أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة















المزيد.....

اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 19:17
المحور: قضايا ثقافية
    


يبدو النص العراقي القصير المنسوب إلى صالح اللوتي للوهلة الأولى نكتة اجتماعية تقوم على المفارقة اللغوية. لكنه يخفي بنية رمزية أكثر عمقاً عندما نقرأه من خلال منهج جاك لاكان. فالقضية هنا لا تتعلق بالسفر أو بالحب أو حتى بالتهديد بالقتل، بل بطريقة تشكل الرغبة داخل اللغة، وبكيفية تحوّل الكلام إلى أداة لإنتاج المتعة النفسية والمحافظة على العلاقة الرمزية بين طرفين. يروي النص أن الزوجة أرسلت إلى زوجها رسالة تقول فيها: "سأقتلك إن سافرت". ثم يرد الزوج بعبارة شاعرية: "الميت لا يموت إلا مرة واحدة، فكيف تقتلين من مات فيك عشقاً". بعد ذلك تستمر الزوجة أسبوعين في قراءة الرسالة والابتسام، بينما يتجول الزوج بين الدول سعيداً. ويختم الراوي النص بعبارة ساخرة تشير إلى "اللواگة"، أي المبالغة الكلامية التي تهدف إلى التأثير العاطفي أكثر من نقل حقيقة واقعية. المفهوم الجوهري في النص هو الرغبة. أما مفاهيم الحب والسفر والقتل والخجل فهي مفاهيم ثانوية تدور حول هذا المركز. في القراءة اللاكانية " نسبة إلى جاك لاكان" لا تعبر اللغة عن الرغبة فقط، بل تصنعها أيضاً. الإنسان لا يمتلك رغباته بصورة مباشرة، بل يصوغها داخل شبكة من الرموز والكلمات. لذلك لا يمكن فهم رسالة الزوجة باعتبارها تهديداً فعلياً. إنها علامة لغوية تشير إلى رغبة أخرى. فالزوجة لا تطلب قتل الزوج، بل تطلب حضوره. اللغة هنا تقول شيئاً وتريد شيئاً آخر.
وفق هذا المنظور يظهر التمييز بين الدال والمدلول. عبارة "سأقتلك" ليست مهمة بسبب معناها المباشر، بل بسبب وظيفتها داخل العلاقة. الدال يتحرك بعيداً عن معناه الحرفي ليفتح سلسلة من المعاني المرتبطة بالغيرة والافتقاد والخوف من الغياب. ولهذا لا يتعامل الزوج مع الرسالة بوصفها تهديداً، بل بوصفها إعلاناً عن التعلق العاطفي. إنه يقرأ ما وراء الكلمات. يمكن تحليل رد الزوج بالطريقة نفسها. فهو لا يناقش السفر ولا يرد على التهديد. إنه ينقل الحوار إلى مستوى رمزي مختلف. عندما يقول إنه مات عشقاً فيها، فإنه يحول نفسه إلى موضوع للحب. هنا تظهر آلية نرجسية دقيقة. فالزوج لا يجيب عن المشكلة المطروحة، بل يستثمرها لإعادة إنتاج صورته بوصفه محبوباً. ولذلك ينجح في تحويل موقف الاعتراض إلى موقف إعجاب. من الناحية المنطقية يمتلك النص اتساقاً داخلياً خاصاً. الرسالة الأولى تقوم على مبالغة تهدف إلى منع السفر. والرسالة الثانية تقوم على مبالغة أكبر تهدف إلى إبطال التهديد وتحويله إلى غزل. النتيجة التي يقدمها النص هي أن الزوجة تنشغل بالعبارة الرومانسية بينما يواصل الزوج رحلته. هذه النتيجة تنسجم مع المقدمات السردية للنص. لكن الاتساق هنا أدبي ورمزي، وليس واقعياً أو تجريبياً.
إذا فحصنا الاستدلال بدقة نجد أن عبارة "الميت لا يموت إلا مرة واحدة" صحيحة داخل منطقها اللغوي، لكنها تنتقل مباشرة إلى استنتاج عاطفي لا يترتب عليها بالضرورة. فالموت العشقي ليس موتاً حقيقياً. النص يعتمد على لعبة لفظية أكثر من اعتماده على برهان منطقي. وهذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن الإقناع في العلاقات الإنسانية لا يقوم دائماً على المنطق الصارم، بل على القدرة على إعادة ترتيب المعاني. في التحليل المعرفي يمكن التمييز بين عنصرين. العنصر الأول قائم على التجربة الاجتماعية. الناس يعرفون أن عبارات التهديد العاطفي تستعمل كثيراً للتعبير عن الغيرة أو التعلق. والعنصر الثاني قبلي ورمزي، ويتمثل في افتراض أن اللغة قادرة على تغيير المشاعر وإعادة تشكيل الموقف. النص يبني أثره كله على هذا الافتراض غير المصرح به. كما يفترض النص أن الكلمات الجميلة تستطيع تعويض الغياب الواقعي. هذه فرضية مهمة لأنها تفسر سبب ابتسام الزوجة أسبوعين كاملين رغم استمرار السفر. لكن هذه الفرضية تواجه حدوداً واضحة. فاللغة تستطيع تأجيل التوتر أو تخفيفه، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الحضور الفعلي. هنا نصل إلى أحد حدود المعرفة في النص. فهو يقدم نجاحاً رمزياً للكلام، لكنه لا يقدم دليلاً على نجاحه العملي الطويل الأمد.
يكتسب مفهوم "اللواگة" أهمية خاصة في القراءة اللاكانية. فالتعليق الأخير لا يعمل بوصفه خاتمة فكاهية فقط، بل يكشف آلية إنتاج الخطاب نفسه. اللواگة هنا ليست كذباً بسيطاً، بل مهارة في إدارة الرغبة عبر اللغة. المتكلم يعرف أن عبارته مبالغ فيها، والمستمع يعرف ذلك أيضاً، ومع ذلك يستمر تأثيرها. السبب أن القيمة لا تكمن في صدق العبارة، بل في الوظيفة النفسية التي تؤديها. هذا يقودنا إلى مفهوم "الآخر" عند لاكان. الإنسان يبحث دائماً عن اعتراف الآخر به. الزوجة تريد أن تشعر بأهميتها لدى الزوج. والزوج يريد أن يشعر بأنه موضوع مرغوب. الرسالتان تحققان هذا التبادل الرمزي. كل طرف يحصل على صورة تؤكد مكانته في عين الطرف الآخر. لذلك يصبح الحوار أقل ارتباطاً بالواقع وأكثر ارتباطاً بإدارة الاعتراف المتبادل. تكمن القوة الفلسفية للنص في أنه يكشف الطبيعة الرمزية للعلاقات الإنسانية. الكلمات لا تنقل المعلومات فقط، بل تنتج المشاعر وتعيد تشكيلها. كما يكشف أن الرغبة لا تعبر عن نفسها مباشرة، بل تختبئ خلف صيغ لغوية متعددة. هذه الرؤية تمنح النص عمقاً يتجاوز طابعه الفكاهي.
أما نقطة الضعف فتتمثل في تعميم تجربة فردية على العلاقات كلها. فنجاح العبارة في النص لا يعني نجاحها في كل السياقات. كما أن النص يفترض استجابة واحدة من الزوجة، بينما تختلف ردود الأفعال باختلاف الأشخاص والظروف والثقافات. لذلك تبقى النتائج محصورة داخل الإطار السردي الذي يقدمه النص. تظهر مشكلة أخرى تتعلق بالتمييز بين اللغة والواقع. النص يمنح اللغة سلطة واسعة على المشاعر. لكن التجربة الاجتماعية تشير إلى أن الكلمات تفقد أثرها عندما تنفصل طويلاً عن الأفعال. ومن ثم فإن نجاح الخطاب يظل مشروطاً بوجود رصيد سابق من الثقة والعلاقة. يفتح هذا التحليل عدة أسئلة بحثية. كيف تتحول المبالغة اللغوية إلى أداة لإنتاج القبول الاجتماعي؟ وما الحدود الفاصلة بين المجاملة واللواگة؟ وكيف تؤثر الثقافة المحلية في تفسير العبارات العاطفية؟ وهل تعمل البنى الرمزية نفسها في المجتمعات المختلفة أم أنها تتغير بحسب السياق الاجتماعي؟ كما يمكن اختبار هذه الفكرة علمياً عبر دراسة رسائل التواصل بين الأزواج وتحليل العلاقة بين كثافة التعبير العاطفي ومستوى الرضا في العلاقة. ويمكن أيضاً مقارنة أثر العبارات الرومانسية المبالغ فيها بأثر الأفعال الواقعية لمعرفة أيهما يترك أثراً أطول. تكشف القراءة اللاكانية في النهاية أن النص لا يتحدث عن سفر زوج إلى الخارج، بل عن رحلة الرغبة داخل اللغة. فالزوجة لا تهدد بالقتل فعلاً، والزوج لا يعلن موته فعلاً. كلاهما يتحرك داخل فضاء رمزي تصنعه الكلمات. أما "اللواگة" التي يسخر منها النص، فهي في حقيقتها آلية لغوية لإدارة الرغبة والحفاظ على الاعتراف المتبادل. ولهذا السبب تبتسم الزوجة للرسالة، ولهذا السبب يواصل الزوج سفره مطمئناً. الكلمات أدت وظيفتها الرمزية كاملة، حتى لو بقي الواقع على حاله.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا
- الدولة بوصفها شركة التعاقد الجائر مع الدولة لا يمكن أن تكون ...
- الناي الذي بكى على العراق شوقي كريم حسن وثقافة لا تُباع في س ...
- حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي
- حين يغيب حرّاس الذاكرة مناشدة إلى عماد مجيد المولى الذي ترك ...
- إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص
- نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الرو ...
- الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفة ...
- في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور ...
- المؤرخ خالد السعدون يرثي وطنًا ضاق بالعقل واتسع للطائفة
- حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى
- في سيرة الأستاذ الدكتور طالب محيبس الوائلي وأثره في صناعة ال ...
- في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ ...
- بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مم ...
- المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أن ...
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...
- محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
- سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...


المزيد.....




- تحذير أوكراني من هجوم روسي جديد على كييف.. شاهد ما قاله زيلي ...
- راكب -مشاغب- حاول اقتحام قمرة القيادة.. التفاصيل الكاملة لرح ...
- الجيش الإسرائيلي يحذر من احتدام الاشتباكات مع حزب الله ويواص ...
- ماذا جرى في البنتاغون؟ لبنان وإسرائيل يناقشان ما بعد الحرب و ...
- من أجل تحقيق -السيادة الرقمية-.. وسائل تواصل اجتماعي أوروبية ...
- لبنان: غارات مكثفة وتضارب حول تقدم القوات الإسرائيلية في الن ...
- حقن حمض الهيالورونيك للوجه.. سر للنضارة أم مبالغة تجميلية؟
- ضغوط دولية وهواجس فراغ.. ما مستقبل اليونيفيل في لبنان؟
- الناشطة الإسرائيلية زوهار ريغيف تتحدث عن اعتقالها خلال مشارك ...
- سيارتك تستهلك وقودا أكثر من المعلن.. هل تخدعنا الشركات؟


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة