إسماعيل نوري الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 19:10
المحور:
قضايا ثقافية
حين تنظر في أحوال الرجال الذين تتقاطع عندهم مسالك العلم، تجد أن الزمان لا يرفع شأنهم بكثرة ما جمعوا من المعارف، بل بما أحدثته تلك المعارف من أثر في الناس. فالعلوم إذا بقيت حبيسة الرفوف ضعفت منفعتها، وإذا نزلت إلى حياة المجتمع صارت سبباً في إصلاح الفكر وتقويم النظر. ولهذا كان العلماء الذين جمعوا بين الفقه والفلسفة والقانون والتاريخ أقل عدداً من غيرهم، لأن الجمع بين هذه الميادين يحتاج إلى صبر طويل، وإلى عقل يربط بين النص والواقع، وبين التراث وحاجات العصر، وبين الثابت والمتغير. ومن تأمل سير العلماء وجد أن المنصب لا يصنع العالِم، وإنما العالِم هو الذي يمنح المنصب قيمته. فكثير من المناصب يزول أثرها بانتهاء مدتها، بينما يبقى أثر الفكر إذا تأسس على البحث والنقد والتعليم. وتلك سنة درجت عليها الأمم، إذ تحفظ أسماء من أسهموا في بناء العقل أكثر مما تحفظ أسماء من تولوا إدارة المؤسسات. ومن هذا الباب تأتي تجربة الدكتور عبد الأمير كاظم صالح زاهد، لأنها تمثل مساراً علمياً امتد عبر ميادين متباعدة، ثم التقت كلها عند سؤال واحد، هو كيف يخدم العلم المجتمع ويمنحه قدرة أفضل على فهم نفسه.
ولد الدكتور عبد الأمير كاظم صالح زاهد في مدينة النجف الأشرف سنة 1950، وهي مدينة ارتبط اسمها منذ قرون بحلقات الدرس والبحث والمناظرة. وفي مثل هذه البيئات تتشكل شخصية الباحث مبكراً، لأن الثقافة لا تبقى داخل المؤسسة التعليمية، بل تنتقل إلى المجالس والمنتديات والمكتبات، فتغدو جزءاً من الحياة اليومية. وقد انعكس هذا المناخ على مسيرته العلمية التي اتجهت نحو البحث في القانون والأديان وفلسفة الدين، وهي حقول تتقاطع عند دراسة الإنسان وسلوكه ونظامه الاجتماعي. اختار أن يجعل التعليم مشروع حياته، فواصل دراسته حتى نال الدكتوراه في القانون الدولي المقارن، ثم الدكتوراه في الأديان المقارنة، ثم الدكتوراه في فلسفة الدين، بعد دراسة امتدت بين جامعة بغداد، وجامعة القديس يوسف في بيروت، والجامعة الوطنية اللبنانية، وأنهى هذه الرحلة العلمية سنة 2019. ولا تكمن أهمية هذه الشهادات في عددها، بل في طبيعة العلاقة بينها. فالقانون يبحث في تنظيم العلاقات بين الدول والمجتمعات، والأديان المقارنة تدرس التجارب الدينية بوصفها ظواهر إنسانية، وفلسفة الدين تبحث في الأسس العقلية والمعرفية للمعتقدات. وعندما تجتمع هذه التخصصات في باحث واحد، فإنها تمنحه رؤية أوسع لفهم قضايا المجتمع والدولة والثقافة. وقد ظهرت آثار هذا التكوين العلمي في اهتمامه بالجمع بين الدراسة النظرية والعمل المؤسسي. فالعلم الذي لا يلامس مؤسسات المجتمع يبقى محدود الأثر، بينما يتحول إلى قوة فاعلة عندما يدخل الجامعات ومراكز البحوث وهيئات صنع القرار. ومن هنا انتقل الدكتور عبد الأمير كاظم صالح زاهد بين مواقع أكاديمية وإدارية متعددة، حمل فيها مسؤوليات مختلفة، مع محافظته على حضوره البحثي.
تولى عمادة كلية الآداب في جامعة الكوفة، وهي مرحلة تحتاج إلى إدارة تجمع بين رعاية البحث العلمي وتطوير المناهج وتنظيم الحياة الأكاديمية. ثم تولى عمادة كلية العلوم الإسلامية، فانتقل إلى فضاء آخر يقوم على دراسة الفكر الإسلامي وعلومه. ويكشف هذا الانتقال عن قدرة على التعامل مع بيئات معرفية مختلفة، لأن إدارة مؤسسة إنسانية تختلف في متطلباتها عن إدارة مؤسسة متخصصة في الدراسات الإسلامية، ومع ذلك استطاع أن يعمل في كلتا البيئتين. ثم شغل منصب مدير مركز الدراسات في جامعة الكوفة، وهو موقع يقوم على تشجيع البحث العلمي وربط الجامعة بقضايا المجتمع. كما ترأس لجنة الدراسات العليا في الجامعة، وهي مسؤولية ترتبط بإعداد الباحثين وتقويم رسائلهم وتطوير برامج الدراسات العليا. وتلك الأعمال تؤثر في أجيال من الباحثين أكثر مما تؤثر في مرحلة زمنية محددة، لأن القرارات التي تتخذ في هذا المجال تنعكس على جودة البحث العلمي لسنوات طويلة. وامتد نشاطه إلى مؤسسات الدولة، فتولى منصب مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأكاديمية، وهو موقع يقتضي الجمع بين الخبرة الجامعية والإدراك العملي لاحتياجات الدولة في مجال التعليم والبحث العلمي. كما تولى رئاسة مجلس أمناء بيت الحكمة، وهي مؤسسة عراقية عرفت بدورها في تشجيع الدراسات الفكرية والإنسانية، وإحياء الحوار بين التخصصات المختلفة. ويشغل اليوم عضوية مجلس إدارة مركز الرافدين للحوار، الذي يعمل على تعزيز النقاش العلمي والفكري حول القضايا الوطنية. ولا يمكن فهم هذه المناصب بمعزل عن مشروعه الفكري. فالانتقال بين الجامعة ومركز البحوث ومؤسسة الدولة يدل على رؤية ترى أن المعرفة لا تكتمل داخل قاعة الدرس وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات تحملها إلى المجتمع، وإلى إدارة تؤمن بقيمة البحث العلمي في صناعة القرار.
تكشف مؤلفاته عن اتساع دائرة اهتمامه. فقد نشر أكثر من سبعة وستين كتاباً تناولت موضوعات متعددة، منها الاقتصاد الإسلامي، والقضايا اللغوية في القرآن الكريم، والفكر السياسي الإسلامي، ونقد الأسس الدينية للأصولية المعاصرة، وفقه ابن رشد، والتأويل وإشكالية التفسير، وجدل التراث وعلمانية الغرب. وهذه الموضوعات تبدو متباعدة عند النظر الأول، لكنها ترتبط جميعها بمحاولة فهم العلاقة بين الدين والعقل والمجتمع. ويتضح في كتاباته اهتمام خاص بالفكر الإسلامي بوصفه مجالاً للنقد والتحليل، لا مجالاً للتكرار. فهو يعالج النصوص من خلال دراسة سياقاتها الفكرية والتاريخية، ويقارن بين الآراء، ثم يناقش نتائجها وآثارها. وهذه المنهجية تجعل البحث أقرب إلى الدراسة العلمية منها إلى الخطاب الوعظي، لأنها تقوم على تحليل الحجة قبل إصدار الحكم عليها. ومن بين القضايا التي أولى لها اهتماماً مسألة الأصولية المعاصرة. فقد تناول الأسس الدينية التي تستند إليها الاتجاهات المتشددة، ثم ناقشها من داخل التراث نفسه، محاولاً التمييز بين الدين بوصفه منظومة قيم، وبين القراءات التي تحول النص إلى أداة للصراع والإقصاء. وهذا اللون من الدراسات يكتسب أهمية خاصة في المجتمعات التي شهدت صراعات فكرية وسياسية اتخذت من الدين مرجعاً لها. كما اهتم بدراسة ابن رشد، لأن مشروع هذا الفيلسوف يمثل محاولة لإقامة علاقة متوازنة بين العقل والنص. وعندما يدرس فقه ابن رشد دراسة نقدية، فإنه لا يكتفي بعرض آرائه، بل يناقش منهجه في الاستدلال، وطريقته في قراءة النصوص، وأثر ذلك في الفكر الإسلامي. وهنا يظهر ميله إلى قراءة التراث بوصفه مادة للحوار العقلي، لا مادة للتقديس أو الرفض.
وفي كتابه عن التأويل وإشكالية التفسير، يقترب من واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الفكر الإنساني. فالنص الواحد يقرأ بطرائق متعددة، والاختلاف في الفهم يصنع اختلافاً في النتائج. لذلك يبحث في القواعد التي تضبط عملية التأويل، وفي الحدود التي تمنع تحول التفسير إلى إسقاط للرغبات الشخصية على النصوص. وهذه القضية لا تقتصر على الدراسات الدينية، بل تمتد إلى القانون والفلسفة والعلوم الإنسانية كلها. أما كتابه عن جدل التراث وعلمانية الغرب، فإنه يناقش العلاقة بين منظومتين فكريتين مختلفتين. فلا يدعو إلى رفض التراث، ولا إلى تقليد الغرب، وإنما يدرس الأسس الفكرية لكل منهما، ثم يبحث عن إمكان الحوار بينهما. ويقوم هذا العمل على المقارنة والتحليل، لا على إصدار الأحكام المسبقة، لأن المجتمعات التي تواجه أسئلة الحداثة تحتاج إلى معرفة دقيقة قبل اتخاذ المواقف. ولم يغفل الجانب الاقتصادي في الفكر الإسلامي، فدرس قضايا الاقتصاد الإسلامي من زاوية علمية، وربطها بالواقع الاجتماعي. فالاقتصاد لا ينفصل عن القيم، كما أن القيم لا تنجح إذا تجاهلت حركة المجتمع ومصالح الناس. ومن هنا جاءت معالجته لهذا المجال ضمن رؤية أوسع تجمع بين الفقه والاقتصاد والسياسة. كما اهتم بالدراسات اللغوية القرآنية، لأن اللغة تمثل المدخل الأول لفهم النص. فالمعنى يتغير بتغير الدلالة، والسياق يؤثر في الفهم، والقراءة الدقيقة تبدأ من تحليل الألفاظ والتراكيب قبل الانتقال إلى النتائج الفكرية. ولهذا جاءت دراساته اللغوية مرتبطة بالسؤال المعرفي، لا بالسؤال اللغوي وحده. ويلاحظ القارئ في مجمل أعماله حضور المنهج المقارن. فهو يقارن بين المدارس الفكرية، وبين التجارب الدينية، وبين المناهج القانونية، وبين الاتجاهات الفلسفية. وهذا المنهج يوسع دائرة الرؤية، لأنه يمنع الباحث من الاكتفاء بنموذج واحد، ويدفعه إلى اختبار الأفكار في ضوء تجارب متعددة.
وقد أسهمت خبرته الأكاديمية الطويلة في إعداد أعداد كبيرة من طلبة الدراسات العليا، والإشراف على الرسائل الجامعية، والمشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية. وهذه الأعمال لا تحظى بالشهرة التي تحظى بها الكتب، لكنها تؤدي دوراً عميقاً في تكوين الباحثين، وفي نقل الخبرة من جيل إلى آخر. وتبرز في شخصيته العلمية سمة الجمع بين الإدارة والبحث. فكثير من الأكاديميين يتجهون إلى الإدارة فيبتعدون عن التأليف، أو ينصرفون إلى البحث فيبتعدون عن العمل المؤسسي. أما هو فحاول أن يحافظ على التوازن بين المجالين، فاستمر في الكتابة مع استمرار مسؤولياته الإدارية، واستمر في الإشراف العلمي مع مشاركته في إدارة المؤسسات. وتكشف تجربته أيضاً عن أهمية التخصص المتعدد في معالجة القضايا الفكرية. فالمشكلات التي تواجه المجتمعات لا تخضع لتفسير واحد، بل تحتاج إلى القانون والتاريخ والفلسفة والدين والاجتماع. وعندما يمتلك الباحث أدوات من أكثر من حقل معرفي، يصبح أقدر على قراءة الظواهر قراءة شاملة. ولا يقتصر أثر هذا النوع من العلماء على جيلهم، لأن الكتاب يبقى بعد صاحبه، والطالب ينقل ما تعلمه إلى طلاب آخرين، والمؤسسة تستمر بما وضع فيها من تقاليد علمية. وهكذا يتحول الجهد الفردي إلى أثر جماعي يتجاوز حدود الزمن. إن تجربة الدكتور عبد الأمير كاظم صالح زاهد تقدم نموذجاً للباحث الذي جعل المعرفة محور حياته، وربط بين الجامعة ومؤسسات الدولة ومراكز الفكر، وترك رصيداً واسعاً من المؤلفات في القانون والدين والفلسفة والفكر الإسلامي. وهذا الرصيد يمنح الباحثين مادة غنية للحوار والنقد والبناء، لأن قيمة الكتاب لا تقاس بعدد صفحاته، بل بقدرته على إنتاج أسئلة جديدة، وإعادة النظر في الأفكار السائدة، وتوسيع أفق البحث العلمي.
#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟