أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إسماعيل نوري الربيعي - الرابع عشر من تموز... حين يتحول السؤال الخاطئ إلى معركة لا تنتهي















المزيد.....

الرابع عشر من تموز... حين يتحول السؤال الخاطئ إلى معركة لا تنتهي


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 19:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كلما اقترب الرابع عشر من تموز، عاد العراق إلى السؤال نفسه، وكأنه لم ينجح طوال ثمانية وستين عامًا في الاقتراب من جوابٍ يرضي الجميع: هل كان ما جرى ثورة أم انقلابًا؟ والمفارقة أن هذا السؤال، على أهميته، ربما يكون السؤال الخطأ. فالمشكلة لا تكمن في التسمية بقدر ما تكمن في الطريقة التي نعرف بها التاريخ، والطريقة التي نستخدم بها الذاكرة لصناعة الأحكام. وقد أشارت السيدة نعيمة العسكري، شقيقة مؤسس الجيش العراقي الفريق الركن جعفر العسكري، وزوجة نوري السعيد، هذا الجدل إلى الواجهة من خلال نص مؤثر يروي جانبًا من الأيام الأخيرة للنظام الملكي. فهي تستذكر كيف نجا أفراد من عائلة نوري السعيد لأنهم كانوا في لندن، وتتحدث عن برقيات استدعاء عاجلة، وعن شيفرات سرية، لتنتهي إلى نتيجة مفادها أن ما حدث لم يكن سوى مؤامرة أُديرت من وراء الستار. وليس من الصعب تفهم هذه الرواية. فالمرأة فقدت زوجها، وفقدت عالمًا كاملًا كانت تنتمي إليه. ومن الطبيعي أن ترى التاريخ بعين المأساة. لكن المؤرخ لا يستطيع أن يكتفي بالتعاطف، لأن التعاطف شيء، وإنتاج المعرفة شيء آخر.
إن أول درس يقدمه التفكير النقدي هو أن الشهادة الشخصية ليست الحقيقة الكاملة، مهما بلغت مكانة صاحبها. فهي تكشف كيف رأى الإنسان الحدث، لكنها لا تكشف بالضرورة كيف وقع الحدث بكل أبعاده. فالذاكرة تنتقي، والعاطفة تعيد ترتيب الوقائع، والزمن يضيف إلى الأحداث معاني لم تكن موجودة لحظة وقوعها. من هنا لا ينبغي التعامل مع شهادة نعيمة العسكري بوصفها وثيقة إدانة نهائية، ولا بوصفها مجرد رواية عائلية يمكن إهمالها، بل بوصفها قطعة مهمة من فسيفساء الذاكرة العراقية، تحتاج إلى أن توضع بجانب عشرات الشهادات والوثائق الأخرى، لا فوقها. بعد ذلك يبرز السؤال الذي شطر العراقيين إلى معسكرين: هل كان الرابع عشر من تموز انقلابًا؟ إذا أردنا الإجابة بلغة القانون العسكري، فالجواب نعم. فالسلطة انتقلت بقوة السلاح، ونفذ العملية ضباط الجيش. لكن إذا انتقلنا إلى علم الاجتماع السياسي، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فالحدث لم يقتصر على استبدال حكومة بأخرى، بل أطاح النظام الملكي، وأعلن الجمهورية، وغيّر بنية الدولة، وأعاد توزيع الأراضي، وأدخل إصلاحات اجتماعية وسياسية عميقة. وهذه كلها سمات ترتبط بالثورات أكثر مما ترتبط بالانقلابات التقليدية.
لذلك فإن الإصرار على أحد الوصفين فقط يبدو أقرب إلى الموقف السياسي منه إلى التحليل التاريخي. فالحدث كان انقلابًا من حيث وسيلته، لكنه أطلق عملية تغيير اجتماعي جعلته يحمل كثيرًا من خصائص الثورة. والتاريخ مليء بأحداث يصعب احتجازها داخل تعريف واحد. لكن القضية الأهم ليست هنا. القضية أن العراقيين اعتادوا قراءة تاريخهم كما لو أنه محكمة، لا مختبر. كل فريق يبحث عن أدلة لإدانة خصمه، لا عن وسائل لفهم ما جرى. ولهذا تتحول الوثيقة إلى سلاح، والشهادة إلى بيان سياسي، والصورة إلى وسيلة تعبئة، بينما يختفي السؤال العلمي: هل تكفي هذه الأدلة لإثبات ما نريد إثباته؟ النص الذي بين أيدينا يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فهو يربط بين البرقيات السرية، والشيفرات، واستدعاء نوري السعيد والوصي عبد الإله، ثم يقفز مباشرة إلى نتيجة تقول إن بريطانيا كانت تدير الانقلاب. قد يكون هذا الاحتمال واردًا، وقد تكون بعض عناصره صحيحة، لكن المنهج التاريخي يرفض القفز من القرينة إلى اليقين. فالبرقية ليست دليلًا على التخطيط، كما أن وجود مصالح بريطانية في العراق لا يعني تلقائيًا أنها صنعت كل ما جرى. فالدول الكبرى تتدخل حيث تجد بيئة داخلية قابلة للاختراق، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة التاريخ إذا كانت المؤسسات متماسكة والمجتمع مستقرًا.
ولو كان النظام الملكي يتمتع بإجماع وطني واسع، لما تمكن بضعة ضباط من إسقاطه خلال ساعات. ولو لم تكن هناك أزمة سياسية واجتماعية حقيقية، لما خرجت قطاعات واسعة تؤيد النظام الجديد في أيامه الأولى. وهذا لا ينفي لاحقًا ما ارتكبته السلطة الجديدة من أخطاء جسيمة، ولا يبرر المجازر التي رافقت سقوط الملكية، لكنه يضع الأمور في سياقها الطبيعي. وهنا تكمن المشكلة الكبرى في الذاكرة العراقية. فنحن لا نزال نقرأ الماضي بعقل المنتصر أو المهزوم، لا بعقل الباحث. أنصار الملكية يرون في الرابع عشر من تموز بداية الخراب، وأنصار الجمهورية يرونه يوم الخلاص الوطني. والحقيقة التاريخية أكثر تركيبًا من الروايتين معًا. لقد امتلك العهد الملكي إنجازات لا يمكن إنكارها. فقد بنى مؤسسات الدولة، وأسهم في تطوير التعليم والإدارة والاقتصاد، وأطلق مجلس الإعمار مشاريع استراتيجية ما زالت آثار بعضها قائمة حتى اليوم. لكنه في المقابل أخفق في معالجة التفاوت الاجتماعي، وفشل في استيعاب التحولات السياسية التي اجتاحت المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، وترك فجوة تتسع بين السلطة والمجتمع. كما أن الجمهورية الأولى حملت مشروعًا وطنيًا واعدًا، لكنها دشنت، من حيث لم تُرد ربما، تقليدًا خطيرًا تمثل في جعل المؤسسة العسكرية بوابة الوصول إلى السلطة. ومنذ تلك اللحظة دخل العراق في سلسلة طويلة من الانقلابات والصراعات، حتى أصبح تداول السلطة يتم عبر الدبابة أكثر مما يتم عبر السياسة. ولهذا فإن اختزال الرابع عشر من تموز في كونه خيرًا مطلقًا أو شرًا مطلقًا لا يساعد على فهم التاريخ، بل يكرس الانقسام حوله.
إن الأمم الناضجة لا تبحث في الماضي عن أبطال وشياطين، بل عن أسباب النجاح والفشل. وهي لا تحاكم أسلافها بعواطفها، وإنما تحاكم أفكارهم وسياساتهم ونتائج أفعالهم. وربما آن الأوان لأن يتحرر العراقيون من أسر السؤال التقليدي: ثورة أم انقلاب؟ فالأكثر أهمية أن نسأل: لماذا وصل العراق أصلًا إلى لحظة أصبح فيها إسقاط نظام حكم كامل ممكنًا خلال ساعات؟ ولماذا تحولت السياسة إلى عنف؟ ولماذا أخفقت النخب جميعها، الملكية والجمهورية على السواء، في بناء تقاليد دستورية مستقرة؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع معرفة، أما الجدل اللفظي حول التسمية فلن يغير الماضي، ولن يبني المستقبل. لقد علمتنا التجارب أن التاريخ لا يكتب بالشعارات، ولا بالحنين، ولا بالرغبة في الانتقام من الماضي. إنه يكتب بالأدلة، وبالمقارنة بين المصادر، وبالقدرة على الاعتراف بأن كل رواية، مهما بدت مقنعة، تحمل جزءًا من الحقيقة فقط. ولعل أكبر درس يقدمه الرابع عشر من تموز اليوم هو أن الحقيقة التاريخية لا تسكن ذاكرة المنتصر ولا ذاكرة المهزوم وحدهما، بل تولد في المسافة النقدية الفاصلة بينهما. ومن يملك الشجاعة لعبور تلك المسافة، يقترب من فهم العراق أكثر مما تفعله آلاف الشعارات التي ما زالت، حتى اليوم، تخوض معركة انتهت سياسيًا منذ عقود، لكنها لم تنتهِ بعد في الوعي العراقي.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صادق ياسين الحلو، المؤرخ الذي ربى العقول قبل أن يكتب التاريخ
- برفسور عبد الأمير كاظم زاهد، سيرة عقل يبحث عن المعنى
- دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق
- دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي م ...
- عبد الأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع
- الشاعر فرج الحطاب؛ كرامة الهامش
- الجنة بوصفها معرفة: قراءة إبستمولوجية في تشكّل الأمل الديني
- من عزلة الكائن إلى يقين المعنى: قراءة معرفية في قصيدة سلام ا ...
- صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا
- الدولة بوصفها شركة التعاقد الجائر مع الدولة لا يمكن أن تكون ...
- الناي الذي بكى على العراق شوقي كريم حسن وثقافة لا تُباع في س ...
- حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي
- حين يغيب حرّاس الذاكرة مناشدة إلى عماد مجيد المولى الذي ترك ...
- إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص
- نوستالجيا سمير كامل؛ زميل الثانوية الذي كان يمشي بأناقة الرو ...
- الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفة ...


المزيد.....




- هجوم يطال ثلاثة مراكز حدودية للجيش الكويتي ومنصة حفر نفطية
- إيران.. مقتل مسؤول بقطاع الاتصالات في هجمات أمريكية على هرمز ...
- نائب في -البديل من أجل ألمانيا- يحذر: برلين تورط نفسها في أو ...
- احتفالية شعبية لمنتخب مصر بعد جدل بشأن استقباله في مدينة الع ...
- مجلس الشعب السوري الانتقالي يعقد أولى جلساته وينتخب عبد الحم ...
- سوريا.. هجوم مسلح يطال الشركة السورية للبترول ورسائل للعاملي ...
- غوتيريش: يحذر من تصعيد خطير في الخليج ويدعو واشنطن وطهران لل ...
- سفيريدينكو تؤكد مغادرتها لمنصب رئيسة وزراء أوكرانيا
- -نيويورك تايمز-: إسرائيل هاجمت خلال حملة الستة أسابيع مصنعا ...
- ساويرس وعكاشة يثيران الفضول بتدوينة غامضة.. ماذا عن يوم الجم ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إسماعيل نوري الربيعي - الرابع عشر من تموز... حين يتحول السؤال الخاطئ إلى معركة لا تنتهي