أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي















المزيد.....

حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 00:11
المحور: الادب والفن
    


تُعدّ نظرية الشعرية عند تزفيتان تودوروف واحدة من أهم التحولات التي شهدها النقد الحديث، لأنها نقلت القراءة الأدبية من سؤال المعنى المباشر إلى سؤال البنية العميقة التي تجعل النص أدبياً. فالشعرية عند تودوروف لا تنشغل بما يقوله النص فقط، بل بالطريقة التي يُنتج بها لغته الخاصة، وكيف تتحول الكلمات العادية إلى فضاء كثيف بالإيحاء والانزياح والتوتر الرمزي. ومن هذا المنظور تبدو قصيدة “نبؤات” للشاعرة العراقية كواكب الساعدي نصاً شديد الخصوبة من الناحية الشعرية، لأنه لا يتحرك داخل خط دلالي واحد، بل داخل شبكة متداخلة من القلق والتمرد والهلوسة والأسئلة الوجودية والاحتجاج الثقافي. يفتتح النص بجملة صادمة: “الخير والشر يكمنان بدهاليز أدمغتنا”، وهي عبارة تكشف منذ اللحظة الأولى عن طبيعة البنية الشعرية التي سيقوم عليها النص كله. فالخير والشر لا يظهران بوصفهما قيمتين أخلاقيتين مجردتين، بل بوصفهما متاهة داخلية تسكن الإنسان نفسه. إن لفظة “دهاليز” تمثل هنا انزياحاً دلالياً بالغ القوة، لأنها تحوّل الدماغ إلى مكان مظلم ومتعدد الممرات، وتحوّل الفكر إلى مساحة غامضة لا يمكن الإمساك بها بسهولة. وهذا ما يسميه تودوروف بانتقال اللغة من الوظيفة التقريرية إلى الوظيفة الشعرية، حيث لا تعود الكلمة مجرد أداة وصف، بل تصبح أداة خلق وإعادة تشكيل للعالم. ومنذ هذا الاستهلال يبدأ النص في بناء عالمه على التوتر بين الداخل والخارج، بين العقل والغريزة، بين اليقين والاضطراب. فالشاعرة لا تقدم خطاباً فلسفياً منظماً، وإنما تبني وعياً متشظياً يتدفق عبر التداعي الحر والأسئلة المفتوحة. ولهذا تبدو اللغة وكأنها تتحرك داخل حالة من القلق الوجودي الدائم، بحيث يصبح النص أقرب إلى رحلة في دهاليز النفس منه إلى قصيدة ذات معنى مغلق. ويظهر تأثير هذا البناء النفسي في تكرار الأسئلة داخل النص: “من يفهم؟”، “فهل أنا أناهز نبي؟”، “ما ضر أن تُعطى الشاعرة بعض الامتيازات؟”. هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات، بل تكشف هشاشة الذات وهي تواجه العالم. فالسؤال هنا ليس أداة معرفة، بل علامة تشظٍّ داخلي. ومن منظور تودوروف، فإن النص الشعري الحقيقي لا يتحرك داخل اليقين، وإنما داخل الفجوات والاحتمالات، ولهذا يترك القارئ معلقاً داخل منطقة رمادية لا يستطيع فيها التمييز الكامل بين الحقيقة والهلوسة.
التماهي الشعري والوراثة الرمزية للمرأة الكاتبة
من أكثر المقاطع كثافة في النص قول الشاعرة: “الشاعرة التي عاشت في القرن الماضي كأنها ألبستني روحها”. هنا تظهر واحدة من أهم الظواهر الشعرية التي تحدث عنها تودوروف، وهي تداخل الذوات داخل الخطاب الأدبي. فالأنا لا تتحدث بوصفها ذاتاً مستقلة، بل بوصفها امتداداً لذات أخرى غائبة. إن الشاعرة المعاصرة تستدعي شاعرة من الماضي لا لتتذكرها فقط، بل لتتقمصها وتعيش داخل روحها. وكأن الكتابة تتحول إلى شكل من أشكال التناسخ الرمزي. إن عبارة “ألبستني روحها” تكشف انزياحاً شعرياً بالغ العمق، فالروح تتحول إلى لباس، والهوية تصبح شيئاً قابلاً للانتقال من جسد إلى آخر. وهكذا يتم تفكيك الحدود الزمنية والنفسية بين الشاعرات، لتنشأ ما يمكن تسميته بوراثة رمزية نسوية، تنتقل فيها التجربة الشعرية من جيل إلى جيل بوصفها ذاكرة مقاومة ضد الخوف الاجتماعي والقمع الثقافي. وتبلغ هذه الحالة ذروتها حين تربط الشاعرة فعل القراءة بهياج البحر والنبي يونس في بطن الحوت. فالقراءة هنا ليست نشاطاً ذهنياً هادئاً، بل تجربة وجودية عاصفة. البحر يتحول إلى رمز للتيه واللايقين، بينما تمثل اليابسة الاستقرار والعقل. وحين تقول الشاعرة إنها لم تطأ اليابسة، فإنها تعلن غرقها الكامل في التجربة الشعرية. أما استدعاء النبي يونس فيحمل النص إلى مستوى آخر، حيث تصبح الكتابة تجربة شبيهة بالعزلة النبوية أو الاختناق الروحي أو إعادة الولادة داخل الظلمة. وهنا تتجلى إحدى أهم أفكار تودوروف، وهي أن النص الأدبي لا يعتمد على مرجع واحد، بل يفتح أبوابه أمام مرجعيات متعددة: دينية وأسطورية ونفسية وشعرية. فالنبي يونس ليس مجرد رمز ديني، بل صورة للإنسان المبتلع داخل عزلته الداخلية. والبحر ليس مكاناً طبيعياً، بل فضاء للتيه الوجودي. وهكذا تتحول القصيدة إلى شبكة من الرموز المتداخلة التي لا يمكن اختزالها في معنى واحد. كما يبرز في النص حضور واضح للمرأة الكاتبة بوصفها ذاتاً متمردة. فالشاعرة تصرخ بأن “المرأة كائن حي لا يُكبل بمفاهيم بالية”، لكنها لا تقدم هذا الاحتجاج بلغة مباشرة أو شعاراتية، بل تحوله إلى توتر جمالي داخل اللغة نفسها. فالتمرد هنا ليس بياناً سياسياً، بل حالة شعورية تتسرب إلى الصور والاستعارات والأسئلة. ولذلك يظل النص محتفظاً بشعريته رغم كثافته الفكرية.
الهلوسة والحرية والانفتاح التأويلي
واحدة من أكثر السمات حداثة في نص “نبؤات” هي التوتر المستمر بين الواقع والهلوسة. تقول الشاعرة: “ما كان لم يكن سوى هلوسة”، لكنها لا تتراجع عن رؤيتها، بل تستمر في الكتابة وكأن الهلوسة نفسها أصبحت شكلاً من أشكال الحقيقة الشعرية. وهذا ما يقترب كثيراً من مفهوم تودوروف حول الأدب العجائبي، حيث يبقى القارئ معلقاً بين تفسيرين: هل ما يحدث واقعي أم متخيل؟ هل ما تراه الشاعرة رؤيا أم اضطراب نفسي؟ إن النص لا يمنحنا إجابة واضحة، وهذه المنطقة الغائمة هي مصدر شعريته الأساسية. فالكتابة هنا ليست استقراراً عقلياً، بل مغامرة داخل المجهول. ولهذا تنتقل الشاعرة فجأة من التأملات الفلسفية إلى مشهد الأطفال الذين يركلون الكرة في الفناء، وكأن الواقع اليومي يقتحم عالم الهلوسة ليعيد الذات إلى الأرض بعد لحظة تحليق طويلة. ويظهر هذا التحليق الرمزي في صورة الطائر التي تُعد من أجمل صور النص: “تتقمص روح طائر يفرد جناحيه إلى متسع ليكون الفضاء بيتها ومستقرها”. الطائر هنا ليس مجرد صورة زخرفية، بل بنية رمزية للحرية والانعتاق. فالمرأة الشاعرة تتحول إلى كائن جوي يرفض القيود الأرضية والاجتماعية. ومن منظور تودوروف، فإن الصورة الشعرية لا تصف الواقع بل تعيد خلقه، ولهذا يصبح التحليق في النص معادلاً للكتابة ذاتها. كما يقوم النص على سلسلة من الثنائيات التي تمنحه عمقه البنيوي: الخير والشر، البحر واليابسة، العقل والهلوسة، الحرية والقيد، المرأة والسلطة القبلية، الوطن والمنفى. وهذه العلاقات الثنائية ليست زينة فكرية، بل هي الهيكل العميق الذي تنتظم حوله القصيدة كلها. فكل صورة تحمل داخلها نقيضها، وكل معنى يفتح الباب لمعنى آخر. ومن هنا تأتي قوة الانفتاح التأويلي في النص. فالقارئ يستطيع أن يقرأ القصيدة بوصفها نصاً نسوياً، أو تأملاً وجودياً، أو احتجاجاً ثقافياً، أو اعترافاً نفسياً، أو نصاً عن الحرب والمنفى. وهذا التعدد في إمكانيات القراءة يمثل، وفقاً لتودوروف، أحد أهم شروط الأدبية، لأن النص الحقيقي لا يُغلق على تفسير واحد.
الوطن المحترق وشعرية الخراب المعاصر
في خاتمة النص يتحول الخطاب من الذات الفردية إلى الهم الجمعي، حين تقول الشاعرة: “على وطن يحترق كان وطنه الأول”. هنا لا يعود الاحتراق مجرد صورة بلاغية، بل يتحول إلى استعارة كبرى للخراب الحضاري. فالوطن يظهر بوصفه ذاكرة محترقة، لا مكاناً آمناً للانتماء. ومن اللافت أن الشاعرة تستخدم صيغة التذكر، وكأن الوطن لم يعد واقعاً حاضراً بل صورة بعيدة تستعاد عبر الحنين. كما أن الحرب تظهر في النص بصورة خاطفة وعنيفة: “طائرات ترشق جارة محاذية”. إن فعل “ترشق” يمنح الحرب طابعاً عبثياً متكرراً، وكأن الدمار أصبح فعلاً يومياً عادياً. ومن منظور الشعرية، فإن قوة الصورة لا تأتي من الشرح التفصيلي، بل من هذا التكثيف الخاطف الذي يحول الحرب إلى ومضة داخل الذاكرة. ورغم أن النص مكتوب بلغة نثرية، فإنه يمتلك إيقاعاً داخلياً واضحاً يتحقق عبر التكرار والتقطيع والتوتر الانفعالي وعلامات الاستفهام. فالموسيقى هنا ليست وزناً عروضياً، بل حركة نفسية داخل اللغة. ولهذا يبدو النص وكأنه يُكتب على إيقاع نفس مضطرب، تتداخل فيه الرغبة بالخوف، والتمرد بالخيبة، والحلم بالانكسار. وفي المحصلة لا تملك الشاعرة سوى الكتابة. فالكتابة تصبح الملاذ الأخير في عالم يزداد قسوة وغموضاً. ولهذا فإن “نبؤات” ليست مجرد قصيدة عن امرأة تكتب، بل نص عن الإنسان المعاصر وهو يواجه دهاليز الشر والحرب وسوء الفهم، ويحاول رغم ذلك أن يحافظ على قدرته في الحلم والتحليق. ومن هنا تتجلى القيمة الشعرية العميقة للنص، لأنه ينجح في تحويل التجربة الذاتية إلى سؤال إنساني مفتوح، ويحوّل اللغة من وسيلة للتعبير إلى متاهة جمالية تكشف هشاشة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي العميق.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يغيب حرّاس الذاكرة مناشدة إلى عماد مجيد المولى الذي ترك ...
- إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص
- نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الرو ...
- الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفة ...
- في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور ...
- المؤرخ خالد السعدون يرثي وطنًا ضاق بالعقل واتسع للطائفة
- حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى
- في سيرة الأستاذ الدكتور طالب محيبس الوائلي وأثره في صناعة ال ...
- في سيرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق النصيري وأثره في التاريخ ...
- بين السيف والقلم: حكاية المؤرخ عبد الستار مطلك الدرويش في مم ...
- المؤرخ كهلان حلمي القيسي؛ سيرةُ عالمٍ إذا تكلّمَ التاريخُ أن ...
- زهراء المنصور؛ حين صار الكرسي صلاة والنافذة وجعا لا ينتهي
- حميد قاسم حين يتحدث عن الجنود؛ غناء الرأس المقطوع: قراءة في ...
- محمد حياوي؛ غريب الحرف بين ماء الناصرية وظلال أمستردام
- سماوات البهجة: نجم والي بين كشف المعنى وتجلي الصورة
- حين تتكلّم اللوحة من صمتها: وقفة النفّري الصوفية في أثر صبيح ...
- عبد الأمير شمخي؛ عابر المنافي وصانع المشهد
- مفيد كاصد الزيدي -مؤرّخ الخليج وراصدُ تحوّلات الدولة العربية ...
- إبراهيم العلاف؛ مؤرخ الموصل وذاكرة العراق الحديثة
- رياض شابا؛ من ألقوش إلى مملكة الكلمة


المزيد.....




- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...
- غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا ...
- معرض كتاب الرباط 31.. نجاح تنظيمي تخدشه حوادث -منع- وجدل حول ...
- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي