أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من الداخل؟















المزيد.....

الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من الداخل؟


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 02:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


انتهت بنا الرحلة السابقة إلى خلاصة قد تبدو في دلالتها الأولى مقلقة؛ وهي أن الإنسان لا يحيى بصوتٍ داخلي واحد، بل تتجاذبه في أعماقه أمواجٌ متلاطمة من "الوسوسة" و"التسويل" و"اللوم". وقد تتعاقب هذه الحالات النفسية المتباينة في غضون يومٍ واحد، بل وربما تتصارع في الموقف الواحد. وأمام هذا التشابك المعقد، يفرض هذا السؤال نفسه بإلحاح: إذا كانت هذه هي الطبيعة المضطربة للنفس البشرية، فهل يكتفي القرآن الكريم بتشخيص أدوائها، أم أنه يمدّ طوق النجاة ويرسم طريقاً عملياً لعلاجها؟

إن هذا السؤال تحديداً هو ما يمنح المقاربة القرآنية فرادتها، ويميزها عن الكثير من الأدبيات التي تبرع في تشريح المشكلة ووصف أعراضها، لكنها تقف عاجزةً عن رسم معالم الخروج من متاهتها.

ولا ريب في أن علم النفس الحديث قد أسدى للبشرية مناهج علاجية حققت اختراقات مهمة في التعامل مع طيف واسع من الاضطرابات النفسية؛ سواء كان ذلك عبر آليات تعديل السلوك، أو إعادة الهيكلة المعرفية وبناء الأفكار، أو العلاج بالاستبصار، وغيرها من المقاربات التي أثبتت نجاعتها في ميادين شتى. وليس من الإنصاف العلمي أو الموضوعية في شيء تجاهل هذه المنجزات الكبرى أو التقليل من قيمتها وأثرها.

غير أن القرآن الكريم يطرق أبواب النفس من مسارٍ مختلفٍ تماماً. فبينما تنطلق معظم المدارس النفسية من ظاهر "السلوك" أو "الفكرة" محاولةً النفاذ منها إلى الداخل، يبدأ القرآن رحلة الشفاء من "الداخل" العميق، جاعلاً من السلوك الخارجي مجرد ثمرة طبيعية لما يعتمل في قاع الوجدان الإنساني. إنه لا يقف عند حدود ترميم الفعل الظاهر، بل يغوص لإصلاح المنبع الأصيل الذي يصدر عنه ذلك الفعل.

وهنا تنعطف بنا الرؤية لنعود إلى التساؤل المحوري الذي ختمنا به مقالنا السابق: إذا كانت النفس تتقلب في كل تلك الأطوار، فمن ذا الذي يراقبها ويضبط إيقاعها؟

في هذه اللحظة الفاصلة، يبرز دور "الفؤاد".
لقد تبيّنا في مقالٍ سابق أن القرآن لا يستخدم مصطلح "الفؤاد" كمرادفٍ لغوي بسيط لـ "القلب"، بل ينتقيه بعناية فائقة في سياقات الإدراك العميق والوعي الباطن. والآن، تتجلى وظيفة هذا المصطلح بوضوح أكبر؛ فالفؤاد ليس مجرد مستقرٍ للمشاعر العابرة، بل هو "جهاز التمييز الداخلي" والرقيب الصارم الذي يمحّص ما تعرضه النفس من رغبات، قبل أن تتبلور وتتحول إلى قرارٍ نافذ.

ولعل هذا المعنى الدقيق هو ما تومئ إليه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. فالقرآن هنا لا يُحمّل الإنسان مسؤولية مدخلاته الحسية من سمع وبصر فحسب، بل يُحمّله المسؤولية الكبرى عن "الكيفية" التي يعالج بها الفؤاد هذه المعطيات في مختبره الداخلي. وحين يعتري الضعفُ هذا الجهاز الحساس، تبدأ النفس في الانزلاق التدريجي من مرحلة "الوسوسة" الطارئة إلى "التسويل" المزيّن، ومنه إلى "الاعتياد"، حتى يغدو الخطأ مألوفاً لا تنكره النفس.

لكن، كيف يستعيد الفؤاد عافيته وقدرته على التمييز؟

يجيبنا النسق القرآني بمفهومٍ مركزي آخر، ألا وهو "البصيرة".
يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. تكشف هذه الآية عن حقيقة وجودية عميقة؛ فالإنسان قد يبرع في حبك الأعذار لإقناع الآخرين، وقد ينجح حيناً في تخدير وعيه وخداع نفسه مؤقتاً، لكنه في قرارة ذاته يبقى مدركاً للحقيقة العارية. من هنا، فإن العلاج القرآني لا ينشغل بزرع معارف جديدة في عقل الإنسان، بقدر ما يسعى إلى تمزيق الحجب الكثيفة التي تعمي بصيرته عن رؤية ما يعرفه بفطرته أصلًا.

وعلى هذا الأساس، يتربع "الذكر" على عرش العملية العلاجية. فالذكر في الرؤية القرآنية يتجاوز كونه مجرد تمتمة بألفاظٍ تُردد، ليصبح عملية "استعادة مستمرة للوعي واليقظة". مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. إن الفارق الجوهري بين إنسانٍ وآخر ليس في عصمة أحدهما من التعرض للوسوسة، بل يكمن في أن الأول تشتعل فيه شرارة "التذكر" عند أول ملامسة للوسواس، بينما يتركها الثاني تتمدد حتى تستحيل تسويلاً، ثم تترجم إلى فعلٍ واقع.

وهذا يقودنا بانسجام تام نحو مفهوم "التقوى".
كثيراً ما تُختزل التقوى في الوعي الجمعي بوصفها حالة من التوجس والخوف المجرد، بينما يطرحها القرآن كطاقةٍ خلاقة تصنع القدرة على التمييز؛ ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. وهذا "الفرقان" ليس تراكماً لمعلومات إضافية، بل هو "بصيرة" تزداد شفافيةً وصفاءً كلما ارتقى الإنسان في درجات التقوى. ولأجل ذلك، قد تجد شخصين يمتلكان ذات الرصيد المعرفي، غير أن أحدهما يبصر من حقائق الأمور ما يعمى عنه الآخر؛ لأن الفارق هنا لا يكمن في سعة المعلومات، بل في نقاء الأداة الباطنية التي تميز بين الخبيث والطيب.

على أن العلاج القرآني لا يتقوقع في دهاليز الباطن، بل يمد جسوره بقوة نحو "الواقع" العملي.
فمفهوم "الإنفاق" - على سبيل المثال - لا يُطرح في النص القرآني كمجرد فضيلة أخلاقية تُزين السلوك، بل كعلاجٍ استئصالي مباشر لداء "الشُّح". فالإنسان لا يتحرر من فوبيا الفقر والخوف على ماله بمجرد أن يلقن نفسه أفكاراً مطمئنة، بل يشفى حقاً حين يقفز إلى خضم التجربة ويُمارس العطاء فعلياً، ليكتشف باليقين العملي أن ما كان يرتعد منه لم يقع.

وكذلك الشأن مع "المجاهدة".
فجذر الكلمة لغوياً يفيض بدلالات بذل الجهد ومكابدة الاستمرارية؛ وكأن القرآن يهمس في روعنا بأن إصلاح النفس ليس قراراً سحرياً يُتخذ في لحظة عابرة، بل هو مشروع عمر بأكمله، يتطلب صبراً ومراجعة دؤوبة. فالوسوسة لا تتلاشى من الوجود نهائياً، والفؤاد لا يستغني يوماً عن حارس اليقظة.

من هذا المنظور المتكامل، ندرك السر البديع في اختزال القرآن لرحلة الوجود الإنساني برمتها في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.
إن "التزكية" هنا ليست حدثاً عابراً يقع لمرة واحدة وينتهي، بل هي "نماءٌ مستمر"، كبرعم نبتةٍ يشتد عودها كلما تعهدها الزارع بالسقيا والرعاية. وفي المقابل الموازي، فإن "التدسية" ليست انهياراً مفاجئاً، بل هي تراكم خفي وبطيء لغبار الغفلة، حتى تُطمس معالم النفس الأصيلة وتُقبر تحت طبقات سميكة من التبرير والعادات المهلكة.

ولعل أبهى ما يتجلى في هذا المنهج القرآني، أنه لا يُسقط عن الإنسان أمانة المسؤولية، وفي ذات الوقت لا يتركه وحيداً أعزل في ساحة المعركة. فهو يعترف بشفافية بضراوة الصراع الداخلي، لكنه يبث فيه روح القدرة على التجاوز والانتصار. جاعلاً من العلاج رحلةً متدرجة، تنطلق شرارتها من يقظة الفؤاد، لتسري في عروق الفكر، وتنعكس في مرآة السلوك، وتضبط إيقاع العلاقة مع الناس، لتتوج أخيراً بسلام العلاقة مع الله.

هنا، تكتمل أبعاد اللوحة التي بدأنا رسم خطوطها العريضة منذ المقال الأول في هذه السلسلة. ليقفز إلى أذهاننا إدراكٌ راسخ بأن الإنسان ليس محض "غرائز" عمياء كما توهم بعض رواد التحليل النفسي، ولا هو مجرد عجينة تشكلها حتمية "البيئة"، ولا هو مجرد آلة حاسبة لـ "أفكار" تتطلب إعادة الهيكلة. إنه، وقبل هذا كله، كائنٌ مكرّم يحمل في أحشائه منظومةً متكاملة وبالغة التعقيد، لا يتحقق شفاؤها بترقيع جزءٍ مبتور منها، بل بإعادة لحمة الانسجام والتناغم بين جميع مكوناتها.

ويبقى السؤال المفتوح الذي يطرق أبواب العقل:
إذا كان القرآن الكريم قد وضع بين أيدينا هذا التصور المتكامل والعميق للنفس البشرية، فهل يمكن لهذا البناء أن يشكل حجر الأساس لـ "نظرية قرآنية معاصرة في علم النفس"؟ نظرية قادرة على الجلوس إلى طاولة الحوار مع العلوم الإنسانية الحديثة بنديّة وتفاعل، تأخذ وتعطي، دون أن تذوب في قوالبها المستوردة، ودون أن تتقوقع في عزلةٍ عن منجزات العصر؟



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- عقوبات أمريكية تطال قيادياً في الإخوان المسلمين و3 أفراد و3 ...
- -من سيدخل الجنة؟-.. ساويرس يرد على سؤال مفاجئ
- في ذكرى القديسة أولغا.. الأميرة التي حكمت بالحديد ومهّدت لول ...
- مصر.. سجال ديني وتوضيح من نجيب ساويرس عن رأيه -بمن سيدخل الج ...
- ناشطة إيرانية لـCNN: الجمهورية الإسلامية تدرك أن شعبها هو نق ...
- ألمانيا: تعديلات حكومية بعد تغيير قيادة الكتلة البرلمانية لل ...
- الكويت تدين قيام حشود من المستوطنين باقتحام المسجد الأقصى
- مندوب فلسطين بالأمم المتحدة: التهجير في القدس يكاد أن يُنجز ...
- تحرك دبلوماسي لثماني دول عربية وإسلامية لمواجهة انتهاكات الا ...
- أدانت اقتحام الأقصى.. 8 دول عربية وإسلامية تطالب بتحرك دولي ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من الداخل؟