أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق















المزيد.....

دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 18:56
المحور: الادب والفن
    


لم تكن دنيا ميخائيل من الشعراء الذين كتبوا عن العراق من نافذة الذكرى، بل كانت من القلة التي حملت العراق معها حيثما ارتحلت، حتى صار الوطن عندها فعلا لغويا، لا رقعة جغرافية. خرجت من بغداد، ولم تخرج بغداد من لغتها. غادرت المكان، وبقيت أسيرة الأزمنة التي صنعتها الحروب، وصاغتها المنافي، وأعادتها القصائد في كل مرة إلى المدينة الأولى. يا هذا، إن الناس يظنون أن المنفى طريق، وهو عند أهل البصيرة امتحان. يظنون أنه انتقال من أرض إلى أرض، وهو انتقال من يقين إلى سؤال، ومن بيت إلى ذاكرة، ومن جواز سفر إلى هوية تبحث كل صباح عن اسمها. فإذا رأيت شاعرة تحمل لغتين، فلا تظنن أنها قسمت قلبها بينهما، بل جمعت بهما جرحا واحدا، وصوتا واحدا، وحنينا لا يقبل القسمة. ولدت دنيا ميخائيل في الكرادة التي عرفت وجوه الناس قبل أن تعرف الحواجز، وعرفت أصوات الباعة قبل أصوات المدافع. نشأت في أسرة كلدانية كاثوليكية، وتخرجت في جامعة بغداد، ثم دخلت ميدان الصحافة، وعملت في القسم الأدبي لصحيفة بغداد أوبزرفر. وهناك عرفت الكلمة وجهها الآخر، حين تصبح مراقبة، وحين يحاسب الكاتب على الصمت كما يحاسب على الكلام.
لم تكن الكتابة عندها مهنة، بل مسؤولية. ولم تكن القصيدة زينة لغوية، بل وسيلة للدفاع عن الإنسان حين تضيق به السياسة، ويخذله التاريخ، ويتركه الجميع في منتصف الطريق. لهذا اصطدمت مبكرا بجدار الرقابة، لأن السلطة تخشى الكلمة التي لا تستأذن، أكثر مما تخشى السلاح الذي تعلن عنه. ثم جاء الرحيل. خرجت من العراق سنة ألف وتسعمئة وخمس وتسعين، إلى الأردن أولا، ثم إلى الولايات المتحدة. وهناك بدأت رحلة أخرى. لم تبدأ حياة جديدة كما يقال، بل بدأت مفاوضة طويلة مع الذاكرة. فالمنفى لا يمنح الإنسان حياة أخرى، بل يطالبه أن يعيش حياته الأولى مرة ثانية، ولكن من بعيد. يا هذا، الغريب ليس من ابتعد عن وطنه، بل من حمل وطنه حتى أثقل ظهره. الغريب من جلس بين قوم يبتسمون، فسمع في ضحكاتهم بكاء مدينته. الغريب من تعلم لغة جديدة، فلم يجد فيها كلمة تعوضه عن كلمة "أمي". الغريب من صار الناس يعدونه ناجحا، وهو يعد الأيام التي خسرها في الطريق.
دخلت دنيا ميخائيل جامعة وين ستيت، ودرست دراسات الشرق الأدنى، ثم حصلت على درجة الماجستير. لكنها لم تترك الشعر على أبواب الجامعة، ولم تستبدل القصيدة بالمحاضرة. ظلت الكتابة بيتها الأول، لأنها كانت تعرف أن الشهادات تمنح صاحبها مهنة، أما القصيدة فتعطيه مصيرا. نالت سنة ألفين وواحد جائزة الأمم المتحدة لحرية الكتابة، ولم تكن الجائزة مكافأة على براعة لغوية، بل اعترافا بأن الكلمة تستطيع أن تدافع عن الكرامة الإنسانية حين يعجز القانون، وأن تحفظ ذاكرة الضحايا حين ينشغل المؤرخون بإحصاء المنتصرين. ولم تقف عند حدود الشعر العربي، بل كتبت بالعربية والإنجليزية، وترجمت أعمالها، وترجمت هي نفسها بعض نصوصها، لأن اللغة عندها لم تكن سجنا، بل جسرا. وكانت تقول إن قابلية الشعر للترجمة دليل على أن الإنسان أوسع من لغته، وأن المشاعر الصادقة تجد طريقها إلى القلوب مهما اختلفت الأبجدية. ومن يقرأ شعرها، لا يجد ضجيجا خطابيا، ولا شعارات سياسية، بل يجد إنسانا يبحث عن الإنسان. الحرب عندها لا تظهر في صور الدبابات، بل في الكرسي الفارغ، والنافذة المغلقة، والرسالة التي لم تصل، والبيت الذي فقد أسماء ساكنيه. لهذا جاء ديوانها "الحرب تعمل بجد" من أكثر الأعمال تأثيرا في الشعر العراقي الحديث. لقد قلبت العبارة المألوفة، فجعلت الحرب عاملا لا يكل، ينتج اليتم، والترمل، والنزوح، والخوف، والقبور. لم تمدح البطولة، ولم تحتفل بالموت، بل أعادت الإنسان إلى مركز الحكاية.
يا هذا، ما أشد اجتهاد الحرب، وما أقل تعبها. تعمل في الليل والنهار، ولا تطلب أجرا، ولا تعرف عطلة، ولا تفرق بين بيت وفقير، ولا بين طفل وشيخ. فإذا فرغت من مدينة، قصدت أخرى، وإذا شاخت بندقية، ولدت بندقية، وإذا مات قاتل، ورثه قاتل. ولذلك وجدت قصائدها صدى واسعا خارج العراق. ترجمت إلى لغات كثيرة، وقرئت في جامعات ومنتديات أدبية، لأنها لم تكتب عن مأساة محلية، بل عن التجربة الإنسانية حين تواجه العنف، والخوف، والاقتلاع. ثم أصدرت "الليالي العراقية"، فكتبت العراق بطريقة مختلفة. لم تكتب تاريخ الحكام، بل تاريخ الناس. لم تجعل الليل زمنا للنوم، بل زمنا لاستعادة الأصوات التي اختفت. وكانت الليالي عندها تحفظ ما يضيعه النهار، لأن الذاكرة تعمل حين يسكت الضجيج. وجاء كتاب "في سوق السبايا" ليؤكد انتقالها من الشعر إلى السرد الوثائقي، دون أن تفقد حسها الشعري. تناولت فيه مأساة النساء الإيزيديات اللواتي اختطفهن تنظيم داعش، لكنها لم تحولهن إلى أرقام. أعادت لكل واحدة اسمها، وصوتها، وقصتها، وكرامتها. ولهذا بلغ الكتاب قوائم الجوائز العالمية، لأنه لم يكتب عن الضحية بوصفها خبرا، بل بوصفها إنسانا.
يا هذا، أشد ما يؤلم الإنسان أن يفقد اسمه. فإذا صار رقما، ضاع وجهه. وإذا صار خبرا، ضاع تاريخه. وإذا صار عنوانا صحفيا، ضاع صوته. أما الكاتب، فإن أول واجباته أن يعيد الاسم إلى صاحبه، والوجه إلى صورته، والكرامة إلى صاحبها. ولم تتوقف عند ذلك، بل كتبت رواية "وشم الطائر". وهناك بدا أثر الشعر واضحا في بناء السرد، كما اعترفت هي نفسها. فقد حملت الرواية المجاز، والمفارقة، والإيقاع، دون أن تضحي بالحكاية. ولهذا وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية. وتستحق تجربتها في الترجمة وقفة خاصة. فقد أثبتت أن الكاتب العربي لا ينتظر من يقدمه إلى الآخر، بل يستطيع أن يشارك بنفسه في بناء هذا الجسر. وهنا تتجاوز الترجمة نقل الكلمات، لتصبح نقلا للخبرة الإنسانية، وللذاكرة العراقية، ولصوت المرأة العربية. أما حضورها في الولايات المتحدة، فلم يجعلها تنفصل عن العراق. أسست مع آخرين منتدى ما بين النهرين للفنون والثقافة في ميشيغان، وعملت محاضرة للغة العربية في جامعة أوكلاند. وهكذا جمعت بين التدريس، والبحث، والكتابة، والعمل الثقافي.
يا هذا، من الناس من يهاجر بجسده، ويبقى قلبه في الطريق. ومنهم من يهاجر بقلبه، ويبقى جسده في وطنه. أما دنيا ميخائيل، فقد حملت قلبها ولغتها معا، حتى صار الوطن يسافر معها، لا هي التي تسافر عنه. إن القيمة الكبرى في تجربتها لا تكمن في عدد الجوائز، ولا في كثرة الترجمات، ولا في انتشار الكتب، بل في قدرتها على الحفاظ على صوتها الخاص. كثير من الأدباء يغيرون لغتهم حين يغيرون أوطانهم، أما هي فقد حافظت على نبرة عراقية هادئة، ترى الإنسان قبل الأيديولوجيا، والذاكرة قبل السياسة، والكرامة قبل الشعارات. ولهذا تبدو تجربتها واحدة من أهم التجارب الأدبية العراقية المعاصرة. فهي لم تجعل المنفى مناسبة للبكاء، ولم تجعل الوطن مادة للحنين المجاني، ولم تحول الشعر إلى بيان سياسي. كتبت الإنسان، فحضر العراق. وكتبت المرأة، فحضرت الحرية. وكتبت الغياب، فصار الحضور أكثر وضوحا. يا هذا، إذا أردت أن تعرف قيمة شاعر، فلا تسأل عن عدد قصائده، بل اسأل كم إنسانا بقي بعد أن أغلق الكتاب وهو يشعر أن حياته اتسعت. ولا تسأل عن عدد اللغات التي ترجمت إليها أعماله، بل اسأل كم قلبا وجد نفسه فيها. ولا تسأل عن عدد الجوائز، فإن الجوائز تنتهي، أما الكلمة الصادقة فتبدأ حياتها حين يفرغ الناس من التصفيق. وهكذا تمضي دنيا ميخائيل في تجربتها، شاعرة، وروائية، ومترجمة، وشاهدة على زمن عراقي ثقيل. لم تكتب لتؤرخ الحروب، بل كتبت كي لا يضيع الإنسان تحت ركامها. ولم تبحث عن شهرة، بل عن معنى. ولم تطلب أن تكون صوت جيل، بل أن تبقى وفية لصوتها. وتلك منزلة لا يبلغها إلا من عرف أن الأدب لا يقاس بما يقال عنه، بل بما يبقى منه في ضمير القارئ بعد سنوات طويلة.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي م ...
- عبد الأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع
- الشاعر فرج الحطاب؛ كرامة الهامش
- الجنة بوصفها معرفة: قراءة إبستمولوجية في تشكّل الأمل الديني
- من عزلة الكائن إلى يقين المعنى: قراءة معرفية في قصيدة سلام ا ...
- صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا
- الدولة بوصفها شركة التعاقد الجائر مع الدولة لا يمكن أن تكون ...
- الناي الذي بكى على العراق شوقي كريم حسن وثقافة لا تُباع في س ...
- حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي
- حين يغيب حرّاس الذاكرة مناشدة إلى عماد مجيد المولى الذي ترك ...
- إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص
- نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الرو ...
- الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفة ...
- في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور ...
- المؤرخ خالد السعدون يرثي وطنًا ضاق بالعقل واتسع للطائفة
- حسن عبد راضي؛ بين حرفة الكلمة وسلطة المعنى


المزيد.....




- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...
- فنان مصري يعلن وفاة زوجه ويتفاجئ عقب توجه للمستشفى
- في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن ا ...
- الممثل والناشط داني غلوفر يعلن إصابته بمرض الزهايمر
- حديقة -سوكولنيكي- في موسكو تستضيف مهرجان -فولكوفو- للأسلوب ا ...
- افتتاح وجهتين ترفيهيتين جديدتين لعشاق الألعاب الجريئة في منت ...
- انطلاق فعاليات مهرجان -اللوحة الروسية المغربية- للفنون التشك ...
- دار أزياء تواصل ترجمة الهوية السعودية بلغة الموضة العالمية


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق