أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التاريخ المقدس















المزيد.....

الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التاريخ المقدس


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 00:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من أكثر الأفكار رسوخًا في الثقافة الدينية المعاصرة الاعتقاد بأن تاريخ البشرية لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، وأن الأنبياء جميعًا ينتظمون في سلسلة زمنية قصيرة تبدأ بآدم وتنتهي بمحمد، مرورًا بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى. وقد ترسخت هذه الصورة أساسًا بفعل الكرونولوجيا التوراتية التي اعتمدت أنساب الآباء وأعمارهم لبناء تاريخ متصل يمكن حسابه سنةً بعد أخرى، حتى أصبح هذا التصور، مع مرور الزمن، جزءًا من الوعي الإسلامي أيضًا، وكأنه مستمد من القرآن نفسه.
غير أن العودة إلى النص القرآني تثير سؤالًا مختلفًا: هل أراد القرآن أصلًا أن يقدم تاريخًا زمنيًا للأنبياء؟ وهل يمكن استخراج خط كرونولوجي من آياته كما فعلت التوراة؟
اللافت أن القرآن، على امتداد قصصه، لا يقدم أي جدول زمني، ولا يحدد المسافات الفاصلة بين الرسل، ولا يذكر عدد الأجيال التي تفصل نبيًا عن آخر. فلا نجد فيه ما يشبه القول إن نوحًا جاء بعد آدم بكذا سنة، أو إن إبراهيم عاش بعد نوح بعدد معين من القرون، أو أن موسى يبعد عن إبراهيم بمدة محددة. وهذا الغياب ليس نقصًا في السرد، بل يبدو جزءًا من منهج القرآن نفسه، الذي لا يجعل الزمن غايته الأساسية.
فالقرآن لا يكتب تاريخًا بالمعنى الذي يعرفه المؤرخون، وإنما يعرض نماذج إنسانية يكشف من خلالها القوانين التي تحكم المجتمعات وصعود الحضارات وسقوطها.
وتتجلى هذه الرؤية في قوله تعالى:
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ [الأنعام: 6].
فالآية لا تتحدث عن أعداد محددة أو تسلسل زمني، وإنما تستخدم لفظ "كم" الدال على الكثرة، في سياق يراد منه إبراز كثرة الأمم التي سبقت، لا إحصاؤها.
كما أن لفظ القرن في القرآن لا يقتضي بالضرورة أن يكون مئة سنة. فالأصل اللغوي، كما يبينه ابن فارس، يعود إلى معنى الاقتران والاجتماع، أي جماعة من الناس اجتمعوا في زمن واحد، دون أن يستلزم ذلك تحديدًا عدديًا لعمرها أو مدتها. ومن ثم فإن حمل كل لفظ "قرن" في القرآن على معنى المئة سنة هو إسقاط لاستعمال اصطلاحي متأخر على نص لا يلزم بهذا الاصطلاح.
وتزداد الصورة وضوحًا في قوله تعالى:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 17].
فالآية تتحدث عن قرون كثيرة جاءت بعد نوح، دون أن تذكر أسماءها أو عددها، وكأن المقصود توسيع الأفق التاريخي لا تضييقه، وإظهار أن نوحًا لم يكن إلا حلقة في تاريخ إنساني طويل تعاقبت فيه أمم كثيرة.
وتبلغ هذه الدلالة ذروتها في قوله تعالى:
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 38].
فهنا يذكر القرآن ثلاث أمم معروفة، ثم يضيف بينها قرونًا كثيرة دون أن يسميها. ولو كان المقصود بناء تسلسل تاريخي دقيق لكان المتوقع ذكر تلك الأمم كما ذُكرت عاد وثمود. أما تركها مجهولة فهو يوحي بأن القرآن لا يعنيه استكمال قائمة الأمم، وإنما يريد الإشارة إلى أن ما لم يذكره أكثر بكثير مما ذكره.
إن هذه العبارة وحدها تفتح احتمالًا واسعًا بأن تاريخ الإنسان الذي يتحدث عنه القرآن أرحب بكثير من التاريخ المختزل الذي رسمته الكرونولوجيا التوراتية.
ومن الآيات التي تستحق التأمل أيضًا قوله تعالى عن نوح:
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14].
فالآية تتحدث عن مدة دعوته لقومه، لا عن عمره كله. وسواء فُهم هذا الرقم على ظاهره أم بوصفه جزءًا من نظام حياتي مختلف عن واقعنا، فإنه يكشف أن القرآن لا يقيس الأزمنة القديمة وفق المعايير التي اعتادها الإنسان المعاصر. ولذلك فإن محاولة إسقاط المقاييس الزمنية الحالية على جميع المراحل الأولى من التاريخ الإنساني قد تكون قراءة خارج النص، لا قراءة نابعة منه.
وفي الحديث عن عاد يقول تعالى:
﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 7-8].
إن وصف حضارة بأنها لم يُخلق مثلها في البلاد يشير إلى تجربة عمرانية استثنائية، لا إلى مجتمع عابر أو تجمع قبلي محدود. وليس المقصود هنا تحديد عمر تلك الحضارة، وإنما الإشارة إلى أن القرآن يتحدث عن كيانات إنسانية بلغت مستويات عالية من التنظيم والقوة، دون أن يربطها بإطار زمني محدد.
ومن هنا يبدو أن مركز الثقل في القصص القرآني ليس التاريخ، بل السنن.
فالقرآن يكرر باستمرار أن الغاية هي معرفة القوانين التي تحكم المجتمعات، لا معرفة ترتيب السنوات، ولذلك يقول:
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62].
فالسنن لا ترتبط بزمن معين، وإنما تعمل كلما تكررت شروطها، ولهذا فإن القصص القرآني يتحول من كونه مادة تاريخية إلى كونه مختبرًا لفهم الاجتماع الإنساني.
ولا يعني ذلك أن القرآن ينفي وجود تاريخ، ولا أنه يقرر عمرًا معينًا للبشرية، وإنما يعني أنه لا يجعل بناء الكرونولوجيا جزءًا من رسالته. ولهذا فإن محاولة استخراج تاريخ مفصل للأنبياء من القرآن قد تكون مطالبة للنص بما لم يقصد تقديمه أصلًا.
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة النظر في العلاقة بين القرآن والكرونولوجيا التوراتية. فالقرآن لا يؤيدها، كما أنه لا يناقضها تصريحًا، وإنما يتجاوزها، لأنه ينقل اهتمام القارئ من سؤال: متى وقع الحدث؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: لماذا وقع؟ وما القانون الذي يحكم تكراره؟
إن هذه القراءة لا تدّعي أنها الكلمة الأخيرة في فهم الزمن القرآني، بل هي اجتهاد ينطلق من ملاحظة منهجية بسيطة: القرآن يكثر من الحديث عن الأمم، ويقلل إلى الحد الأدنى من الحديث عن تواريخها. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يكون من الأدق أن نتعامل مع قصص الأنبياء بوصفها سجلًا للسنن الحضارية، لا بوصفها كرونولوجيا زمنية شبيهة بما نجده في التقاليد التاريخية الأخرى.
وحين يُقرأ القرآن بهذه الطريقة، يتحرر من الإطار الزمني المستعار الذي فُرض عليه عبر القرون، ويستعيد منطقه الداخلي؛ منطق النص الذي يجعل التاريخ وسيلة لفهم الإنسان، لا غاية في ذاته.
ولعل ما سبق يفتح الباب أمام فرضية تستحق البحث أكثر مما تستحق الرفض المسبق، وهي أن الإشارات القرآنية إلى كثرة القرون، وإلى الأمم التي لم يسمِّها النص، وإلى الامتداد الزمني الذي توحي به بعض القصص، قد تدل على أن تاريخ الأنبياء أعمق وأقدم بكثير مما تصوره الكرونولوجيا التوراتية التي اختزلت التاريخ الإنساني في بضعة آلاف من السنين. غير أن هذه الفرضية لا تزعم أن القرآن حدّد عمر البشرية أو رسم خطًا زمنيًا بديلًا، فالقرآن لم يفعل ذلك أصلًا، وإنما يترك أمام القارئ أفقًا تاريخيًا مفتوحًا لا تحدّه الجداول الزمنية الموروثة.
ومن ثم، فإن أقصى ما يمكن قوله هو أن النص القرآني لا يُلزمنا بالإطار الزمني الذي اشتهر في التراث التوراتي، بل إن مجموع الآيات التي تناولناها قد يُفهم منه، على سبيل الاستئناس والاستقراء، أن تاريخ الرسالات والأنبياء يمتد إلى أعماق سحيقة من التاريخ الإنساني. وتبقى هذه قراءة اجتهادية قابلة للنقاش والمراجعة، والله أعلم بمراده من كتابه.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- ميدفيديف: روسيا عازمة على توسيع تعاونها مع الجمهورية الإسلام ...
- ميدفيديف: الاتحاد الروسي سيواصل دعم الحقوق والمصالح المشروعة ...
- بين الحداد والسياسة.. طهران على موعد مع أكبر مراسم وداع في ت ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- يوسع هجماته في منطقة الساحل الأفريق ...
- غالبيتها بالقدس.. 83 اعتداء إسرائيليا على مسيحيين خلال 3 أشه ...
- إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان المرشد الأعلى السابق علي ...
- وصول جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي إلى مصلّ ...
- رئيس مؤسسة الدعاية الإسلامية الشيخ محمد قمي: هناك أخوة مع ال ...
- سوريا: إدراج الجامع العمري بقوائم إيسيسكو يرسخ مكانته التاري ...
- عشرات الآلاف من المصلين يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى ا ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التاريخ المقدس