أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أنصتَ، وإذا صمتَ نطقتْ آثاره















المزيد.....

المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أنصتَ، وإذا صمتَ نطقتْ آثاره


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 19:20
المحور: قضايا ثقافية
    


أصلحك الله، إن أول ما يلقاك في سيرة الأستاذ الدكتور كهلان كاظم حلمي القيسي ليس اسماً عابراً يُذكر في سجلٍ من سجلات الجامعات، ولا لقباً يُستدعى عند الحاجة إلى التوقيع، وإنما هو بناءٌ من المعنى، وتركيبٌ من العقل إذا طال عليه الأمد ازداد إحكاماً، وإذا صبر على البحث أثمر علماً، حتى غدا من أولئك الذين إذا نطقوا أصغت إليهم الأفكار، وإذا كتبوا انتظمت المعاني في نظامٍ لا يتصدع. وليس المرء يُدرك قدر الرجال بظواهر الأسماء، بل بما وراءها من أثر، فإنك إن نظرت إلى مولده في جلولاء سنة سبع وخمسين وتسعمائة وألف، رأيت رقماً في سجل الزمن، ولكنك إن تتبعت مسيرته في كلية الآداب بجامعة الأنبار، أبصرت تاريخاً آخر، تاريخ عقلٍ اقتحم مسالك الفكر الحديث، واستنطق الوثيقة، وأقام من صمت الأرشيف خطاباً ناطقاً. واعلم، هداك الله، أن التاريخ عند أمثال هذا الرجل ليس حكايةً تُروى، ولا سرداً يُحصى، بل هو إعادة بناءٍ للعالم في مرآة الفهم، حتى كأن الباحث لا يقرأ الوقائع، بل يعيد خلقها، ولا يتتبع الحوادث، بل يُقيم بينها نسباً من العقل، يربط أولها بآخرها، ويكشف خفيها قبل ظاهرها. ومن هنا كان اشتغاله على موضوع "السياسة الأمريكية تجاه ليبيا" ميداناً يتجلى فيه هذا المنهج، لا من جهة عرض الوقائع فحسب، بل من حيث تفكيك البنية العميقة للسياسات، وبيان أن ما يُعلن ليس هو كل ما يُراد، وأن ما يُخفى كثيراً ما يكون أبلغ أثراً مما يُقال.
فقد جاءت أطروحته للدكتوراه عن "السياسة الأمريكية تجاه ليبيا 1949-1957" مثالاً على هذا الضرب من البحث، إذ اعتمد فيها اعتماداً أصيلاً على الوثائق الأمريكية، لا ليعرضها كما هي، بل ليقرأ ما وراءها، فاستعاد الجذور التاريخية للعلاقات الأمريكية الليبية منذ الحرب الليبية الأمريكية في مطلع القرن التاسع عشر، ثم تتبع المواقف الأمريكية من الاحتلال الإيطالي، وصولاً إلى تحولات الحربين العالميتين، حيث أخذت العلاقة منحىً جديداً مع احتلال طرابلس من قبل الحلفاء، وتأسيس قاعدة ويلس فيلد، التي غدت من أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط. ولم يقف عند ظاهر الحدث، بل ربط بين الجغرافيا والسياسة، فرأى في الصحراء الليبية مجالاً للتدريب، وفي الموقع الليبي سداً أمام تمدد النفوذ السوفيتي نحو أوروبا، في زمن كانت فيه الحركات الشيوعية ناشطة في إيطاليا وغيرها. ثم بيّن، يا رعاك الله، كيف لم يكن استقلال ليبيا سنة 1951 استقلالاً كاملاً، بل كان مشروطاً بجملة من المعاهدات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وأن الاكتشافات النفطية لم تكن مجرد تحول اقتصادي، بل كانت مدخلاً لتعميق النفوذ، حتى غدت ليبيا جزءاً من شبكة الصراع الدولي، تتجاذبها دوائر الانتماء العربي والأفريقي والدولي. وهذا كله لم يكن عنده وصفاً، بل تحليلاً يربط بين المصالح والاستراتيجيات، ويكشف أن السياسة لا تُبنى على الشعارات وحدها، بل على حساباتٍ دقيقة.
ولم يكن هذا المنهج قاصراً على ليبيا، بل امتد إلى دراساته عن المغرب العربي، حيث تناول في رسالته للماجستير "الاتجاهات الوحدوية في المغرب العربي 1914-1962" تحولات الفكر الوحدوي في مواجهة الاستعمار الفرنسي، فوقف عند نشأة التيارات والأحزاب، من نجم شمال أفريقيا الذي خرج من رحم الحزب الشيوعي الفرنسي، إلى جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين، إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة عبد الحميد بن باديس، مبيناً كيف تداخل البعد القومي بالديني في تشكيل الوعي المقاوم. ولم يغفل عن مواقف المغرب وتونس من الثورة الجزائرية، ولا عن مؤتمر طنجة سنة 1958 بوصفه محطةً وحدويةً بارزة، كما ربط ذلك كله بعلاقات المغرب العربي مع المشرق، في قراءةٍ تتجاوز الإقليم إلى الفضاء الأوسع. ومن نظر في بحوثه الأخرى، رأى اتساع أفقه، إذ تناول السياسة الأمريكية تجاه الجزائر بين 1954 و1962، والموقف الأمريكي من الأزمة المغربية بين 1951 و1953، وموقف الولايات المتحدة من استقلال السودان، فضلاً عن دراسات حول القواعد الأمريكية في المغرب. وكل هذه الأعمال تكشف عن اهتمامٍ مركزي بدراسة السياسة الدولية من زاوية الوثيقة والتحليل، لا من زاوية الخطاب الظاهر. بل إنه تجاوز ذلك إلى دراساتٍ تاريخية أقدم، كبحثه في نشاط ترغوت باشا البحري في سواحل المغرب والصراع مع القوى الأوروبية في القرن السابع عشر، مما يدل على امتداد اهتمامه عبر العصور، لا انحصاره في زمنٍ دون زمن.
يا صاح، إن الباحث الحق لا يكتفي بما قيل، بل يسأل عما لم يُقل، ولا يقف عند ظاهر النص، بل ينفذ إلى ما وراءه، وقد كان القيسي من هذا الضرب، يغوص في الوثائق، ويستخرج منها ما خفي، حتى كأنما يقرأ الصمت كما يقرأ الكلام. ولهذا لم يكن غريباً أن يُشرف على أكثر من ثلاثين رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه، وأن يناقش ما يزيد على عشرين عملاً علمياً، وأن يكون لطلابه نصيبٌ وافر من النشر العلمي، إذ درج على أن يُلزمهم بنشر بحوثٍ مستلة من رسائلهم قبل المناقشة، حتى صارت عشرات الدراسات منشورة في المجلات المحكمة، تحمل أثر مدرسته ومنهجه. واعلم، وفقك الله، أن العالم لا يُقاس بما كتب وحده، بل بما أورث من عقول، وما غرس من طرائق في التفكير، وقد كان هذا الرجل ممن يُنشئون الباحثين، لا ممن يكتفون بأن يكونوا باحثين. فترى أثره في طلابه قبل أن تراه في كتبه، وترى منهجه في أعمالهم قبل أن تقرأه في سطوره. ومن هنا كان حضوره في الوسط العلمي حضوراً ممتداً، لا ينقطع بانتهاء كتاب، ولا يقف عند حد بحث. ثم تأمل، أصلحك الله، في أسلوبه، فإنك تجد فيه توازناً بين الفكرة والعبارة، فلا هو يُغرق في التفصيل حتى يُمل، ولا يختصر حتى يُخل، بل يسير على جادة الاعتدال، يجعل من البيان خادماً للمعنى، لا سيداً عليه. وقد جمع بين دقة المؤرخ ونفاذ المحلل، فكان كلامه واضحاً في مبناه، عميقاً في مغزاه، يقرب البعيد، ويكشف الغامض، دون أن يتكلف تعقيداً أو يتوسل غموضاً.
وما أحسن ما قيل إن العلم لا ينمو إلا في بيئةٍ من السؤال، ولا يزدهر إلا في مناخٍ من الشك المنهجي، وقد كان القيسي من أولئك الذين لا يرضون باليقين السهل، ولا يطمئنون إلى الإجابة الجاهزة، بل يسائلون ويعيدون النظر، ويزنون الأقوال بميزان النقد، حتى يستقيم لهم الحكم. ومن هنا جاءت بحوثه محكمة البناء، متماسكة الأجزاء، كأن كل فكرة فيها موضوعة في موضعها، لا تتقدم ولا تتأخر. ولا تغتر، يا هذا، بحسن العبارة إن خلا من صحة المعنى، فإن كثيراً من الكلام يروق لفظه ويخلو من الفائدة، أما كلام هذا الرجل فقد جمع بين الجمال والصدق، وبين حسن العرض وقوة الدليل. فكان مثالاً لمن لم يترك التعلم، ولم يهمل التخير، حتى صار علمه موثوقاً، وقوله معتبراً. فإذا جمعت هذه الخصال، وتأملت هذه الآثار، علمت أنك أمام رجلٍ لم يكن التاريخ عنده ماضياً يُروى، بل حاضراً يُفهم، ومستقبلاً يُبنى، وأنه لم يكن باحثاً يكتب فحسب، بل عقلٌ يعمل، وروحٌ تفكر، ولسانٌ يُبين. فطوبى لمن قرأ له فوعى، ونظر في أثره فاقتدى، فإن الرجال يُعرفون بآثارهم، لا بأسمائهم، وبما تركوا، لا بما قالوا. وهذا رجلٌ ترك من الأثر ما يغني عن التعريف، ويكفي عن الإشارة، والحمد لله الذي لا يخلي زماناً من أهل علمٍ يُحيون ما اندرس، ويقيمون ما اعوج، ويهدون من ضل، أولئك هم حملة البيان، وأهل الذكر، الذين إذا غابوا بقي أثرهم شاهداً لا يغيب.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...
- محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
- سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...
- عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع


المزيد.....




- بينهم قيادي في حماس.. 5 قتلى فلسطينيين بغارتين إسرائيليتين ع ...
- وسط فوضى حفل مراسلي البيت الأبيض..هل سرقت دبلوماسية أوكرانية ...
- حرب إيران مباشر.. تصعيد إسرائيلي بلبنان وترقب لمقترح إيراني ...
- ترامب خلال استقبال تشارلز الثالث: لا أصدقاء أقرب منكم
- الساعة الإضافية في المغرب.. جدل متصاعد ومطالب بالإلغاء
- التجارة الخارجية غير النفطية لإمارة أبوظبي تحقق نموا لافتا
- نتنياهو: فجّرنا نفقا ضخما لحزب الله وندمر بنيتهم ??التحتية
- عبد الله بن زايد يمثل رئيس الإمارات في قمة الخليج التشاورية ...
- واشنطن تفرض عقوبات على كيانات مرتبطة بنظام إيران المصرفي
- ترامب يشن هجوما حادا على ميرتس بعد تصريحاته عن إيران


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أنصتَ، وإذا صمتَ نطقتْ آثاره