أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الروح















المزيد.....

نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الروح


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 07:29
المحور: قضايا ثقافية
    


في العمر، يا صاح، وجوهٌ تمر كما تمر العربات في الأسواق، لا تترك وراءها إلا الغبار، ووجوهٌ أخرى إذا غابت بقي ظلها معلقًا في الذاكرة كقنديل لا ينطفئ، وكان سمير كامل من أولئك الذين لا يغادرون أعمارنا وإن غابوا عن أعيننا، لأن بعض الناس يسكنون المقاعد، وبعضهم يسكنون القلب، وشتان بين المنزلتين. عرفته في أيام الدراسة الثانوية، يوم كانت الحياة أقل تعقيدًا وأكثر صدقًا، وحين كانت أحلامنا أكبر من أعمارنا، وكانت ضحكاتنا تسبقنا إلى الممرات قبل أن نصل إليها. وكان سمير، يا رعاك الله، من الفتية الذين إذا دخلوا الصف شعر المرء أن النظام قد دخل معهم، لا لأنه كان متجهمًا أو متعاليًا، بل لأنه كان يحمل تلك الهيبة الهادئة التي تشبه سكون الفجر قبل الأذان. ولم يكن سمير من أولئك الذين يظنون الأناقة ربطة عنق أو قميصًا مستوردًا، بل كانت أناقته صادرة من ترتيبه الداخلي، كأن قلبه قد تهذب قبل ثيابه، حتى ليخيّل إليك أن الحذاء عنده يعرف الوقار أكثر من بعض الرجال. وكان إذا مر في ساحة المدرسة حسبته خارجًا من رواية قديمة، يحمل دفاتره بعناية، ويمضي بخطوات موزونة، لا عجلة فيها ولا تكلف، كأنما تعلم منذ صباه أن الإنسان لا يُقاس بضجيجه بل بقدر الطمأنينة التي يتركها خلفه.
وكان في زماننا، يا أحسن الله إليك، فتيان يتصنعون الرجولة بالصراخ، ويحسبون الوقاحة شجاعة، وكثرة الخصومات بطولة، أما سمير فكان يعلم، بفطرته لا بتفلسفه، أن الرجل الحقيقي لا يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يُسمع، ولا إلى أن يجرح الناس كي يثبت حضوره. وكان إذا تحدث خرج كلامه سهلًا، عذبًا، كأن الألفاظ قد توضأت قبل أن تغادر فمه. وقد قيل قديمًا إن البيان شاهد يعبر عن الضمير، وناطق يرد به الجواب، ومؤنس يذهب الوحشة، وما رأيت هذا المعنى متجسدًا كما رأيته في بعض كلمات سمير التي كتبها بعد أعوام طويلة من الفراق، حين قال: "توضّأ بالمحبة قبل الماء فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز". فقلت في نفسي: ما أندر الرجال الذين تبقى أرواحهم نظيفة وسط هذا العالم المزدحم بالأحقاد. فإن أكثر الناس، يا سدد الله خطاك، إذا تقدمت بهم السنون ازدادت قلوبهم قسوة، لأن الحياة تنحت أرواحهم كما تنحت الريح الصخر، أما سمير فقد بقي يحمل ذلك الصفاء القديم، كأن الزمن مرّ من حوله ولم يمرّ فيه. وليس أعجب من رجل استطاع أن يحافظ على بياض قلبه في عصر صارت فيه القلوب أشبه بالمخازن القديمة، مكدسة بالغيرة والضغائن والحسابات الصغيرة.
وقد كتب أيضًا: "لا تحرق قلبك بالحسد ولا تقتله بالحقد". وهي كلمة لو عقلها الناس لاستراح نصف العالم من أوجاعه. فإن الحسد، يا هداك الباري، داءٌ يبدأ همسة ثم ينتهي خرابًا، وما رأيت نارًا تأكل صاحبها كما يأكله الحقد. والعجيب أن الحسود يظن أنه يعذب غيره، وما يدري أنه أول المحترقين. ولقد صدق سمير حين قال إن الناس لم يحسدوا يوسف على المال بل حسدوه على المحبة، لأن عطايا القلب أغلى من عطايا اليد، والمحبة رزق لا يُشترى. وكان سمير في الثانوية محبوبًا بطريقة لا تحتاج إلى إعلان، فلا هو من أصحاب الضجيج، ولا من هواة استعراض الذات، ولكنه كان يملك تلك الخفة الإنسانية التي تجعل الناس يألفونه من أول لقاء. وبعض البشر، يا وفقك الله، يشبهون البيوت المضيئة، تدخلها النفس فتطمئن قبل أن تجلس، وكان سمير من هذا الصنف النادر. ثم افترقت بنا الطرق كما تفعل الحياة دائمًا. مضى كل واحد منا نحو عمله وهمومه، حتى صرنا نلتقي بالصدفة أكثر مما نلتقي بالشوق. وكبرت المدينة، وصغرت العلاقات، وصار الإنسان يعرف أخبار العالم كله ولا يعرف أحوال أقرب أصدقائه. ولقد كانت صداقات الأمس تشبه الخبز الساخن، بسيطة ولكن فيها بركة، أما اليوم فقد صارت العلاقات كثيرة العدد قليلة الدفء، كأن الناس يتحدثون بأصابعهم لا بقلوبهم.
وما النوستالجيا، يا هذا، إلا بكاء الروح على نسخة قديمة من نفسها. فنحن لا نشتاق إلى المدرسة وحدها، بل نشتاق إلى الذين كناهم داخلها. نشتاق إلى المقاعد الخشبية، إلى دفاتر الكيمياء، إلى أصوات الجرس، إلى الطريق الطويل صباح الشتاء، وإلى أولئك الزملاء الذين كانوا يملكون الدنيا بابتسامة وكوب شاي وكلمة طيبة. وأذكر سمير كامل جيدًا في تلك السنوات، بثيابه المرتبة، وشعره المصفف بعناية، وعطره الخفيف الذي يسبقه أحيانًا إلى الممر، وبضحكته التي لم تكن عالية لكنها كانت صادقة. وبعض الضحكات، يا أيدك الله، تبقى في الذاكرة أكثر من الخطب الطويلة، لأنها خرجت من القلب بلا تكلف. وكان أجمل ما في سمير أنه جمع بين عزة النفس واللطف، وتلك منزلة لا يبلغها كثير من الناس. فإن بعضهم إذا اعتز بنفسه تكبر، وإذا تواضع ابتذل نفسه، أما هو فكان يعرف كيف يحفظ كرامته دون أن يؤذي أحدًا. ولذلك حين كتب: "عزة النفس ليست غرورًا بل قانون يحميك من أن تكون متاحًا للجميع"، شعرت أن الرجل ما زال يحمل الحكمة نفسها التي كانت تسكن هدوءه أيام الثانوية. ولقد تغير العالم كثيرًا منذ تلك الأيام. صارت الصداقات سريعة، والقلوب مستعجلة، والناس يفسرون كل شيء حتى فقدوا القدرة على الدهشة. ولذلك أعجبتني عبارته الأخرى: "لا تحاول أن تفهم كل شيء لأن الضوء الزائد يتسبب بالعمى". وهي كلمة فيها من الحكمة أكثر مما في كتب كاملة، لأن بعض المعاني خُلقت لتُحس لا لتُشرح، ولتُعاش لا لتُفكك.
يا صاح، إن أعظم خسائر العمر ليست الشيخوخة، بل أن يفقد الإنسان قدرته على الوفاء لذكرياته الجميلة. وإن بعض زملاء الدراسة يتحولون مع الأيام إلى أسماء باهتة، أما بعضهم الآخر فيبقون كالأغاني القديمة، كلما مرّ ذكرهم عاد القلب إلى شبابه الأول. وكان سمير كامل من هذا الصنف الذي لا يشيخ في الذاكرة، لأن الأرواح النبيلة لا تصدأ مهما مرّ عليها الزمن. فيا سمير كامل، يا زميل الثانوية البعيد القريب، يا من كنت تعلمنا دون أن تدري أن الأناقة أخلاق قبل أن تكون ثيابًا، وأن المحبة وضوء الروح، وأن الإنسان يمكنه أن يكون وقورًا دون قسوة، وعزيز النفس دون غرور، سلام عليك بعدد ما مرّ من العمر، وسلام على تلك الأيام التي كنا نظنها عادية، ثم اكتشفنا متأخرين أنها كانت أجمل ما في الحياة. وما تزال النوستالجيا، يا رعاك الله، تعيدنا كلما تعبنا إلى أولئك الناس الذين جعلوا أعمارنا أقل قسوة وأكثر إنسانية، لأن الذكريات الحقيقية لا تسكن الماضي وحده، بل تسكننا نحن، وتبقى تمشي في أرواحنا كما يمشي الضوء الهادئ في آخر الممرات القديمة.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفة ...
- في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور ...
- المؤرخ خالد السعدون يرثي وطنًا ضاق بالعقل واتسع للطائفة
- حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى
- في سيرة الأستاذ الدكتور طالب محيبس الوائلي وأثره في صناعة ال ...
- في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ ...
- بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مم ...
- المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أن ...
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...
- محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
- سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...
- عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الروح