أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ الثقافي وصلته بالسياسة في العراق















المزيد.....

في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ الثقافي وصلته بالسياسة في العراق


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 16:45
المحور: قضايا ثقافية
    


اعلم أن التاريخ إذا لم يُنظر فيه بعين البصيرة، انقلب إلى أخبارٍ متفرقة لا يجمعها نظام، ولا يُستخرج منها اعتبار، وأن المؤرخ إذا اقتصر على ظاهر الروايات، ولم ينفذ إلى باطنها، كان كمن يجمع الحطب في ظلامٍ لا يهتدي به إلى نار. وإنما يُعد من أهل هذا الفن من جمع بين الرواية والدراية، وربط الحوادث بأسبابها، ونظر في أحوال الاجتماع الإنساني بما يُظهر علله ونتائجه. ومن هذا الصنف يُعد الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري، إذ كان من الذين ولجوا ميداناً دقيقاً من ميادين التاريخ، وهو ميدان العلاقة بين الفكر والسياسة، وهو من أعسر الأبواب، وأشدها التباساً. فإن السياسة في ظاهرها أفعال وسلوكيات، والفكر في جوهره تصورات ومعانٍ، والجمع بينهما يقتضي فهماً مزدوجاً، لا يكتفي بظاهر الحدث، ولا يغفل عن باطن الفكرة. ومن هنا كان اشتغال النصيري بهذا الباب دليلاً على سعة نظره، وقوة آلته، إذ لم يكن ممن يقنعون بالتاريخ السياسي المجرد، ولا ممن يكتفون بالتاريخ الفكري المنعزل، بل سعى إلى الجمع بينهما، فخرج بعملٍ يُبين أثر الفكر في توجيه السياسة، وأثر السياسة في تشكيل الفكر. وكانت نشأته العلمية في رحاب جامعة بغداد، حيث تلقى علومه في التاريخ على مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، فكان من المتفوقين في كل مرحلة، مما يدل على رسوخ قدمه في هذا الفن منذ بداياته. وقد اختار في دراسته للماجستير موضوعاً يتعلق بشخصية سياسية بارزة، وهو "نوري السعيد"، فدرس دوره في السياسة العراقية، مما أتاح له الوقوف على طبيعة العمل السياسي في العراق الحديث. ثم انتقل في دراسته للدكتوراه إلى موضوعٍ أوسع، وهو "دور المجددين في الحركة الفكرية والسياسية في العراق 1908-1932"، فجمع فيه بين الفكر والسياسة، وبين النخبة والمجتمع.
وهذا الانتقال من دراسة الفرد إلى دراسة الظاهرة يدل على تطور في منهجه، إذ انتقل من الجزئي إلى الكلي، ومن الخاص إلى العام، وهو ما ينبغي أن يسلكه الباحث إذا أراد أن يُحيط بالموضوع من جميع جوانبه. وقد كان في هذا العمل متتبعاً لأحوال المثقفين، وما كان لهم من أثرٍ في تحريك المجتمع، وفي توجيه مساراته. ولم يكن اختياره لهذه الفترة الزمنية اعتباطاً، بل لأنها كانت مرحلة تحول في تاريخ العراق، شهدت بروز تيارات فكرية جديدة، وتأثرت بما جرى في الدولة العثمانية من إصلاحات، وما أعقب ذلك من أحداثٍ كبرى، منها الحرب العالمية الأولى، وثورة 1920، وبدايات قيام الدولة الحديثة. فكان لهذه المرحلة أثرٌ في تشكيل الوعي، وفي بروز طبقة المثقفين بوصفها قوةً فاعلة في المجتمع. وقد تناول النصيري في كتابه هذا أحوال هذه النخبة، مبيناً أصولها الاجتماعية، ومستواها التعليمي، واهتماماتها الفكرية، وعلاقتها بالسلطة، ودورها في الأحداث. ولم يقف عند حدود الوصف، بل سعى إلى التحليل، فبيّن كيف أسهمت هذه النخبة في نشر أفكار التجديد، وفي الدعوة إلى الإصلاح، وفي طرح قضايا جديدة، منها مسألة التعليم، ومكانة المرأة، والإصلاح الاجتماعي. وكان من شأنه في هذا العمل أن اعتمد على طائفةٍ واسعة من المصادر، من وثائق رسمية، وصحف، ومذكرات، ونتاجات أدبية، مما يدل على سعة اطلاعه، وعلى حرصه على استقصاء المادة من مظانها المختلفة. ولم يكن في ذلك تابعاً للمصادر، بل كان ناقداً لها، يُميز بين ما يُقبل وما يُرد، ويُخضعها لمعيارٍ علمي، فلا يأخذ منها إلا ما ثبت عنده صحته.
ومن خصائصه أيضاً تمكنه من اللغات الأجنبية، ولا سيما اللغة الإنكليزية، ومعرفته بشيءٍ من اللغة البولونية، مما أتاح له الاطلاع على مصادر قد لا تكون في متناول غيره. وهذا مما يزيد الباحث قدرةً على التحقق، ويُعينه على تجاوز حدود ما هو متداول في بيئته، فيُقارن بين الروايات، ويُدقق في الأخبار. وإذا نظرنا إلى أسلوبه في الكتابة، وجدناه واضحاً، بعيداً عن التعقيد، مع عمقٍ في الفكرة، ودقةٍ في التعبير. فإنه لا يُغرق في الزخرف اللفظي، ولا يُهمل جانب البيان، بل يسير بين ذلك مسيراً معتدلاً، يُقرب المعنى إلى القارئ، ويُعينه على الفهم. وهذا مما يُعد من محاسن الكتابة العلمية، فإن الغاية منها البيان، لا الإبهام. ولم يكن عمله مقصوراً على هذا الكتاب، بل له مؤلفات أخرى، منها "دراسات ليبية في التاريخ الحديث والمعاصر"، وهو يدل على اتساع اهتمامه ليشمل مناطق أخرى من العالم العربي، ومنها زنجبار، حيث كتب في تاريخها، وفي دورها في الحضارة العربية في شرق أفريقيا. وهذا التوسع في الاهتمام يُكسبه رؤيةً أوسع، ويُعينه على المقارنة بين الأقاليم. وقد كتب أيضاً في موضوعات متعددة، منها أثر الصحافة في التطور الفكري، والتحديث في الدولة العثمانية، ونمو الوعي القومي، مما يدل على أنه كان يُعنى بالتحولات الفكرية، وبما يطرأ على المجتمعات من تغيرات في الوعي. وهذا اللون من البحث يحتاج إلى اطلاعٍ على الأدب، والفكر، والفلسفة، وهو ما كان له منه نصيب.
ومن جهة العمل، اشتغل بالتدريس في مراحل مختلفة، فكان مدرساً في المدارس، ثم في المعاهد، ثم في الجامعات، داخل العراق وخارجه، ولا سيما في ليبيا، حيث قضى سنواتٍ في التدريس، وتولى رئاسة قسم التاريخ، وأسهم في الإشراف على عددٍ من الرسائل والأطاريح. وهذا العمل التعليمي يُعد من أهم ما يقوم به العالم، إذ به ينقل علمه إلى غيره، ويُسهم في تكوين جيلٍ جديد من الباحثين. وقد أشرف على عددٍ كبير من الرسائل والأطاريح في موضوعات متنوعة، منها ما يتعلق بالتاريخ العربي، ومنها ما يتعلق بالتاريخ الأفريقي، ومنها ما يتعلق بالعلاقات الدولية. وهذا التنوع في الإشراف يدل على سعة معرفته، وعلى قدرته على توجيه الباحثين في مجالات مختلفة. ولم يكن بعيداً عن العمل المؤسسي، بل تولى مناصب إدارية، منها رئاسة جامعة واسط، وهو منصبٌ يدل على ثقة المؤسسة به، وعلى قدرته على إدارة شؤونها. وهذا الجمع بين البحث والإدارة من الأمور التي تُكسب صاحبه خبرةً في فهم الواقع، وتُعينه على الربط بين النظر والعمل.
وإذا نظرنا إلى منهجه في البحث، وجدناه ملتزماً بالمنهج التاريخي العلمي، من حيث الاعتماد على المصادر الأصلية، وتحليلها، ومقارنتها، واستخلاص النتائج منها. وهو في ذلك لا يكتفي بالعرض، بل يسعى إلى الفهم، وإلى وضع الحدث في سياقه الزماني والمكاني، وربطه بما قبله وما بعده. ومن هنا يظهر أنه كان من أهل المدرسة التاريخية العراقية، التي تقوم على التحقيق، والاعتماد على الوثائق، والحرص على الدقة. وقد تتلمذ على يد نخبةٍ من المؤرخين، منهم من كان له أثرٌ في توجيهه، وفي تكوينه العلمي، مما يُبين أن العلم يُؤخذ عن أهله، وأن السند في المعرفة له أثرٌ في جودة العمل. وإذا أردنا أن نُقوّم عمله، قلنا إنه قد أسهم في إحياء جانبٍ من التاريخ الثقافي في العراق، وهو جانبٌ كثيراً ما يُهمل، لانصراف الباحثين إلى التاريخ السياسي أو العسكري. غير أن هذا الجانب لا يقل أهمية، إذ به يُفهم ما يجري في المجتمع من تحولات، وما يظهر فيه من تيارات. وقد أظهر في أعماله أن المثقفين لم يكونوا على هامش الأحداث، بل كانوا في صلبها، يسهمون في توجيهها، ويتأثرون بها. وهذا مما يُغير النظرة إلى التاريخ، ويُخرجه من كونه تاريخاً للسلطة وحدها، إلى كونه تاريخاً للمجتمع بأسره. وإذا تأملت في هذا الباب، وجدت أن العلاقة بين الفكر والسياسة تشبه ما يكون في العمران من تداخل القوى، فإن الفكر يُنشئ التصورات، والسياسة تُطبقها في الواقع، فإذا كان الفكر ضعيفاً، كانت السياسة مضطربة، وإذا كان الفكر قوياً، كانت السياسة أكثر استقراراً. وهذا ما يُبينه عمل النصيري، إذ يُظهر كيف أسهمت الأفكار في تشكيل الواقع السياسي. وعلى الجملة، فإن الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري كان من المؤرخين الذين جمعوا بين سعة الاطلاع، ودقة المنهج، ووضوح العبارة، واتساع الموضوع. وقد كان لعمله أثرٌ في الدراسات التاريخية، ولا سيما في ما يتعلق بالتاريخ الثقافي، والعلاقة بين الفكر والسياسة. وإنما يُذكر أمثال هؤلاء لا لمجرد الثناء، بل للاعتبار، فإن من نظر في سيرهم، عرف أن العلم يحتاج إلى صبرٍ، وإلى جهدٍ، وإلى إخلاص، وأن من سلك هذا الطريق، كان له من الأثر ما يبقى بعده. وهذا هو المقصود من العلم، أن يكون نافعاً، وأن يُسهم في فهم الماضي، وتوجيه الحاضر، واستشراف المستقبل. فإذا تقرر ذلك، علمت أن التاريخ ليس علماً يُؤخذ على عجل، ولا يُنال بلا كلفة، بل هو صناعة تحتاج إلى أدوات، وإلى نظرٍ ثاقب، وإلى عقلٍ ناقد. ومن جمع هذه الخصال، كان له في هذا الفن نصيب، كما كان لعبد الرزاق النصيري، الذي سعى في هذا الميدان، فكان له فيه ذكر، وأثر، وعملٌ يُرجى أن يبقى ما بقيت الحاجة إلى فهم التاريخ وأحوال العمران.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مم ...
- المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أن ...
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...
- محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
- سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...
- عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب


المزيد.....




- بينهم قيادي في حماس.. 5 قتلى فلسطينيين بغارتين إسرائيليتين ع ...
- وسط فوضى حفل مراسلي البيت الأبيض..هل سرقت دبلوماسية أوكرانية ...
- حرب إيران مباشر.. تصعيد إسرائيلي بلبنان وترقب لمقترح إيراني ...
- ترامب خلال استقبال تشارلز الثالث: لا أصدقاء أقرب منكم
- الساعة الإضافية في المغرب.. جدل متصاعد ومطالب بالإلغاء
- التجارة الخارجية غير النفطية لإمارة أبوظبي تحقق نموا لافتا
- نتنياهو: فجّرنا نفقا ضخما لحزب الله وندمر بنيتهم ??التحتية
- عبد الله بن زايد يمثل رئيس الإمارات في قمة الخليج التشاورية ...
- واشنطن تفرض عقوبات على كيانات مرتبطة بنظام إيران المصرفي
- ترامب يشن هجوما حادا على ميرتس بعد تصريحاته عن إيران


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ الثقافي وصلته بالسياسة في العراق