إسماعيل نوري الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 17:27
المحور:
قضايا ثقافية
ليست ثورة الرابع عشر من تموز 1958 مجرد حدث سياسي عابر في تاريخ العراق الحديث، بل تمثل لحظة تأسيسية انفجرت فيها تناقضات الدولة والمجتمع والهوية والسلطة دفعة واحدة. ولهذا بقيت الثورة، حتى بعد عقود طويلة، موضوعاً للصراع الرمزي والتأويل السياسي أكثر من كونها واقعة تاريخية مستقرة داخل الوعي الجمعي العراقي. وفي هذا السياق يأتي كتاب علاء اللامي "ثورة 14 تموز العراقية: قراءة في المغيب والمسكوت عليه" بوصفه محاولة لإعادة مساءلة الروايات التاريخية السائدة، لا عبر ادعاء الحياد المطلق، بل من خلال انحياز معلن يسعى إلى مراجعة ما يعتبره المؤلف تشويهاً مقصوداً لصورة الثورة وزعيمها عبد الكريم قاسم. تكمن أهمية الكتاب في أنه لا يتعامل مع التاريخ بوصفه أرشيفاً مغلقاً، بل بوصفه بنية متحركة تخضع لإعادة الإنتاج بحسب تغير موازين القوى السياسية والثقافية. ومن هنا فإن الكتاب لا يكتفي باستعراض الوقائع، بل يحاول تفكيك اللغة التي صيغت بها تلك الوقائع، والجهات التي احتكرت تفسيرها، والآليات التي تحولت عبرها الذاكرة السياسية إلى أداة للصراع الأيديولوجي. وهذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى "قراءة جدلية" للتاريخ العراقي منه إلى مجرد تدوين تاريخي تقليدي.
تفكيك المفاهيم وبنية الخطاب
يقوم الكتاب على مجموعة مفاهيم مركزية تشكل عموده الفكري، أهمها: "المغيب"، "المسكوت عنه"، "الرواية الرسمية"، "الانحياز"، و"العدالة التاريخية". وهذه المفاهيم ليست حيادية بالكامل، بل تنتمي إلى تصور يرى أن التاريخ العراقي تعرض لعملية انتقائية ممنهجة، أدت إلى إخفاء بعض الوقائع وإبراز وقائع أخرى وفق حاجات السلطة السياسية المتعاقبة. فمفهوم "المغيب" مثلاً يفترض مسبقاً وجود حقيقة جرى حجبها عمداً، بينما يشير "المسكوت عنه" إلى مناطق صمت داخل السردية الرسمية. أما مفهوم "الانحياز" فيظهر بوصفه اعترافاً منهجياً من المؤلف بعدم ادعاء الحياد الكامل، وهو اعتراف يمنح النص قدراً من الشفافية الفكرية، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً معرفياً بالغ الأهمية: هل يستطيع المؤرخ أن ينفصل فعلاً عن موقعه الأيديولوجي؟ إن التمييز بين المفاهيم الجوهرية والثانوية داخل الكتاب يكشف أن القضية الأساسية ليست مجرد الدفاع عن ثورة تموز، بل إعادة تعريف الشرعية التاريخية للنظام الجمهوري العراقي. أما القضايا الأخرى، مثل مجزرة قصر الرحاب أو أحداث الموصل وكركوك أو محكمة الشعب، فتظهر بوصفها ملفات فرعية تُستخدم لاختبار صدقية السرديات المتصارعة حول الثورة.
ويلاحظ أن لغة الكتاب تجمع بين الخطاب التوثيقي والخطاب السجالي. فحين يصف المؤلف العهد الملكي بأنه خاضع للإقطاعيين وشيوخ العشائر وحديثي النعمة، فإنه لا يقدم وصفاً اجتماعياً محايداً فقط، بل يستخدم لغة تحمل شحنة تقييمية واضحة. وهذا يكشف أن الكتاب يتحرك داخل تصور تاريخي يرى أن الصراع الطبقي والهيمنة السياسية كانا المحركين الأساسيين لبنية الدولة الملكية. لكن الإشكالية هنا أن اللغة الانفعالية، مهما كانت مبرراتها السياسية، قد تؤثر في درجة التوازن المنهجي. فالتاريخ لا يتحول إلى معرفة نقدية بمجرد تفكيك الرواية المقابلة، بل يحتاج أيضاً إلى بناء معايير ثابتة للتقييم والتحليل، وإلا تحول النقد ذاته إلى خطاب مضاد يحمل انحيازاته الخاصة.
منطق الرواية وحدود الإثبات
يعتمد علاء اللامي على منهج يقوم على تفكيك الروايات المتعارضة ومقارنة الشهادات المختلفة، خصوصاً في الملفات الأكثر حساسية مثل مجزرة قصر الرحاب وتمرد الشواف وتنظيم الضباط الأحرار. وهذه المقاربة تمنح الكتاب بعداً نقدياً مهماً، لأنها ترفض التعامل مع التاريخ باعتباره يقيناً نهائياً. غير أن السؤال المركزي هنا يتعلق بالاتساق الداخلي للمنهج نفسه. فالكاتب يسعى من جهة إلى نفي الروايات التبسيطية التي تتهم عبد الكريم قاسم مباشرة بالتخطيط لمجزرة العائلة المالكة، لكنه من جهة أخرى يربط العهد الملكي ببنية اجتماعية وسياسية قمعية دون أن يخضع هذا الربط أحياناً للدرجة نفسها من التفكيك النقدي. وهذا يكشف عن مفارقة منهجية دقيقة: فالتشدد في طلب الأدلة المباشرة عند الدفاع عن الثورة يقابله أحياناً قدر أقل من التشدد عند نقد النظام الملكي. بمعنى آخر، إن معيار الإثبات لا يطبق دائماً بدرجة متساوية على جميع الأطراف.
ومع ذلك فإن الكتاب ينجح في نقطة أساسية تتمثل في التمييز بين "المسؤولية التنفيذية المباشرة" و"المسؤولية السياسية العامة". فالمؤلف يحاول إثبات أن غياب الدليل المباشر ضد عبد الكريم قاسم لا يسمح بتحويله تلقائياً إلى المسؤول التنفيذي عن المجزرة. وهذه الحجة منطقياً تمتلك قدراً من التماسك، لأنها ترفض الانتقال غير المبرر من المناخ السياسي العام إلى الاتهام الجنائي المباشر. لكن هذا الدفاع يفتح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل يكفي غياب الأمر المباشر لنفي المسؤولية السياسية؟ هنا تظهر حدود التحليل الدفاعي. فالثورات غالباً ما تنتج مناخات نفسية وعاطفية تسمح بانفجار العنف حتى دون وجود أوامر واضحة. ولذلك فإن المسؤولية السياسية لا تختزل دائماً في القرار التنفيذي، بل قد ترتبط ببنية التعبئة والخطاب والتحريض الثوري ذاته. كما أن تعدد الروايات حول من بدأ إطلاق النار داخل قصر الرحاب يكشف أزمة أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة التاريخية نفسها. فكل رواية تحمل داخلها زاوية نظر ومصلحة وذاكرة انتقائية، ما يجعل الوصول إلى "الحقيقة النهائية" أمراً بالغ الصعوبة. ومن هنا فإن قوة الكتاب لا تكمن في حسم الجدل بقدر ما تكمن في زعزعة اليقينيات الراسخة.
بين الوثيقة والانحياز
أكثر ما يميز الكتاب هو صراحته الفكرية. فالمؤلف لا يخفي انحيازه لثورة تموز ولقائدها عبد الكريم قاسم، بل يعلن ذلك بوضوح. وهذه الصراحة تمنح النص بعداً أخلاقياً، لأنها تتجنب التستر خلف ادعاء موضوعية مطلقة غالباً ما تكون وهماً معرفياً. غير أن الاعتراف بالانحياز لا يلغي تأثيره في بنية التحليل. فالكتاب يميل غالباً إلى اختيار الروايات التي تخفف مسؤولية الثورة عن أحداث العنف، بينما يتعامل بصرامة أكبر مع خصومها السياسيين. وهذا لا يعني بالضرورة سقوط الكتاب في الدعاية، لكنه يكشف أن المؤلف يتحرك داخل أفق فكري يسعى إلى إعادة الاعتبار لثورة تموز بعد عقود من التشويه السياسي. وهنا تظهر إشكالية فلسفية تتعلق بطبيعة الكتابة التاريخية ذاتها. فهل يمكن للمؤرخ أن يكون محايداً بالكامل؟ أم أن كل كتابة للتاريخ هي في جوهرها إعادة بناء انتقائية للماضي انطلاقاً من أسئلة الحاضر؟ الواقع أن التاريخ لا يُكتب خارج الزمن السياسي. فكل جيل يعيد قراءة الماضي بحسب أزماته وأسئلته الخاصة. ولذلك فإن صورة ثورة تموز لم تتغير فقط بسبب ظهور وثائق جديدة، بل بسبب تغير موقعها داخل الصراع السياسي العراقي. ففي مرحلة معينة جرى تقديمها بوصفها لحظة تحرر وطني واجتماعي، ثم أعيد تصويرها لاحقاً باعتبارها بداية العنف والانقلابات. وبين الصورتين تضيع غالباً المناطق الرمادية التي يحاول الكتاب استعادتها. لكن الملاحظة النقدية الأساسية تتمثل في أن التركيز الكبير على دحض الخصوم أضعف أحياناً بناء رؤية تحليلية مستقلة. فالكتاب يبدو في بعض فصوله أقرب إلى "مرافعة مضادة" منه إلى مشروع تأريخي متكامل. والمرافعة، مهما كانت متماسكة، تبقى محكومة بمنطق الدفاع أكثر من منطق الكشف المعرفي المفتوح. ومع ذلك فإن قيمة الكتاب الحقيقية لا تكمن فقط في نتائجه، بل في نوع الأسئلة التي يثيرها. فهو يدفع القارئ إلى التفكير في كيفية صناعة الذاكرة السياسية، وفي علاقة السلطة بالتاريخ، وفي قدرة الأيديولوجيا على إعادة تشكيل الوقائع بعد حدوثها.
التاريخ بوصفه سؤالاً مفتوحاً
تكشف قراءة كتاب علاء اللامي أن الصراع حول ثورة 14 تموز ليس صراعاً على الماضي وحده، بل على معنى الدولة العراقية الحديثة نفسها. فكل قراءة للثورة تتضمن تصوراً ضمنياً عن الشرعية والهوية والعدالة الاجتماعية والعلاقة بين السلطة والشعب. ومن هنا فإن القيمة المعرفية للكتاب لا تنبع من كونه يقدم "الحقيقة النهائية"، بل من كونه يرفض اختزال التاريخ إلى سردية واحدة مغلقة. فالتاريخ العراقي الحديث، خصوصاً في مراحله العاصفة، لا يمكن فهمه عبر ثنائيات مبسطة من نوع: خيانة أو بطولة، ثورة أو مؤامرة، ملكية فاسدة أو جمهورية مثالية. لأن الواقع كان أكثر تعقيداً وتشابكاً من هذه التصنيفات الحادة. إن أبرز ما يواجه كتابة التاريخ هو تحولها إلى أداة تبرير سياسي. فعندما يصبح المؤرخ محامياً دائماً لطرف معين، يفقد التاريخ قدرته النقدية ويتحول إلى خطاب تعبوي. لكن الخطر المقابل يتمثل أيضاً في ادعاء الحياد المطلق، لأن هذا الادعاء يخفي غالباً انحيازات غير معلنة أكثر خطورة من الانحياز الصريح.
ولهذا فإن أهمية كتاب علاء اللامي تكمن في أنه يعترف بموقعه الفكري، ويحاول رغم ذلك فتح مساحة للنقاش حول المسكوت عنه والمهمش في السردية العراقية. وهذه المحاولة، رغم ما يحيط بها من ملاحظات منهجية، تبقى ذات قيمة لأنها تعيد الاعتبار لفكرة أن التاريخ ليس أرشيفاً ساكناً، بل ساحة دائمة لإعادة التأويل. ومن هنا تنبثق أسئلة بحثية أعمق: كيف تتشكل الذاكرة الوطنية داخل المجتمعات المنقسمة؟ وهل يمكن إنتاج سردية تاريخية عراقية مشتركة تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والطائفية؟ وما حدود الموضوعية في كتابة تاريخ الثورات والانقلابات؟ ثم إلى أي مدى يمكن الفصل بين الوثيقة التاريخية والسلطة التي تنتج تفسيرها؟ إن هذه الأسئلة ربما تكون أكثر أهمية من الإجابات نفسها. لأن التاريخ، في النهاية، لا يعيش فقط في الماضي، بل في الطريقة التي يواصل بها الحاضر إعادة اختراعه وتأويله.
#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟