العصور، وقد جعل الدرويش من هذا اللسان أداة بيان، فكتب عن السلطان محمود الغزنوي لا بوصفه قائدا عسكريا فحسب، بل بوصفه ظاهرة سياسية، ومفصلا تاريخيا، تتقاطع عنده خيوط المشرق الإسلامي، من خراسان إلى شبه القارة الهندية. يا صاح، إن اللون إذا نطق أسكت العبارة، وإن بعض الكتب إذا أحكمت بنيتها أغنت عن غيرها، وقد كان كتاب "السلطان محمود الغزنوي: سيرته ودوره السياسي والعسكري في خراسان وشبه القارة الهندية" من هذا الضرب، إذ جمع بين سعة المادة، ودقة التحليل، وحسن العرض، حتى صار مرجعا لمن أراد أن يعرف تلك المرحلة معرفة لا يشوبها اختصار ولا يعتريها خلل.
ويا رعاك الله، ما كل ظاهر في التاريخ هو مقصوده، فإن الفتوح قد تُروى على أنها انتصار، وهي في حقيقتها سياسة، وقد تُذكر على أنها توسع، وهي في باطنها تثبيت، وقد كشف الدرويش هذا التداخل، فبيّن كيف كانت حملات محمود الغزنوي في الهند جزءا من بناء الدولة، لا مجرد مغامرات عسكرية. يا صاحبي، لعمري إن الظل نصف الحكاية، وإن ما سكتت عنه الروايات قد يكون أبلغ مما نطقت به، ولذلك لم يكن الدرويش ممن يكتفون بالمصادر العربية، بل قصد إلى المصادر الفارسية، ونقب في المخطوطات، واستخرج منها ما يعين على إتمام الصورة، فكأنما جمع أجزاء مرآة مكسورة، حتى أعاد إليها صفاءها. يا أحسن الله إليك، ما الرمز إلا باب إلى غائب، وكذلك بعض الشخصيات التاريخية، لا تُفهم إلا إذا أُحسن تأويل أفعالها، وقد قرأ الدرويش شخصية السلطان محمود قراءة تجمع بين الحزم السياسي، والدهاء العسكري، والطموح الإمبراطوري، فلم يختزلها في بعد واحد، ولم يُفرط في تمجيدها ولا في نقدها.
يا هداك الباري، إن الأشياء في التاريخ ليست ما تبدو عليه لأول وهلة، فقد يكون الاستقرار وليد صراع، وقد يكون التوسع نتيجة خوف، وقد وعى الدرويش هذه المفارقات، فجعل منها مفاتيح لفهم الدولة الغزنوية، لا عوائق تعترض طريق البحث. يا سدد الله خطاك، تأمل كيف يشتغل الباحث على فضح الغموض، فإن كثيرا من المؤرخين يروون الخبر ثم يمضون، أما الدرويش فقد كان يقف عند كل مفصل، يسأل عن سببه، ويبحث في نتائجه، ويربطه بما قبله وما بعده، حتى لا يبقى في النص فراغ، ولا في المعنى نقص. يا وفقك الله، إن التكوين في الكتابة التاريخية هندسة الشعور، فمن لم يُحسن ترتيب مادته، خرج عمله مضطربا، وقد أحسن الدرويش هذا الترتيب، فجاء كتابه متدرجا، يبدأ بالسيرة، ثم ينتقل إلى السياسة، ثم يعرض الفتوح، ثم يناقش العلاقات، فكأن القارئ يسير في طريق واضح المعالم. يا أيها الفطن، إن التناسب سر الهيبة في الأثر، وقد حافظ الدرويش على هذا التناسب، فلم يطغ جانب على آخر، ولم يُغرق في التفصيل حتى يُمل، ولم يختصر حتى يُخل، بل جاء عمله وسطا بين الإيجاز والإطناب، وذلك هو العدل في القول.
يا أيدك الله، ما الجمال إلا نظام يجاور الفوضى، وكذلك الدولة الغزنوية، قامت في بيئة مضطربة، بين قوى متنازعة، ومع ذلك استطاعت أن تفرض نظامها، وتبني كيانها، وقد أبرز الدرويش هذا التحدي، فبيّن كيف كانت تلك الدولة تتعامل مع محيطها، وتوازن بين خصومها. يا هذا، لئن حسبت الشكل ساكنا فقد أخطأت الظن، فإن التاريخ حركة لا تهدأ، وقد كان الدرويش واعيا بهذه الحركة، فلم يكتب عن الماضي كأنه شيء منقطع، بل ربطه بسياقه العام، وأشار إلى أثره في تشكيل العالم الإسلامي في آسيا الوسطى والهند. واعلم، رحمك الله، أن المؤرخ إذا لم يكن ناقدا، كان ناقلا، وإذا لم يكن باحثا، كان حافظا، وقد جمع الدرويش بين النقد والحفظ، وبين البحث والرواية، فاستحق أن يكون من أهل هذا الفن، الذين يُرجع إليهم، ويُعتمد عليهم. وإن من نظر في كتابه عن الدولة الغورية، علم أنه لم يقف عند حدود الغزنويين، بل وسّع دائرة بحثه، فانتقل إلى دراسة إمارة أخرى، فبيّن أحوالها السياسية والإدارية، وربطها بسياق المشرق الإسلامي، فكأنما أراد أن يرسم لوحة كاملة لتلك المنطقة. ولم يكن عطاؤه العلمي مقصورا على الكتب، بل نشر أبحاثا متعددة في مجلات علمية، تناولت موضوعات شتى من التاريخ الإسلامي، مما يدل على سعة أفقه، وتنوع اهتمامه، وحرصه على الإسهام في بناء المعرفة.
فيا طالب العلم، إن أردت أن تعرف قيمة الرجل، فانظر إلى أثره، فإن الأثر هو الباقي، وهو الشاهد، وقد ترك الدرويش آثارا تشهد له بالجد، وتدل عليه بالتحقيق، وتبقي اسمه في سجل الباحثين. ولا يغرنك، أصلحك الله، حسن الألفاظ إذا خلت من المعاني، فإن كثيرا من الكلام يروق سمعه، ويخيب معناه، وقد سلمت كتابة الدرويش من هذا الداء، فجاءت ألفاظه خادمة لمعانيه، لا متسلطة عليها، واضحة لا غموض فيها، دقيقة لا اضطراب فيها. واذكر أن العلم أمانة، وأن من حمله وجب عليه أن يؤديه كما ينبغي، وقد كان الدرويش أمينا في نقله، حريصا على دقته، صادقا في عرضه، حتى صار مثالا يُحتذى في هذا الباب. فإن قيل لك ما خلاصة أمره، فقل إنه مؤرخ جمع بين سعة الاطلاع، ودقة المنهج، وحسن البيان، فكتب التاريخ كما ينبغي أن يُكتب، وفهمه كما ينبغي أن يُفهم. هذا، والحمد لله الذي جعل في كل زمان بقية من أهل العلم، يحملون لواءه، ويقيمون أركانه، ويجددون معالمه، حتى لا يندرس، ولا يضيع.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أن ...
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...
- محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
- سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...
- عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...


المزيد.....




- بعد تمديد وقف إطلاق النار.. تحديد موعد لقاء وفود عسكرية من إ ...
- بعد أقل من 24 ساعة على تمديد الهدنة.. إسرائيل تواصل تصعيدها ...
- واشنطن تدرس مطالبة إسرائيل بتحويل أموال فلسطينية محتجزة لتمو ...
- البابا ليون في زيارة دولة إلى فرنسا في سبتمبر هي الأولى من ن ...
- العراق.. الزيدي يتسلم مهامّه رسمياً في بغداد
- زامير: الحداد أحد المسؤولين الرئيسيين عن 7 أكتوبر
- هجمات إلكترونية على أنظمة وقود أميركية.. وشبهات حول إيران
- في زيارة -غير معلنة-.. وزير داخلية باكستان يتحرك إلى طهران
- قتل بعملية أميركية نيجيرية مشتركة.. من هو أبو بلال المينوكي؟ ...
- بوتين يشكر محمد بن زايد على جهود الوساطة المتواصلة


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مملكة الغزنويين