أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور الكشف















المزيد.....

في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور الكشف


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 22:56
المحور: قضايا ثقافية
    


في لجة الحيرة، أشرق في قلبي نورٌ لا يُطفأ، فاستنارت ظلمة الروح، وانقشعت سحب الشك، ليصبح كل شيء في عيني آيةً على الجمال المطلق." بهذا الافتتاح الذي ينهل من معين الكشف، يمكن أن نقترب من سيرة المؤرخ العراقي إسماعيل طه الجابري، لا بوصفه مجرد باحث في الوثيقة، بل بوصفه سالكًا في دروب المعنى، يرى التاريخ لا كأحداث متتابعة، بل كأنفاسٍ متصلة من الحضور الإلهي في الزمان. فالتاريخ عنده ليس سردًا لما كان، بل شهودٌ لما يتجلّى، وفرقٌ بين من يكتب الحوادث، ومن يقرأ فيها أسرار التقدير. وإذا كان ابن عربي قد قال "العالَم غائب ما ظهر قط، والله ظاهر ما غاب قط"، فإن الجابري قد جعل من الوثيقة بابًا للظهور، لا للحجب. فهو لا يتعامل مع النصوص التاريخية كأجسادٍ جامدة، بل ككائناتٍ حيّة، تسكنها الأرواح، وتنبض فيها مقاصد من سبقونا. ولذلك جاءت كتاباته محاولة دؤوبة لرفع الحجاب عن المعنى الكامن في الحدث، واستنطاق ما صمتت عنه الروايات. كلما ازددت منه قربًا، ازددت بحالي جهلًا، هي حيرةٌ تشبه المعرفة، ووقوفٌ عند بابٍ لا يُطرق إلا بالانكسار. في هذه الحيرة العارفة يمكن أن نقرأ مشروع الجابري في التوثيق الآني للحدث التاريخي، كما في عمله حول موسوعة فتوى الدفاع الكفائي. لم يكن هدفه مجرد تسجيل اللحظة، بل الإمساك بنبضها قبل أن يبرد، والتقاط روحها قبل أن تُختزل في سرديات لاحقة. فهو يدرك أن الحدث حين يُدوّن في لحظته، يكون أقرب إلى الصدق، وأبعد عن التحريف الذي تُدخله الأيدي اللاحقة وهنا يتقاطع منهجه مع قول ابن عربي "ما خُفِيَ الحق إلا لشدة ظهوره"، إذ يرى الجابري أن الحدث المعاصر، رغم وضوحه الظاهري، قد يكون أكثر غموضًا من الحدث البعيد، لأن كثرة الشهود تُربك الرؤية، وتعدد الأصوات يُغشي البصيرة. ومن ثم فإن التوثيق الآني ليس ترفًا منهجيًا، بل ضرورة معرفية، تحفظ للحدث نقاءه الأول.
"أُسِرَت روحي في قيد المحبة، فلا القلب يطلب فكاكًا، ولا العقل يرجو خلاصًا، لقد رضيت بأن أكون فانياً في محبوبي." هذه المحبة التي يتحدث عنها العارفون، نجد صداها في تعلق الجابري بتاريخ المدن المقدسة، ودوره في ثورة العشرين. فهو لا يكتب عن العلماء بوصفهم فاعلين سياسيين فحسب، بل بوصفهم أرواحًا حملت همّ الأمة، وتجسدت فيها معاني التضحية. وقد اعتمد في ذلك على الوثائق البريطانية، لا ليُعيد إنتاج رؤيتها، بل ليكشف ما غاب عنها، ويُظهر ما حاولت طمسه. إنه يمارس ما يمكن تسميته "التأويل المقاوم"، حيث يُعيد قراءة النص الاستعماري من داخله، مستخرجًا منه ما يُدين صاحبه. وهنا تتجلى حكمته في الجمع بين الوثيقة والرؤية، بين الدقة الأكاديمية والبصيرة العرفانية. تطوف النفس في ملكوت الصفات، طالبةً كشف الذات، وما الكشف إلا أن تدرك أنك لا شيء في كل شيء." بهذا المعنى، لا يرى الجابري نفسه مركزًا للمعرفة، بل وسيطًا لها. فهو يُخضع ذاته لمقتضيات البحث، ويجعل من التواضع العلمي شرطًا للفهم. ولذلك جاءت كتاباته بعيدة عن الادعاء، قريبة من الإنصات، كأنها تقول ما قاله ابن عربي "إذا طالبك أحد بالدليل والبرهان على علوم الأسرار الإلهية، فقل له ما الدليل على حلاوة العسل، فلا بد أن يقول لك هذا علم لا يحصل إلا بالذوق، فقل له هذا مثل ذاك." فالتاريخ عنده يُذاق كما يُقرأ، ويُحس كما يُفهم، وهو في ذلك يقترب من التصوف أكثر مما يبتعد، دون أن يفقد صرامته المنهجية. "أغلقت أبواب الذات، وخرجت من ضيق أنا إلى سعة هو، فكانت خلوتي هي المجمع، ونفسي هي المؤنس." في خلوة الباحث، حيث تتراكم الكتب وتتزاحم الوثائق، يجد الجابري مجمعه الخاص، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، ويتحاور الغائب مع الشاهد. وقد تجلى ذلك في دراساته عن المجلات العلمية المحكمة، ودورها في النشر الأكاديمي، حيث لم يكتفِ بوصفها أدوات، بل نظر إليها كفضاءاتٍ لإنتاج المعرفة، ومجالاتٍ لتشكيل الوعي. إنه يدرك أن "الكتب ثمرات عقول الواضعين لها، وفي الثمرات طيب وخبيث، فانظر بأي ثمرة تغذي عقلك"، ولذلك كان حريصًا على نقد المحتوى، وتمييز الغث من السمين، في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتكاثرت فيه المنابر.
"يا ساكن القلب، لا تتركني لتدبيري، فقد أتعبني الاختيار، وأرهقتني النفس، ولا راحة إلا في أنت. بهذا النداء، يمكن أن نفهم انشغاله بالدراسات الإسلامية، كما في بحثه عن اليابان في الدراسات الإسلامية، أو تحقيقه في مخطوط الرحلة اليابانية لهبة الدين الشهرستاني. فهو لا ينظر إلى الإسلام كهوية مغلقة، بل كأفق مفتوح، يتفاعل مع الآخر، ويُعيد تشكيل ذاته في ضوء اللقاء. وهنا يتجلى وعيه بأن "كل معرفة لا تتنوع لا يعول عليها"، وأن الانفتاح ليس تهديدًا، بل شرطًا للنمو. ولذلك جاءت أعماله جسورًا بين الثقافات، لا حواجز بينها. "من كوة الروح التي لا يراها غير الله، تسلل نور أيدني، فتبدلت وحشتي أنسًا، وتلاشت خطرات النفس أمام سطوة الحضور." هذا النور هو ما يقود الباحث في دروب الشك، ويهديه في متاهات النصوص. وقد بدا ذلك واضحًا في دراساته عن الشخصيات التاريخية، كالسيد محسن الأمين العاملي، حيث لم يكتفِ بسرد سيرته، بل حاول فهم نتاجه الفكري، وربطه بسياقه، واستنطاق أثره. إنه يكتب التاريخ بوصفه سيرة للأفكار، لا للأشخاص فقط، ويرى أن "الحكم نتيجة الحكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له." "في صمت التأمل، سمعت نداءً أزليًا، يقول لي قم، فقد قضي الأمر، ولا يبقى في الميدان إلا أثر من حب." هذا الأثر هو ما يبقى من المؤرخ بعد رحيله، وهو ما يسعى الجابري إلى ترسيخه في أعماله. فهو لا يكتب ليملأ فراغًا، بل ليترك أثرًا، يُعين من يأتي بعده على الفهم، ويُضيء له الطريق. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الكتابات، وتتنافس فيه الأصوات، يبقى التميز رهين الصدق، والعمق، والقدرة على النفاذ إلى جوهر الأشياء. وهذا ما سعى إليه الجابري، مستلهمًا من روح العرفان، ومستندًا إلى صرامة العلم.
"لا تحتقر أحدًا أو شيئًا، فالله حين خلقه لم يحتقره." بهذه الحكمة، تعامل مع موضوعاته، فلم يُقصِ المهمش، ولم يُهمل الصغير، بل رأى في كل تفصيل مدخلًا إلى الكل، وفي كل جزئية مرآةً للكلي. ولذلك جاءت كتاباته غنية بالتفاصيل، دقيقة في التحليل، واسعة في الأفق. الكون مرتبط بالله مثلما يرتبط الظل بالإنسان." وهكذا يرى التاريخ، ظلًا للحقيقة الكبرى، لا ينفصل عنها، ولا يُفهم إلا بها. ومن هنا فإن دراسة التاريخ ليست مجرد معرفة بالماضي، بل سعيٌ لفهم الحاضر، واستشراف المستقبل، في ضوء سننٍ لا تتبدل. وفي الختام، يمكن القول إن إسماعيل طه الجابري قد قدّم نموذجًا للمؤرخ الذي يجمع بين العقل والقلب، بين الوثيقة والكشف، بين الصرامة والذوق. وهو في ذلك يقترب من روح ابن عربي، دون أن يدّعي مقامه، ويستلهم من حكمه، دون أن يُقلّد عباراته. "ما جف قلم عالم يستمد من بحر الحقائق." وهكذا يظل قلمه جاريًا، ما دام متصلًا بذلك البحر، يستقي منه، ويُفيض على من يقرأ، نورًا يهدي، ومعنى يُبقي، وأثرًا لا يزول.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المؤرخ خالد السعدون يرثي وطنًا ضاق بالعقل واتسع للطائفة
- حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى
- في سيرة الأستاذ الدكتور طالب محيبس الوائلي وأثره في صناعة ال ...
- في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ ...
- بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مم ...
- المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أن ...
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...
- محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
- سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...
- عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة
- سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور الكشف