أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن - الرحلة الثانية / سبعة مفاتيح لفهم النفس - حين يصبح اللسان العربي مفتاحًا لعلم النفس















المزيد.....

إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن - الرحلة الثانية / سبعة مفاتيح لفهم النفس - حين يصبح اللسان العربي مفتاحًا لعلم النفس


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 23:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ قرون، اعتدنا أن نتحدث عن الإنسان من داخله كما لو أنه يتكون من مجموعة ألفاظ متقاربة: النفس، والروح، والقلب، والعقل، والفؤاد، والصدر، واللب. تتردد هذه الكلمات في الخطب والكتب والوعظ، ثم تمضي من جملة إلى أخرى وكأنها أسماء متعددة لشيء واحد. حتى ترسخ في الأذهان أن اختلافها لا يتجاوز التنويع في التعبير، وأن الانتقال بينها لا يغيّر المعنى.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل يتعامل القرآن معها بهذه الطريقة؟
كان هذا السؤال هو بداية هذه الرحلة.
كلما ازددتُ تتبعًا لاستعمال هذه المصطلحات في القرآن، بدأ يتشكل أمامي انطباع مختلف تمامًا. لم أجد ألفاظًا تتبادل المواقع، بل وجدت نظامًا لغويًا بالغ الدقة، يضع كل كلمة في موضعها، حتى يبدو استبدالها بأخرى إخلالًا ببنية النص نفسها. وإذا صح هذا الفهم، فإننا لا نكون أمام ثراء بلاغي فحسب، بل أمام تصور متكامل للإنسان لم يقرأ بعد بما يستحقه من عناية.
والطريق إلى هذا التصور لا يبدأ من النظريات النفسية الحديثة، ولا من التصورات الفلسفية الموروثة، وإنما يبدأ من حيث أرشد القرآن نفسه؛ من اللسان العربي الذي نزل به. فالقرآن يصف نفسه بأنه ﴿بلسانٍ عربيٍّ مبين﴾، وكأن أول مفاتيح فهمه أن نأخذ ألفاظه على محمل الدقة، لا على افتراض الترادف.
وأول هذه المفاتيح هو النفس.
يشير جذر (ن ف س) في أصول اللغة إلى الامتداد والخروج، كما في التنفس، وإلى النفاسة والقيمة. ويلتقي المعنيان في صورة واحدة؛ ذاتٌ حية تتحرك، وتختار، وتكتسب أفعالها، ثم تتحمل نتائجها. ولهذا لا يقول القرآن: ﴿كل روح بما كسبت رهينة﴾، وإنما يقول: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾. فالنفس هي ساحة الاختيار، وهي موضع المسؤولية، وهي التي تخوض معركة الخير والشر.
لكن الإنسان ليس اختيارًا مجردًا؛ إنه أيضًا كائن يشعر، ويضطرب، ويحترق من الداخل. وهنا يبرز الفؤاد.
فالجذر (ف أ د) يحمل معنى التوقد والحرارة والاحتراق. وليس من المصادفة أن يظهر هذا اللفظ في أكثر اللحظات الإنسانية توترًا وعمقًا؛ ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا﴾، و**﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾**. في هذه المواضع لا يكون الحديث عن إدراك ذهني بارد، وإنما عن تجربة تبلغ أعماق الإنسان حتى تكاد تشتعل في داخله. وكأن الفؤاد هو موطن الإدراك حين يمتزج بالوجدان، فلا يعود الفكر منفصلًا عن الشعور.
ثم تأتي الروح، وهي من أكثر المصطلحات القرآنية إثارة للتأمل.
فالروح، على خلاف النفس، لا تُقدَّم في القرآن باعتبارها موضع التكليف أو الحساب، بل ترتبط دائمًا بالله: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾، ﴿روحٌ من أمرنا﴾. ولهذا يصعب النظر إليها بوصفها مرادفًا للنفس. إنها تبدو سر الحياة الذي لا يملكه الإنسان، والجسر الخفي الذي يربطه بخالقه، ولذلك بقيت من الغيب الذي لم يُكشف للإنسان إلا طرف يسير منه.
أما القلب، فإن اسمه نفسه يكشف وظيفته.
فهو مشتق من التقلب، ولا يكاد القرآن يذكره إلا مقرونًا بالحركة والتحول؛ يخشع ويقسُو، يطمئن ويزيغ، يهتدي ويضل. إنه ليس موضعًا ثابتًا داخل الإنسان، بل مركزًا دائم الحركة، ولذلك كان أكثر ما يحتاج إلى التثبيت والهداية. ولعل في هذا سر الدعاء المتكرر: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾.
ومن القلب ينتقل القرآن إلى مرتبة أعمق هي اللُّب.
فاللب هو خالص الشيء وصفوته، ولهذا لم يخاطب القرآن إلا أولي الألباب حين دعا إلى أعلى مراتب التفكر والتدبر. وكأن الإنسان لا يبلغ هذه المرتبة بمجرد امتلاك المعرفة، وإنما حين يتحرر عقله من ضجيج الأهواء، وينفذ إلى جوهر الحقيقة.
ويبقى الصدر، وهو الفضاء الداخلي الذي يتسع ويضيق قبل أن تظهر آثار ذلك على السلوك.
فالقرآن يتحدث عن شرح الصدر كما يتحدث عن ضيقه، ويصور هذا الاتساع والانقباض باعتبارهما أول استجابة داخلية للهداية أو الإعراض عنها. وكأن الصدر هو المجال الذي تستقبل فيه النفس الأفكار والمشاعر قبل أن تتحول إلى مواقف وقرارات.
أما العقل، فله خصوصية لافتة.
فالقرآن لا يذكر العقل اسمًا، بل يذكره فعلًا: يعقلون، تعقلون، عقلوه. وهذه الملاحظة ليست لغوية فحسب، بل تكاد تحمل دلالة منهجية كاملة. فالعقل، في التصور القرآني، ليس عضوًا مستقلًا داخل الإنسان، وإنما فعل مستمر؛ عملية ربط بين الوقائع، وضبط للاندفاع، ومنع للنفس من الانسياق خلف الهوى أو الوهم. حتى إن أصل الكلمة في العربية يدل على ربط البعير بعقاله، وكأن التعقل هو القدرة على تقييد الانفعال حتى لا يقود صاحبه إلى الضلال.
قد تبدو هذه الفروق لأول وهلة تفاصيل لغوية لا يترتب عليها كثير من النتائج.
غير أن الصورة تتغير جذريًا إذا افترضنا أن القرآن يقصد هذه الفروق كلها.
عندئذٍ لا يعود الإنسان كتلة نفسية واحدة تؤدي جميع الوظائف، بل يصبح بنية متكاملة تتوزع فيها الأدوار؛ فهناك ذات تختار، وموضع يشتعل بالانفعال، وسر للحياة، وقلب يتقلب، ولب يبلغ صفاء الإدراك، وصدر يتسع ويضيق، وعقل يمارس فعل الربط والضبط. إننا ننتقل من صورة مبسطة للإنسان إلى خريطة دقيقة تتكامل فيها الوظائف ولا تتداخل.
ولعل هذا ما يفسر أن هذا الباب، على أهميته، ظل أقل حضورًا مما يستحق.
فعلم النفس الحديث نشأ من مرجعيات معرفية مختلفة، ولم ينطلق من اللغة القرآنية أصلًا، وهذا أمر مفهوم في سياقه التاريخي. أما التراث الإسلامي، فقد انشغل - بحق - بقضايا العقيدة والفقه واللغة والبلاغة والتفسير، وهي علوم أسست لفهم القرآن وأرست قواعد لا يمكن الاستغناء عنها. غير أن بناء نموذج قرآني متكامل للبنية النفسية، ينطلق من التمايز الدقيق بين هذه المصطلحات، لم يكن هو السؤال المركزي الذي شغل معظم تلك الجهود.
وليس المقصود من هذه السلسلة أن تدخل في خصومة مع التراث، ولا أن تزعم اكتشافًا لم يسبق إليه أحد، بل أن تعيد فتح سؤال ربما تأخر كثيرًا:
ماذا لو كان القرآن قد رسم بالفعل خريطة دقيقة للإنسان من داخله، بينما كنا نقرأ مفاتيحها بوصفها ألفاظًا مترادفة؟
ذلك هو السؤال الذي سيقود رحلتنا القادمة، حيث نعود إلى اللحظة الأولى من قصة الإنسان؛ إلى ما قبل الميلاد، وقبل أن تبدأ معركة النفس مع نفسها، لنرى كيف يبدأ القرآن بناء الإنسان قبل أن يبدأ الإنسان بناء عالمه.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- جيش الاحتلال يغلق أبواب المسجد الأقصى بذريعة تنفيذ تدريبات ع ...
- المتحدث باسم الجيش الإيراني: نحن مكلّفون بالثأر لدماء الشهدا ...
- فارس: تنفيذ حكم الإعدام بحق إرهابيَّين من تنظيم داعش، بعد إد ...
- حرس الثورة الإسلامية: الجيش الأمريكي حرض سفنا ودفع بعضها لمح ...
- حرس الثورة الاسلامية: ناقلتا نفط مخالفتان انخدعتا بالتحريض ا ...
- حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا بالصواريخ والمسيّرات مقر الأس ...
- حرس الثورة الاسلامية: التعاون مع العدو سيؤدي إلى تأخير إعادة ...
- حرس الثورة الاسلامية: تم تدمير رادار باتريوت، ورادار التحكم ...
- حرس الثورة الاسلامية: تدمير رادار باتريوت ورادار التحكم الجو ...
- كبير الحاخامات في بريطانيا: قرار الكنيسة بشأن فلسطين محزن لل ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن - الرحلة الثانية / سبعة مفاتيح لفهم النفس - حين يصبح اللسان العربي مفتاحًا لعلم النفس