أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى















المزيد.....

حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 20:55
المحور: قضايا ثقافية
    


إنك إن نظرت في أحوال الناس، أصلحك الله، وتأملت مراتبهم في البيان، وجدتهم على طبقات، فمنهم من يقول فيُسمع، ومنهم من يكتب فيُقرأ، ومنهم من يجمع بين القول والكتابة فيكون له من الحضور ما لا يكون لغيره، حتى كأن الحروف إذا خرجت من فيه صارت شواهد، وإذا سطرت في كتبه غدت عهودا. ومن هذا الضرب رجل عرفه أهل الأدب والصحافة، واجتمع له من صنعة القول وحرفة الخبر ما قل أن يجتمع لواحد، وهو الشاعر حسن عبد راضي، الذي لم يكن اسمه طارئا على الأسماع، ولا أثره عارضا في صفحات الجرائد، بل كان من أولئك الذين إذا مروا بالكلمة أقاموا لها وزنا، وإذا دخلوا في ميدان الثقافة تركوا فيه أثرا. يا هذا، إن الشاعر لا يكون شاعرا لأنه قال بيتا أو نظم قصيدة، ولكن لأنه جعل من اللغة موطنا، ومن المعنى مسكنا، ومن التجربة روحا تسري في النص. وقد كان حسن عبد راضي كذلك، إذ لم يقف عند حدود الإنشاء، بل جاوزها إلى النقد، ولم يكتف بحديقة الشعر، بل دخل إلى بساتين الإعلام، فصار في كل ذلك صاحب يد، وفي كل فن له فيه سهم. ومن عجيب أمره أنك تجده في أدب الطفل كما تجده في النقد، وفي المسرح كما في الرواية، فكأنما قيل له إن البيان لا يُحاط بباب واحد، ففتح الأبواب كلها، وجعل من نفسه شاهدا على سعة اللغة لا على ضيقها.
يا صاح، وإن من دلائل الرجل على نفسه سيرته، فإنها إن استقامت دلت على استقامة فكره، وإن اضطربت كشفت عن خلل في منطقه. وقد شهدت سيرة هذا الرجل بأنه لم يكن منقطعا عن المؤسسات، ولا بعيدا عن العمل العام، بل كان في قلب المشهد الثقافي، يعمل ويؤسس ويحرر، حتى صار حضوره في المؤسسات دليلا على رسوخ قدمه لا على طلب جاه. فقد عمل في شبكة الإعلام العراقي، وكان معاونًا لمدير معهد التدريب الإعلامي، ثم صار مديرا لتحرير مجلة الشبكة، وهي منزلة لا يبلغها إلا من جمع بين الدقة في الصناعة، والبصيرة في المعنى. وإن مما يزيد الرجل رفعة يا رعاك الله، أن يكون له في العلم نصيب، وفي التحصيل قدم راسخة، فإن العلم أصل، والعمل فرع، ولا يقوم الفرع إلا بأصل. وقد نال حسن عبد راضي درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، فجمع بين الذوق والمعرفة، وبين الفطرة والدراسة، فصار نقده قائما على أساس، وشعره مؤسسا على وعي، لا على محض الإلهام الذي يجيء ويذهب. ومن جمع بين هذين الأمرين، سلم من الزلل، ونجا من غوائل القول. واعلم يا صاحبي، أن الرجل إذا دخل في العمل الثقافي العام، انكشف معدنه، وظهر أثره، فإن العمل الجماعي مرآة لا تخفي عيبا، ولا تستر نقصا. وقد كان لهذا الرجل شأن في اتحاد الأدباء العراقيين، فكان عضوا في هيئاته، مشاركا في لجانه، حاضرا في نشاطاته، حتى تولى مهاما إعلامية فيه، فدل ذلك على ثقة القوم به، وعلى قدرته على الجمع بين الكلمة والإدارة، وبين الرأي والتنفيذ. وإن من أعجب ما ترى في أهل البيان يا أحسن الله إليك، أن بعضهم يحسن القول ولا يحسن التعليم، وبعضهم يحسن التعليم ولا يحسن القول، وقليل منهم من يجمع بينهما، فيكون أستاذا في قاعة الدرس، وأديبا في ساحة الكتابة. وقد كان حسن عبد راضي من هذا القليل، إذ درّس اللغة العربية في كلية الهندسة، فخاطب غير المتخصصين، وقرب إليهم ما بعد، وسهل لهم ما صعب، وهذه منزلة لا ينالها إلا من عرف طبائع الناس، وأحسن تنزيل الكلام منازله. وإن تأسيس المؤسسات الثقافية يا هداك الباري، ليس بالأمر الهيّن، فإن البناء سهل، ولكن إقامة الروح في البناء صعب. وقد كان لهذا الرجل فضل في تأسيس بيت الشعر العراقي في نسخته الأولى، فكان له فيه يد، وكان أمينه العام، فجمع الشعراء، وأقام لهم منبرا، وجعل من الشعر دارا لا غربة فيها. ومن أسس شيئا من هذا القبيل، فقد غرس شجرة، لا يُدرى متى تثمر، ولكن يكفيه أنه وضع البذرة. وتأمل حال الصحافة الثقافية، يا سدد الله خطاك، فإنها ميدان لا يثبت فيه إلا من كان له صبر، لأن القارئ فيها ناقد، والمتابع فيها فطن، ولا تنطلي عليه الزخارف. وقد عمل هذا الرجل محررا في غير جريدة، من الشراع إلى الدستور إلى الأديب، فكان يتنقل بين الصفحات الثقافية، كأنما هو في بستان واحد، يقطف من هنا، ويزرع هناك، حتى صار له في هذا المجال خبرة، وفي هذا المضمار تجربة.
واعلم أن الإعلام يا وفقك الله، إذا لم يكن له سند من الفكر، صار صخبا بلا معنى، وأن الفكر إذا لم يجد وسيلة إعلام، بقي حبيس الكتب. وقد جمع حسن عبد راضي بين الأمرين، فكان معدا لبرامج ثقافية في القنوات الفضائية، ينقل الأدب من صفحات الكتب إلى شاشات الناس، ويجعل من الثقافة حديثا يوميا لا نخبويا، وهذه منزلة تحتاج إلى ذكاء في العرض، وحسن في الاختيار. يا أيها الفطن، إن من يتتبع سيرة هذا الرجل، لا يجده من أولئك الذين يقنعون بدور واحد، بل يراه في مركز الدراسات، وفي المجلات، وفي الهيئات الإعلامية، كأنما هو يرى أن الثقافة شبكة، لا عقدة فيها دون الأخرى. فقد عمل في مركز الدراسات الاستراتيجية، وكان سكرتير تحرير مجلة الأقلام، وهي منبر عريق، لا يقف عليه إلا من له قدم راسخة في البيان. وإنك إن تأملت في كتاباته، يا أيدك الله، وجدت فيها أثرا من هذا التعدد، فهي لا تميل إلى لون واحد، ولا تنحاز إلى صوت واحد، بل فيها من التلوين ما يدل على سعة التجربة، ومن الاعتدال ما يدل على رسوخ الفكر. وليس هذا بالأمر السهل، فإن النفس تميل إلى التكرار، والعقل يأنس بما ألف، ولكن من جاهد نفسه، وسعى في تجديد أساليبه، نجا من الوقوع في الرتابة.
فإن الكلام على رجل كهذا أصلحك الله مرة أخرى، لا يقتصر على تعداد المناصب، ولا على ذكر الشهادات، لأن ذلك كله ظاهر، وإنما الشأن في الأثر الباقي، وفي الكلمة التي تبقى بعد أن تذهب المناصب. وإن حسن عبد راضي قد ترك في مجالات متعددة أثرا، من شعر ونقد وصحافة وأدب طفل، فكأنما أراد أن يقول إن الثقافة لا تُختزل في نوع، ولا تُحصر في باب. يا هذا، وقد قيل إن خير الكلام ما دل على معناه، وأغنى عن تفسيره، وكان هذا الرجل في كثير من كتاباته كذلك، لا يتكلف الغريب، ولا يتعمد التعقيد، بل يسلك مسلكا وسطا، يجمع بين الإفهام والجمال، وبين الوضوح والإيحاء. ومن سلك هذا المسلك، سلم من آفة الغموض، ونجا من تهمة السطحية. يا صاح، وإن من أعجب ما في الإنسان أنه يرى نفسه كاملا، ويغفل عن نقصه، ولكن من اشتغل بالنقد، اضطر إلى مراجعة نفسه، لأن الناقد مرآة لغيره، ولا بد أن يكون مرآة لنفسه أيضا. وقد كان لهذا الرجل نصيب من النقد، فدل ذلك على جرأة، وعلى استعداد للمساءلة، وهذه خصلة لا تكون إلا لمن وثق من نفسه، ولم يخف من المراجعة. يا رعاك الله، ولعل القارئ إذا انتهى من هذا الحديث، ظن أننا نصف رجلا بلا نقص، وليس الأمر كذلك، فإن الكمال عزيز، ولكننا نصف مسيرة فيها من الاجتهاد ما يستحق الذكر، ومن التنوع ما يستحق التأمل. ومن نظر إلى هذه السيرة بعين الإنصاف، علم أن الرجل لم يكن عابرا، بل كان فاعلا، ولم يكن مقلدا، بل كان مشاركا في صناعة المشهد. وخلاصة القول يا صاحبي، أن حسن عبد راضي مثال للأديب الذي لم يرض لنفسه أن يكون صوتا واحدا، بل جعل من نفسه جوقة، فيها الشاعر، والناقد، والصحفي، والمربي، والإداري، حتى صار حضوره في الثقافة أشبه بخيط يجمع أطرافا متعددة. ومن كان كذلك، كان له في كل باب أثر، وفي كل ميدان ذكر. فخذ من هذه السيرة عبرة، يا أحسن الله إليك، واعلم أن الطريق إلى البيان ليس قصيرا، ولا سهلا، وأن من أراد أن يكون له فيه شأن، فعليه أن يجمع بين العلم والعمل، وبين الصبر والمثابرة، وألا يكتفي بباب واحد، فإن الثقافة بحر، لا يدرك غوره من وقف على الشاطئ. وهكذا، يا هداك الباري، يكون الحديث عن رجل جعل من الكلمة مهنة، ومن الثقافة رسالة، فصار اسمه دليلا على تجربة، وتجربته شاهدا على زمن، وزمنه مرآة لجهد لم يذهب سدى، ولا ضاع في هواء الكلام.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في سيرة الأستاذ الدكتور طالب محيبس الوائلي وأثره في صناعة ال ...
- في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ ...
- بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مم ...
- المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أن ...
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...
- محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
- سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...
- عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك


المزيد.....




- السفير الأمريكي في تل أبيب يدعو دول الخليج لحسم موقفها بين إ ...
- مخاوف إسرائيلية من إبرام ترامب -اتفاقاً سيئاً- مع إيران
- تجمع 250000 حاج في مزار فاطيما بالبرتغال لقداس الشموع السنوي ...
- مجلس الشيوخ الأمريكي يرفض مجددا مشروع قرار لإنهاء الحرب مع إ ...
- إسرائيل تعلن قيام نتنياهو بزيارة سرية للإمارات وأبوظبي تنفي ...
- -يوروفيجين-... انقسامات أوروبية بسبب المشاركة الإسرائيلية
- هل قصفت السعودية مواقع جماعات مسلحة في العراق خلال الحرب مع ...
- فيروس هانتا..هل تطور شركة فايزر لقاحا مضادا؟
- باريس سان جرمان يحسم لقب الدوري الفرنسي للمرة الخامسة تواليا ...
- دروس 2021.. ما الذي انكشف عن إخفاق الجيش الإسرائيلي في -ضربة ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى