أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - صادق ياسين الحلو، المؤرخ الذي ربى العقول قبل أن يكتب التاريخ















المزيد.....

صادق ياسين الحلو، المؤرخ الذي ربى العقول قبل أن يكتب التاريخ


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 21:11
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يخلد المؤرخ اسمه بعدد الكتب التي ألفها، ولا بعدد الوثائق التي جمعها، بل خلد اسمه حين صنع جيلا يحمل منهجه، ويواصل عمله، ويضيف إليه. لذلك بقيت أسماء كثيرة في بطون الفهارس، وغابت عن الذاكرة، لأن أصحابها كتبوا للتاريخ ولم يصنعوا المؤرخين. أما الأستاذ الدكتور صادق ياسين الحلو فقد جمع الأمرين، فكتب، ودرّس، وأشرف، وربى، حتى صار حضوره ممتدا في عشرات الباحثين الذين حملوا طريقته في البحث، وأسلوبه في النظر، ودقته في التعامل مع الحادثة التاريخية. ومن تأمل سير العلماء علم أن القيمة لا تستقر في كثرة الكلام، وإنما تستقر في حسن الأثر. يا صاح، إن الرجل يرحل ويبقى منه ما أودعه في عقول الناس، فإن كان علما نافعا عاش بعد موته، وإن كان علما مضطربا مات قبل أن يموت صاحبه. ومن هنا استحق صادق ياسين الحلو مكانته بين أعلام الدراسات التاريخية في العراق، لأنه لم يتعامل مع التاريخ على أنه حكايات تروى، بل رآه علما يقوم على التحقيق، والمقارنة، وتحليل المصالح، وفهم حركة الدول. ومن يقرأ سيرته يجد أن حياته كانت رحلة علم متصلة، لم تعرف الانقطاع، ولم تنصرف إلى طلب المناصب، وإنما انصرفت إلى طلب المعرفة، ونشرها بين طلابه، حتى صار اسمه مرتبطا بقاعات الدرس، وبالرسائل الجامعية، وبالكتابة الرصينة التي لا تعرف الزخرف الفارغ.
التكوين العلمي، حين يتحول الاجتهاد إلى منهج
بدأت رحلة صادق ياسين الحلو في كربلاء، حيث أكمل مراحل دراسته الأولى، ثم انتقل إلى دار المعلمين العالية في بغداد، التي خرجت نخبة من أساتذة العراق. هناك تعلم أن التعليم مسؤولية قبل أن يكون وظيفة، وأن المؤرخ لا يكتفي بحفظ الوقائع، بل يبحث عن أسبابها ونتائجها. ثم مضى إلى جامعة بغداد، فنال درجة الماجستير سنة 1974 عن رسالته "دور القواسم في الخليج العربي". ولم يكن اختياره لهذا الموضوع مصادفة، لأن الخليج العربي كان ولا يزال عقدة تتقاطع عندها المصالح الدولية، وتتزاحم فيها القوى البحرية، وتتشكل عندها خرائط النفوذ. ولما أكمل هذه المرحلة، شد الرحال إلى جامعة السوربون، حيث حصل على الدكتوراه عن أطروحته "موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي 1798 إلى 1801". وهنا تظهر ملامح الباحث الحقيقي، لأنه اختار موضوعا يحتاج إلى قراءة الوثائق، ومقارنة الروايات، وفهم السياسة الأوروبية في زمن التحولات الكبرى. يا رعاك الله، إن الباحث لا يكبر بالشهادة وحدها، وإنما يكبر حين يجعل الشهادة بداية لطريق أطول، ولذلك عاد إلى العراق ليضع ما تعلمه في خدمة الجامعة، والطالب، والبحث العلمي.
المؤرخ الذي جمع بين قاعة الدرس وأرشيف الوثيقة
عمل صادق ياسين الحلو مدرسا للتاريخ والجغرافية في المدارس العراقية، ثم انتقل إلى التعليم الجامعي، وهناك اتسعت تجربته، ونضج مشروعه العلمي. فقد أدرك أن الطالب لا يحتاج إلى أستاذ يملأ دفاتره بالمعلومات، بل يحتاج إلى معلم يوقظ فيه ملكة السؤال. ولذلك اتجه إلى تدريب طلبته على قراءة الوثيقة، وعدم الاكتفاء بالنقل عنها. وكان يدفعهم إلى مقارنة المصادر، وعدم التسليم بالرواية الأولى، لأن الحقيقة التاريخية لا تظهر من وثيقة واحدة، وإنما تتشكل من تلاقي الوثائق واختلافها. ومن عرف منهجه علم أنه كان يميز بين الخبر والتفسير. فالخبر يخبرك بما وقع، أما التفسير فيبين لك لماذا وقع، وكيف ترتبت عليه النتائج. وهذه هي الصناعة التي تميز المؤرخ عن جامع الأخبار. يا أحسن الله إليك، إن التاريخ الذي يخلو من التحليل يتحول إلى دفتر للحوادث، أما التاريخ الذي يقرأ المصالح، والقوى، والاقتصاد، والدبلوماسية، فإنه يصبح علما يساعد الإنسان على فهم الحاضر قبل الماضي. ولهذا اتجه اهتمامه إلى التاريخ الأوروبي، والعلاقات الدولية، والخليج العربي، والسياسات الاستعمارية، لأنها ميادين تكشف حركة الدول، ولا تكتفي بوصف أفعال الحكام.
مدرسة علمية صنعت جيلا من المؤرخين
إذا أردت أن تعرف منزلة الأستاذ، فانظر إلى تلاميذه. فإن كانوا علماء، فاعلم أن معلمهم كان صاحب رسالة. وقد خرج على يدي صادق ياسين الحلو عدد كبير من الباحثين الذين أصبحوا أساتذة في الجامعات العراقية، ومنهم طاهر خلف البكاء، وأسعد محمد زيدان الجوادي، وحنا عزو بهنان، وخليل إبراهيم صالح المشهداني، وعبد المجيد عبد اللطيف العاني، وغيرهم من الأسماء التي أسهمت في تطوير الدراسات التاريخية. ولم يكن إشرافه على الرسائل الجامعية عملا إداريا، بل كان امتدادا لفلسفته في التعليم. فقد تنوعت الرسائل التي أشرف عليها بين تاريخ الخليج العربي، والعلاقات العراقية الفرنسية، وشركة الهند الشرقية، والسياسة العثمانية، والحرب العالمية الأولى، والتاريخ الأوروبي، والقضية الفلسطينية، وتاريخ عمان. هذا التنوع يدل على رؤية واسعة، لأن المؤرخ لا يحبس نفسه في موضوع واحد، بل يربط الأحداث بعضها ببعض، ويرى التاريخ شبكة من العلاقات المتداخلة. يا سدد الله خطاك، إن الأستاذ الذي يكرر موضوعاته يورث طلابه التكرار، أما الذي يوسع آفاقهم فإنه يورثهم القدرة على البحث في ميادين جديدة، ويمنح الجامعة طاقة متجددة. ومن هنا أصبح تأثيره أكبر من كتبه، لأن كل رسالة أشرف عليها كانت بداية لرسائل أخرى، وكل طالب علمه صار معلما لطلاب جدد.
الكتابة التاريخية بين الدقة والاتزان
ترك صادق ياسين الحلو عددا من الدراسات التي تناولت موضوعات متنوعة، منها حركة الانبعاث الإيطالية، والحروب الصليبية، وحملة السلطان مراد الرابع لاستعادة بغداد، كما كتب عن أعلام الفكر التاريخي العراقي، مثل الدكتور زكي صالح، والدكتور ياسين خليل عبد الله. ومن يقرأ هذه الأعمال يلحظ أنها تقوم على ثلاث ركائز.
أولا، احترام الوثيقة. فلا يصدر الحكم قبل مراجعة المصادر، ولا يقدم الاستنتاج قبل إقامة الدليل. وثانيا، قراءة الحدث في سياقه. فالحادثة لا تفهم إذا عزلت عن ظروفها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. وثالثا، الاعتدال في الأحكام. فالمؤرخ لا يتحول إلى قاض، ولا إلى محام، وإنما يعرض الوقائع، ويفسرها، ويترك للقارئ مساحة التفكير. يا وفقك الله، إن البيان الجميل يزين الفكرة، لكنه لا يغني عن الدليل. والكلمة إذا خلت من البرهان كانت صوتا يعلو ثم يخبو، أما إذا استندت إلى الوثيقة بقيت حاضرة في ضمير الباحثين. ولهذا جاءت كتاباته بعيدة عن الانفعال، وقريبة من المنهج، فلم يبحث عن الإثارة، بل بحث عن الحقيقة، ولم يجعل التاريخ ميدانا للصراع الأيديولوجي، بل جعله ميدانا للفهم العلمي.
مكانته في الذاكرة الأكاديمية
حين وصفه الأستاذ حميد المطبعي بأنه من أفضل من كتب في التاريخ الأوروبي من العراقيين، لم يكن ذلك مجاملة، بل خلاصة متابعة لإنتاجه العلمي، ومكانته بين الباحثين. كما أن اهتمام الأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى بالكتابة عنه يعكس تقدير المدرسة التاريخية العربية لجهده الأكاديمي. ولا تنال هذه المكانة بالشهرة، وإنما تنال بالعمل المتصل، والبحث المنضبط، والقدرة على بناء الثقة بين الأستاذ وطلابه، وبين الباحث ومصادره. يا أيدك الله، إن الإنسان إذا طلب الذكر سبقته أعماله، وإذا طلب العمل تبعه الذكر من غير أن يسعى إليه. وتلك سنة يعرفها أهل العلم، لأن الكتاب الصادق يعرف قارئه، والبحث الرصين يجد طريقه إلى العقول، وإن تأخر الاعتراف به زمنا. لقد عاش صادق ياسين الحلو للجامعة، ولم يعش من الجامعة. فرق بين من يجعل المؤسسة سلما لمصلحته، ومن يجعل نفسه سلما لنهضة المؤسسة. ولذلك بقي أثره ممتدا في القاعات الدراسية، وفي المكتبات، وفي الرسائل الجامعية، وفي ذاكرة أجيال من المؤرخين.
إرث علمي يتجاوز حدود الزمن
تحتاج الجامعات إلى علماء يتركون المناهج، وتحتاج الأمة إلى مؤرخين يعلمون الناس كيف يقرأون الماضي بعين العقل، لا بعين الهوى. وقد قدم صادق ياسين الحلو هذا النموذج طوال مسيرته العلمية. علم طلابه أن الوثيقة لا تنطق وحدها، وأن المؤرخ هو الذي يحسن سؤالها. وعلمهم أن الحياد لا يعني غياب الرأي، بل يعني خضوع الرأي للدليل. وغرس فيهم احترام الزمن، لأن كل حادثة ابنة عصرها، ولا يجوز محاكمتها بمعايير زمن آخر. ومن تأمل سيرته أدرك أن الجامعة لا تنهض بالأبنية، ولا بالألقاب، وإنما تنهض بالأستاذ الذي يجعل من المعرفة رسالة، ومن البحث خلقا، ومن التعليم عملا يوميا لا يعرف الملل. وهكذا بقي اسم صادق ياسين الحلو حاضرا في تاريخ الدراسات التاريخية العراقية، لا لأنه جمع الألقاب، بل لأنه جمع بين الباحث، والمعلم، والمربي. وذلك هو الإرث الذي لا تستهلكه الأيام، ولا تطويه السنون، لأن العلم إذا اقترن بالإخلاص صار أثرا باقيا في العقول، قبل أن يبقى في صفحات الكتب.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- برفسور عبد الأمير كاظم زاهد، سيرة عقل يبحث عن المعنى
- دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق
- دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي م ...
- عبد الأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع
- الشاعر فرج الحطاب؛ كرامة الهامش
- الجنة بوصفها معرفة: قراءة إبستمولوجية في تشكّل الأمل الديني
- من عزلة الكائن إلى يقين المعنى: قراءة معرفية في قصيدة سلام ا ...
- صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا
- الدولة بوصفها شركة التعاقد الجائر مع الدولة لا يمكن أن تكون ...
- الناي الذي بكى على العراق شوقي كريم حسن وثقافة لا تُباع في س ...
- حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي
- حين يغيب حرّاس الذاكرة مناشدة إلى عماد مجيد المولى الذي ترك ...
- إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص
- نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الرو ...
- الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفة ...
- في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور ...


المزيد.....




- أمريكا تكشف عن مقاطع فيديو رُفعت عنها السرية للأجسام الطائرة ...
- عون: لبنان سيمضي في المفاوضات
- الجثث المجهولة الهوية.. فصل معاناة جديد
- وزير الخارجية الإيراني يزور سلطنة عُمان لبحث تطورات مضيق هرم ...
- الجيش الصومالي يصدر بيانا بعد فيديو مهين لأمريكا
- 5 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يعلنون توصلهم لاتفاق مع البي ...
- -ميدل إيست أي-: روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة في ...
- واشنطن تخطط لبناء أسطول جوي حكومي خاص بالترحيل ونقل المسؤولي ...
- الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد يومين من الضربات المتبادلة ...
- جهود لإحياء الوساطة... ترامب يوافق على استئناف المفاوضات وطه ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - صادق ياسين الحلو، المؤرخ الذي ربى العقول قبل أن يكتب التاريخ