أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي محمود فهمي















المزيد.....

دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي محمود فهمي


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 12:14
المحور: الادب والفن
    


ليست اللوحة التشكيلية فضاءً للألوان والخطوط فحسب، بل هي منظومة من العلامات التي تتبادل الأدوار فيما بينها لتنتج معنى يتجاوز حدود الشكل المرئي. فاللون لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، والخط لا يرسم حدود الأشياء وحدها، بل يتحول كل عنصر إلى علامة ثقافية ونفسية واجتماعية تحمل رسالة كامنة. ومن هنا جاءت السيميولوجيا، بوصفها علم العلامات، لتمنح النقد التشكيلي أداة مختلفة، تنقل اللوحة من مستوى المشاهدة إلى مستوى القراءة، ومن الانطباع إلى التأويل. وتعد هذه اللوحة للفنان العراقي العالمي محمود فهمي نموذجاً بالغ الثراء لهذا النوع من القراءة. فهي لا تعرض فتاة عراقية تجلس في فناء منزل ريفي أو شعبي، وإنما تنسج خطاباً بصرياً كاملاً عن السكينة، والهوية، والذاكرة، والعلاقة العضوية بين الإنسان والمكان. ولعل أجمل عنوان يمكن أن يمنح لهذه اللوحة هو "دنفش في طمأنينتها"، لأن كلمة "دنفش" في الوجدان العراقي لا تعني مجرد الاستراحة، بل تشير إلى لحظة نادرة يستعيد فيها الإنسان توازنه الداخلي بعيداً عن صخب العالم، وكأن الزمن يتوقف قليلاً ليترك للروح فرصة أن تتنفس. ولا تكمن عبقرية محمود فهمي في رسم فتاة جميلة داخل حديقة، بل في تحويل كل عنصر داخل اللوحة إلى علامة سيميائية تؤدي وظيفة محددة داخل النص البصري، حتى تصبح اللوحة أشبه بقصيدة صامتة لا تُقرأ بالكلمات، وإنما بالعلامات.
حين تتحول العلامات إلى لغة صامتة
تنطلق السيميولوجيا من أن الصورة ليست انعكاساً للواقع، وإنما بناء رمزي ينتج معناه عبر العلاقات بين العلامات. وهذا ما يتجسد بوضوح في هذه اللوحة. فالفتاة ليست مركز اللوحة لأنها أكبر العناصر حجماً، بل لأنها تمثل العقدة التي تنتظم حولها بقية العلامات. يجلس الجسد في وضعية استرخاء كاملة، لكنه لا يغرق في الكسل، بل يحتفظ بيقظة داخلية تظهر في اتجاه الرأس، وفي العينين اللتين تنظران إلى خارج حدود اللوحة. هنا يتخلى الفنان عن السرد المباشر، فلا يخبرنا ماذا ترى الفتاة، ولا لماذا تنظر إلى هناك. إنه يترك الفراغ خارج اللوحة جزءاً من العمل نفسه، فيتحول الغائب إلى عنصر دلالي لا يقل أهمية عن الحاضر. ومن الناحية السيميولوجية، فإن هذا النوع من التكوين يفتح باب "الدلالة المفتوحة". فكل مشاهد سيملأ هذا الفراغ بخبرته الخاصة، ولذلك لا توجد قراءة واحدة للوحة، بل تتعدد القراءات بتعدد الذوات التي تتأملها. أما الكتاب الذي تستقر عليه يداها، فهو أيضاً يفقد وظيفته التقليدية. فالكتاب هنا لا يُقرأ، وإنما يُحتضن. إنه علامة على المعرفة، لكن المعرفة في لحظة سكونها، لا في لحظة إنتاجها. وكأن الفنان يريد القول إن التفكير يبدأ أحياناً بعد أن نغلق الكتب، لا أثناء قراءتها. ويأتي الكرسي الأزرق ليؤدي وظيفة تتجاوز كونه قطعة أثاث. فالأزرق في الثقافة البصرية لون الطمأنينة والاتزان والصفاء، ولذلك يتحول الكرسي إلى منصة للتوازن النفسي، بينما تتحول الجالسة عليه إلى محور تدور حوله بقية العلامات. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو أن الفنان لا يرسم أي حركة درامية داخل اللوحة. فلا توجد ريح، ولا انفعال، ولا حدث، ولا صراع. وهذا الغياب ليس نقصاً، بل هو المقصود بعينه، لأن السكون نفسه يصبح الحدث الرئيسي. هكذا تتحول اللوحة إلى نص عن الطمأنينة، لا عن الجمال وحده.
جماليات المكان وتقنيات محمود فهمي في صناعة الدلالة
تكشف هذه اللوحة عن المستوى التقني الرفيع الذي يميز تجربة محمود فهمي، وهي تجربة استطاعت أن تمزج بين الواقعية الأكاديمية والانطباعية اللونية دون أن تقع في أسر أي منهما. فاللوحة تقوم على بناء بصري شديد التوازن. ويظهر ذلك في توزيع الكتل اللونية بحيث لا يشعر المشاهد بأي ازدحام رغم كثافة التفاصيل. فالكروم تمتد من الجانبين، لكنها لا تخنق الشخصية، والبيت يحتل الخلفية دون أن يفرض سلطته، فيما تتوزع الأرضية الملونة كأنها رقعة موسيقية تقود العين تدريجياً نحو مركز اللوحة. ويستخدم الفنان الضوء بطريقة تكاد تكون سينمائية. فلا يوجد مصدر ضوء مباشر، وإنما تتسلل الإضاءة بين الأوراق لتترك بقعاً مضيئة على الأرضية والوجه والثوب. وهنا يقترب من تقنية الانطباعيين، لكن دون أن يذيب الشكل داخل اللون، بل يحافظ على صرامة الرسم الأكاديمي.
أما اللون، فهو الشخصية الثانية في اللوحة. فالخضرة ليست خضرة واحدة، وإنما عشرات الدرجات اللونية التي تمنح النبات حياة مستقلة. والأرضية لا تكتفي بالألوان الترابية، بل تستضيف الأزرق والأخضر والأحمر والبني، لتتحول إلى فسيفساء تعكس تنوع الحياة نفسها. ويظهر إتقان محمود فهمي في قدرته على تحقيق ما يسميه نقاد الفن "التناغم اللوني المركب". فلا يوجد لون يصرخ على حساب الآخر، بل تعمل جميعها ضمن أوركسترا هادئة، تتقدم فيها الألوان ثم تتراجع دون أن تفقد وحدتها. أما الثوب المزهر، فهو ليس مجرد اختيار جمالي، وإنما استمرار للطبيعة المحيطة. فالزهور المرسومة على القماش تكرر الزهور المنتشرة في الحديقة، وبذلك يذيب الفنان الحدود بين الإنسان والطبيعة. وكأن الفتاة لم تدخل الحديقة، بل خرجت منها. حتى القط المستلقي في الخلفية يؤدي وظيفة سيميولوجية دقيقة. فهو لا ينظر إلى المشاهد، ولا إلى الفتاة، بل يستسلم هو الآخر لحالة الطمأنينة العامة. وبذلك يصبح الحيوان شاهداً على سلام المكان، لا مجرد عنصر زخرفي. ومن الناحية التقنية أيضاً، يلفت الانتباه تمكن الفنان من رسم النباتات بأدق تفاصيلها دون أن تتحول اللوحة إلى دراسة نباتية. فكل ورقة تؤدي دورها داخل الإيقاع العام، دون أن تنافس العنصر الإنساني. وهذه القدرة على ضبط التفاصيل من أبرز خصائص المدرسة الواقعية الرفيعة التي ينتمي إليها محمود فهمي.
"دنفش" بوصفها فلسفة عراقية للسكينة
ربما تبدو كلمة "دنفش" كلمة شعبية بسيطة، لكنها تحمل في الثقافة العراقية حمولة دلالية عميقة. فهي لا تشير إلى الفراغ، ولا إلى الكسل، وإنما إلى لحظة يتوقف فيها الإنسان عن الركض خلف الزمن، ليستعيد انسجامه مع ذاته. ولهذا يبدو العنوان أكثر من مجرد تسمية للوحة. إنه مفتاح لقراءتها. فالفتاة لا تنتظر أحداً. ولا تهرب من شيء. ولا تستعرض جمالها. إنها فقط تمارس حقها في السكينة. وهذا ما يجعل اللوحة تقاوم الإيقاع المعاصر الذي يربط قيمة الإنسان بسرعة الإنجاز وكثرة الحركة. فالفنان يعيد الاعتبار إلى لحظة التأمل، ويمنحها شرعية جمالية كاملة. ومن هنا تتحول الحديقة إلى أكثر من مكان. إنها صورة مصغرة للعالم حين يعود إلى توازنه الطبيعي. البيت ليس سجناً. والطبيعة ليست ديكوراً. والكتاب ليس واجباً معرفياً. والقط ليس حيواناً منزلياً فقط. بل إن جميع هذه العناصر تدخل في شبكة دلالية واحدة عنوانها الطمأنينة. وتكشف القراءة السيميولوجية أن الفنان لم يرسم فتاة عراقية بعينها، بل رسم نموذجاً ثقافياً للإنسان الذي لا يزال قادراً على بناء علاقة صحية مع المكان والزمن والطبيعة. ولذلك تخلو اللوحة من كل رموز الاستهلاك الحديثة. فلا هاتف، ولا شاشة، ولا سيارة، ولا ضوضاء، ولا ازدحام بصري. إن الزمن هنا زمن إنساني، لا زمن إلكتروني. وهذه المفارقة تمنح العمل بعداً فلسفياً يتجاوز محليته العراقية، ليصبح خطاباً عالمياً عن الحاجة الإنسانية إلى السكينة.
إن محمود فهمي لا يقدم في هذه اللوحة مهارة تقنية فحسب، على الرغم من أنها تبلغ مستوى رفيعاً من الاحتراف، بل يقدم رؤية فكرية متكاملة. فهو يستخدم الواقعية بوصفها لغة، لا غاية. ويوظف اللون بوصفه دلالة، لا زينة. ويجعل الضوء وسيلة لبناء الإحساس، لا مجرد عنصر إضاءة. لذلك لا يشعر المتلقي أنه يشاهد لوحة، بل يعيش داخلها. وهذا هو جوهر الفن الكبير. إنه لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد بناءه بحيث يصبح أكثر قدرة على التعبير عن الإنسان. وفي هذه اللوحة ينجح محمود فهمي في أن يجعل الطمأنينة مرئية، وأن يمنح السكون شكلاً، وأن يحول لحظة عراقية يومية بسيطة إلى خطاب بصري عالمي، تتآلف فيه العلامات، وتتواشج الدلالات، حتى تغدو "الدنفشة" ليست مجرد جلسة هادئة، بل فلسفة حياة تؤمن بأن الإنسان لا يكتمل بما ينجزه وحده، وإنما بما يمنحه لنفسه من لحظات يصغي فيها إلى صمت العالم، ويصالح فيها روحه مع المكان والزمن. وفي هذا تكمن القيمة الجمالية والسيميولوجية العميقة لهذه اللوحة، التي استطاعت أن تجعل من السكون لغة، ومن اللون معنى، ومن الطمأنينة أيقونة بصرية تستحق أن تبقى في ذاكرة الفن العراقي المعاصر.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع
- الشاعر فرج الحطاب؛ كرامة الهامش
- الجنة بوصفها معرفة: قراءة إبستمولوجية في تشكّل الأمل الديني
- من عزلة الكائن إلى يقين المعنى: قراءة معرفية في قصيدة سلام ا ...
- صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا
- الدولة بوصفها شركة التعاقد الجائر مع الدولة لا يمكن أن تكون ...
- الناي الذي بكى على العراق شوقي كريم حسن وثقافة لا تُباع في س ...
- حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي
- حين يغيب حرّاس الذاكرة مناشدة إلى عماد مجيد المولى الذي ترك ...
- إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص
- نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الرو ...
- الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفة ...
- في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور ...
- المؤرخ خالد السعدون يرثي وطنًا ضاق بالعقل واتسع للطائفة
- حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى
- في سيرة الأستاذ الدكتور طالب محيبس الوائلي وأثره في صناعة ال ...


المزيد.....




- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...
- اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
- وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال ...
- ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية
- افتتاح متحف تفاعلي للرسوم المتحركة في استوديو -سويوزمولتفيلم ...
- اكتشاف أكثر من 140 ألف قطعة أثرية في موسكو خلال 15 عاما


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي محمود فهمي